aldps61
05-27-2009, 04:52 PM
وروى ابن إسحاق أنه صلى الله عليه وسلم قدم إلى المدينة من تبوك في شهر رمضان وفي ذلك الشهر قدم عليه وفد ثقيف .
وكانوا قد تشاوروا بينهم ، ورأوا أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب ، وقد بايع كلهم وأسلموا .فأرسلوا وفداً منهم يرأسهم كنانة بن عبد ياليل ،فلما دنوا من المدينة لقيهم المغيرة بن شعبة - وهو منهم ، فاستقبلهم وعلّمهم كيف يحيون رسول الله صلى الله عليه وسلم عند دخولهم عليه ، ولكنهم لم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية .
وأنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد ثقيف في المسجد وبنى لهم خياماً لكي يسمعوا القرآن ويروا الناس إذا صلوا ، ومكث الوفد أياماً عديدة يختلفون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويختلف إليهم وهو يدعوهم إلى الإسلام .( سيرة ابن هشام ) .
روى ابن سعد : { أنه صلى الله عليه وسلم كان يأتيهم كل ليلة بعد العشاء ، فيقف عليهم يحدثهم حتى يراوح بين قدميه } ( أي يقوم على كل قدم مرة من التعب ). ( طبقات ابن سعد )..
روى موسى بن عقبة في مغازيه : { أن عثمان بن أبي العاص كان في ذلك الوفد ،وكان أصغرهم ، فكانوا إذا ذهبوا إلى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفوه على رحالهم ، فكان عثمان كلما رجع الوفد ، وقالوا في الهاجرة عمد فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن الدين واستقرأه القرآن ، واختلف إليه عثمان على ذلك مراراً حتى فقه في الدين ،وكان إذا وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم نائماً عمد فذهب إلى أبي بكر ،وكان يكتم ذلك من أصحابه ، فأعجب ذلك منه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحبه .
وأخيراً دخل الإسلام أفئدتهم ،ولكن كنانة بن عبد ياليل قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم :أفرأيت الزنا ،فإنا قوم نغترب ولا بدّ لنا منه ،قال هو عليكم حرام ،فإن الله يقول { ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا } الإسراء .
قالوا : أفرأيت الرّبا ،فإن أموالنا كلها ، قال : لكم رؤوس أموالكم إن الله تعالى يقول : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الرّبا إن كنتم مؤمنين } البقرة . قالوا : أفرأيت الخمر ،فإن عصير أرضنا لابد لنا منها ، قال : إن الله حرمها وقرأ آية تحريم الخمر . ( انظر زاد المعاد ) .
قال ابن إسحاق : وسألوه أيضاً أن يضع عنهم الصلاة فقال صلى الله عليه وسلم
لا خير في دين بلا صلاة . فخلا بعضهم إلى بعض يتشاورون في الأمر ثم عادوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد خضعوا لذلك كله ، ولكنهم سألوه أن يدع لهم وثنهم الذي كانوا يعبدونه ( اللات ) ثلاث سنين لا يهدمها ،فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ،فما برحوا يسألونه سنة سنة ويأبى عليهم ، حتى سألوه شهراً واحداً بعد مقدمهم ،فأبى عليهم أن يدعها إلى أي أجل ،
قال ابن إسحاق : وإنما أرادوا بذلك أن يتخلصوا من أذى سفهائهم ونسائهم وذراريهم ،وكراهية منهم أن يردعوا قومهم بهدمها حتى يدخل الإسلام قلوبهم .
فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : فتولّ أنت إذن هدمها ، فأما نحن فإنا لا نهدمها أبداً . فقال لهم : فسأبعث لكم من يكفيكم ذلك .
ثم استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن لهم ،وأكرمهم وحيّاهم ،وأمّر عليهم عثمان بن أبي العاص لما رأى منه حرصه على الإسلام ،وكان قد تعلم سوراً من القرآن قبل أن يخرج .
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم وفداً على أثرهم أمّر عليهم خالد بن الوليد وفيهم المغيرة بن شعبة وأبو سفيان بن حرب ،فعمدوا إلى اللات فهدموها
وخرجت نساء ثقيف حُسراً يبكين عليها ويرثينها ،وكلما ضربها المغيرة بفأسه قال أبو سفيان : واهاً لك ،آها لك ( ابن هشام )
يسخر منه ويصانع حزن تلك النسوة اللاتي يندبن ويبكين عليه }......
قال ابن سعد في طبقاته - يروي عن المغيرة رضي الله عنه - فدخلت ثقيف في الإسلام ،فلا أعلم قوماً من العرب ،بني أب ولا قبيلة ،كانوا أصح إسلاماً ،ولا أبعد أن يوجد فيهم غش لله ولكتابه منهم .( طبقات ابن سعد ) .
تتابع وفود العرب ودخولهم في دين الله
قال ابن إسحاق : { لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وفرغ من تبوك وأسلمت ثقيف وبايعت ،ضربت إليه وفود العرب من كل وجه ،وإنما كانت العرب تتربص بالإسلام أمر هذا الحي من قريش ،إذ كانوا إمام الناس وأهل البيت والحرم ، وصريح ولد إسماعيل عليه السلام وقادة العرب ، فلما افتتحت مكة ودانت له قريش ودخولها الإسلام ،عرفت العرب أنه لا طاقة لهم بحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عدوانه ، فدخلوا في دين الله تعالى أفواجاً ،
كما قال تعالى { إذا جاء نصر الله والفتح . ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً . فسبح بحمد ربّك واستغفره إنه كان تواباً } النصر
العظات والعبر
تذكرون خبر أولئك الذين استقبلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم هاجر إلى الطائف ،شر استقبال ،وأخرجوه من ديارهم شر إخراج ، والحقوا به سفهاءهم وصبيانهم يضربونه ويؤذونه ويسخرون منه ؟...
تلك هي ثقيف التي سعت اليوم إليه ودخلت في دين الله تعالى صادقة طائعة.
وهل تذكرون إذ قال زيد بن حارثة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ،وقد عاد أدراجه من الطائف إلى مكة : { كيف تدخل عليهم يا رسول الله وهم أخرجوك ؟
فأجابه عليه الصلاة والسلام : يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجاً ومخرجاً ،وإن الله ناصر دينه ومظهر نبيّه }
إن ما حدث اليوم هو مصداق ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد ،فتلك هي الطائف وهذه مكة وشتى قبائل وبطون العرب قد سعت جميعها تدخل في دين الله أفواجاً .
ثم تعالوا فتأملوا !..تأملوا في كل ذلك الإيذاء الذي رآه من ثقيف والخيبة التي فوجئ بها بعد أن هاجر ساعياً على قدميه يعبر إليهم جبالاً وأودية قاصية مؤملاً عندهم استقبالاً كريماً أو استجابة حسنة . إن أدنى ما يترك ذلك في نفس الإنسان - أياً كان من الناس من الأثر ،أن يفكر في الانتقام أو أن يقابل إساءة بمثلها .
ولكن أين تجد هذا - أو حتى شيئاً من هذا في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم تجاه ثقيف لقد حاصر الطائف أياماً ثم أمّر أصحابه بالرجوع ،فقيل له : ادع على ثقيف ،فأبى ذلك ورفع يديه يقول : { اللهم إهد ثقيفاً وأت بهم مؤمنين}
ولما اسنجاب الله دعاء رسوله فجاء وفد ثقيف إلى المدينة ، تسابق أبو بكر الصديق والمغيرة بن شعبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشّرانه بذلك ،لما يعلم كل منهما من شدة سرور النبي صلى الله عليه وسلم بنبأ إسلام ثقيف وهدايتهم ، فخرج يستقبلهم في بشر وإكرام ،وراح يحبس عليهم وقته كله يعلّمهم ويرشدهم وينصح لهم .
طالما أرادوا به الكيد وشفوا بإذائه غليل أحقادهم عليه ،وهو لا يريد بهم إلا الخير والسعادة والرشد في الدنيا والآخرة - طالما فرحوا بمنظر النكبة والضّر يُرى متلبساً بهما ،ولكنه لم يفرح لهم إلا بنعمة الخير والإسلام إذ أكرمهم بهما الله !..
ترى أهذا كله طبيعة بشرية في إنسان ،يدعوا إلى مبدأ يراه أو عقيدة قد تخيرها؟
أما إنها ليست إلا طبيعة النبوّة ..وليست إلا من أثر تطلّعه عليه الصلاة والسلام إلى هدف واحد فقط ، هو أن تؤتي هذه الدعوة ثمارها فيلقى ربه وهو عنه راض . وما أهون الآلام والنكبات كلها في هذا السبيل ، وما أعظم الفرحة إذ يجتاز العبد تلك المفازات كلها ويستقر عند هذا الهدف الجليل !..
وذلك هو الإسلام : الذي لا يعرف حقداً ولا ضغينة ولا يريد شراً بإنسان .
يأمر بالجهاد ،ولكن في غير ضغينة وحقد .يعلّم القوة ،ولكن في غير أنانية وكبر
يدعو إلى الرحمة ،ولكن في غير مهانة أو ضعف. ويعلّم الحب ،ولكن في سبيل الله وحده.
إذن لقد كان وفد ثقيف ،والوفود الأخرى التي تلاحقت متجهة إلى المدينة داخلة في الإسلام ، كل ذلك كان وفاء بوعد ( النصر العزيز )الذي وعد الله به رسوله.
وتلك هي العبر التي ينبغي أخذها من قصة هذه الوفود .
وأما الدورس والأحكام فإليكم منها ما يلي :
أولاً : - جواز إنزال المشرك في المسجد إذا كان يُرجى إسلامه وهدايته
فقد رأينا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستقبل وفد ثقيف في مسجده لمحادثتهم وتعليمهم ،وإذا كان هذا جائز للمشرك ،فجوازه للكتابي أولى .
وقد استقبل النبي صلى الله عليه وسلم وفد نصارى نجران ،حينما جاءوا لسماع الحق ومعرفة الإسلام .
قال الزركشي : واعلم أن الرافعي والنووي رحمهما الله أطلقا أنه يجوز للكافر أن يدخل المساجد غير الحرم بإذن المسلم بقيود :
أولها : أن لا يكون قد شرط عليه في عقد الذمة عدم الدخول ،فإن كان قد شرط عليه لم يؤذن له .
ثانيها : أن يكون المسلم الذي أذن له مكلفاً ،كامل الأهلية.
ثالثها: أن يكون دخوله لسماع قرآن أو علم ورُجي إسلامه ،أو دخل لإصلاح بنيان ونحوه ،
وقضية كلام القاضي أبي علي الفارقي أنه لو دخل لسماع القرآن أو العلم وهو ممن لا يُرجى إسلامه أنه يُمنع وليس لنا أن نأذن له في الدخول ،أي كما إذا كانت الحالة تشعر بالاستهزاء أو بالمجاملة السياسية ابتغاء غرض معين كما هو شأن كثير من الأجانب اليوم .
فأما إذا استأذن لنوم أوأكل ونحوه ،قال في الروضة : ينبغي أن لا يؤذن له في دخوله لذلك .وظاهره الجواز : وقال غيره - أي غير النووي - لايجوز لنا أن نأذن له في ذلك .
قال الفارقي : (وفي معنى ذلك ،الدخول لتعلم الحساب واللغة وما كان في معناه
ولا خفاء أن موضع التجويز إذا لم يدخل على المسجد ضرر ولا تنجيس ولا تشويش على المصلين ) -( إعلام الساجد للزركشي )
قلنا : وأهم من ضرر التشويش ضرر الفتنة التي قد يتعرض لها المصلون بدخول نساء كافرات وهن بأزيائهن الفاضحة .ومثل الدخول للنوم والأكل في المنع ،الدخول للنظر في معالم البناء ونقوشه ..
ثانياً: حسن معاملة الوفود والمستأمنين :
والفرق بين الوفد والمستأمن ،أن الأول قادم رسولاً عن قومه وهو يكون دائماً مكوناً من عدة أفراد ، أما الثاني فقادم لنفسه يطلب الأمان في بلاد المسلمين ريثما يأخذ علماً عنهم وعن الإسلام .
فأما المستأمن فقد أمر الله بحسن استقباله والمحافظة عليه ثم إبلاغه مأمنه عندما يريد ذلك ،وذلك بصريح قوله تعالى { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه } التوبة .
وأما الوفود ،فقد دلّ على هذا الحكم أيضاً في حقهم ،القياس على المستأمن ،وعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم في حسن سياسته ومعاملته معهم ،فقد رأينا كيف أكرم الرسول صلى الله عليه وسلم وفد ثقيف في القدوم والإقامة.
ثالثاً: أحق الناس بالولاية والإمامة أعلمهم بكتاب الله تعالى :
ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن أبي العاص على ثقيف ،فقد أعجبه ما رأى فيه من الحرص على فهم كتاب الله تعالى والقد أصبح خلال الفترة التي أقامها في المدينة مع أصحابه ،أعلمهم بكتاب الله وأفقههم في الإسلام. والإمارة والولاية ليس كل منهما إلا مسؤولية دينية يراد منها إقامة الحكم والمجتمع الإسلامي فلا بدّ من توفر هذا الشرط فيهما.
رابعاً: وجوب هدم الأوثان والتماثيل :
وليس من شرط وجوب ذلك أن يكون هناك من يعبدها أو يقدسها ،بل الحكم في ذلك عام وشامل لكل حالة ،لعموم الدليل هنا ، ولدليل أمره صلى الله عليه وسلم
بتحطيم تلك التماثيل التي استخرجت من جوف الكعبة ،مع أنها لم تكن تعبد كتلك الأصنام الأخرى ،وهذا يدل على ما كنا قد ذكرناه من حرمة صنع التماثيل على اختلاف أنواعها وأشكالها ،وعلى حرمة اقتنائها مهما كانت أسباب ذلك .
**********
غير أن مما ينبغي أن نعلمه ،أن هذه الوفود كانت في مجموعها تمثل فئتين :
إحداهما فئة المشركين ،والثانية فئة أهل الكتاب .
فأما المشركين ،فقد دخل عامتهم في الإسلام ،وما رجعت وفودهم إلا وهي تحمل مشعل الإيمان والتوحيد إلى قومها .
وأما أهل الكتاب فقد بقي أكثرهم على ما هو عليه من اليهودية أو النصرانية .
ولقد كان الوفد الذي جاء يمثل نصارى نجران مؤلفاً من ستين رجلاً ،ولقد لبثوا عنده صلى الله عليه وسلم أياماً يجادلهم في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام ووحدانية الله تعالى . وكان آخر ما عنده صلى الله عليه وسلم لهم أن تلا عليهم قوله تعالى { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له :كن فيكون . الحق من ربك فلا تكن من الممترين .فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل : تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ،ثم نبتهل ،فنجعل لعنة الله على الكاذبين } آل عمران .
فلما أبوا أن يقروا ، دعاهم إلى المباهلة كما أمره الله بذلك ،وذهب عليه الصلاة والسلام فأقبل مشتملاً على الحسن والحسين رضي الله عنهما في خميل له ،وفاطمة رضي الله عنها تمشي خلفه للمباهلة ( أي الدعوة إلى أن يبتهل كل طرف إلى الله أن يجعل لعنته على الطرف الكاذب ) .
فأبى رئيس وفدهم ،وهو شرحبيل بن وداعة ،المباهلة أيضاً وحذر أصحابه من عاقبة ذلك عليهم .
فأقبلوا إليه صلى الله عليه وسلم يحكمونه فيما دون كلّ من الإسلام والمباهلة ،
وينزلون عند حكمه في ذلك .
فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجزية وكتب لهم بذلك كتاباً ، والتزام فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم - إن دفعوا الجزية المتفق عليها أن لا تهدم لهم بيعة ، ولا يفتنوا عن دينهم ما لم يحدثوا حدثاً - أي غدراً أو خيانة - أو يأكلوا الربا .( رواه الحاكم والبيهقي في دلائل النبوة - وانظر قصة وفد نصارى نجران في تفسير ابن كثير - وروى خبر المصالحة على الجزية ابو داود في كتاب الخراج باب أخذ الجزية .) ....................
وكانوا قد تشاوروا بينهم ، ورأوا أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب ، وقد بايع كلهم وأسلموا .فأرسلوا وفداً منهم يرأسهم كنانة بن عبد ياليل ،فلما دنوا من المدينة لقيهم المغيرة بن شعبة - وهو منهم ، فاستقبلهم وعلّمهم كيف يحيون رسول الله صلى الله عليه وسلم عند دخولهم عليه ، ولكنهم لم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية .
وأنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد ثقيف في المسجد وبنى لهم خياماً لكي يسمعوا القرآن ويروا الناس إذا صلوا ، ومكث الوفد أياماً عديدة يختلفون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويختلف إليهم وهو يدعوهم إلى الإسلام .( سيرة ابن هشام ) .
روى ابن سعد : { أنه صلى الله عليه وسلم كان يأتيهم كل ليلة بعد العشاء ، فيقف عليهم يحدثهم حتى يراوح بين قدميه } ( أي يقوم على كل قدم مرة من التعب ). ( طبقات ابن سعد )..
روى موسى بن عقبة في مغازيه : { أن عثمان بن أبي العاص كان في ذلك الوفد ،وكان أصغرهم ، فكانوا إذا ذهبوا إلى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفوه على رحالهم ، فكان عثمان كلما رجع الوفد ، وقالوا في الهاجرة عمد فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن الدين واستقرأه القرآن ، واختلف إليه عثمان على ذلك مراراً حتى فقه في الدين ،وكان إذا وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم نائماً عمد فذهب إلى أبي بكر ،وكان يكتم ذلك من أصحابه ، فأعجب ذلك منه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحبه .
وأخيراً دخل الإسلام أفئدتهم ،ولكن كنانة بن عبد ياليل قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم :أفرأيت الزنا ،فإنا قوم نغترب ولا بدّ لنا منه ،قال هو عليكم حرام ،فإن الله يقول { ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا } الإسراء .
قالوا : أفرأيت الرّبا ،فإن أموالنا كلها ، قال : لكم رؤوس أموالكم إن الله تعالى يقول : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الرّبا إن كنتم مؤمنين } البقرة . قالوا : أفرأيت الخمر ،فإن عصير أرضنا لابد لنا منها ، قال : إن الله حرمها وقرأ آية تحريم الخمر . ( انظر زاد المعاد ) .
قال ابن إسحاق : وسألوه أيضاً أن يضع عنهم الصلاة فقال صلى الله عليه وسلم
لا خير في دين بلا صلاة . فخلا بعضهم إلى بعض يتشاورون في الأمر ثم عادوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد خضعوا لذلك كله ، ولكنهم سألوه أن يدع لهم وثنهم الذي كانوا يعبدونه ( اللات ) ثلاث سنين لا يهدمها ،فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ،فما برحوا يسألونه سنة سنة ويأبى عليهم ، حتى سألوه شهراً واحداً بعد مقدمهم ،فأبى عليهم أن يدعها إلى أي أجل ،
قال ابن إسحاق : وإنما أرادوا بذلك أن يتخلصوا من أذى سفهائهم ونسائهم وذراريهم ،وكراهية منهم أن يردعوا قومهم بهدمها حتى يدخل الإسلام قلوبهم .
فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : فتولّ أنت إذن هدمها ، فأما نحن فإنا لا نهدمها أبداً . فقال لهم : فسأبعث لكم من يكفيكم ذلك .
ثم استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن لهم ،وأكرمهم وحيّاهم ،وأمّر عليهم عثمان بن أبي العاص لما رأى منه حرصه على الإسلام ،وكان قد تعلم سوراً من القرآن قبل أن يخرج .
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم وفداً على أثرهم أمّر عليهم خالد بن الوليد وفيهم المغيرة بن شعبة وأبو سفيان بن حرب ،فعمدوا إلى اللات فهدموها
وخرجت نساء ثقيف حُسراً يبكين عليها ويرثينها ،وكلما ضربها المغيرة بفأسه قال أبو سفيان : واهاً لك ،آها لك ( ابن هشام )
يسخر منه ويصانع حزن تلك النسوة اللاتي يندبن ويبكين عليه }......
قال ابن سعد في طبقاته - يروي عن المغيرة رضي الله عنه - فدخلت ثقيف في الإسلام ،فلا أعلم قوماً من العرب ،بني أب ولا قبيلة ،كانوا أصح إسلاماً ،ولا أبعد أن يوجد فيهم غش لله ولكتابه منهم .( طبقات ابن سعد ) .
تتابع وفود العرب ودخولهم في دين الله
قال ابن إسحاق : { لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وفرغ من تبوك وأسلمت ثقيف وبايعت ،ضربت إليه وفود العرب من كل وجه ،وإنما كانت العرب تتربص بالإسلام أمر هذا الحي من قريش ،إذ كانوا إمام الناس وأهل البيت والحرم ، وصريح ولد إسماعيل عليه السلام وقادة العرب ، فلما افتتحت مكة ودانت له قريش ودخولها الإسلام ،عرفت العرب أنه لا طاقة لهم بحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عدوانه ، فدخلوا في دين الله تعالى أفواجاً ،
كما قال تعالى { إذا جاء نصر الله والفتح . ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً . فسبح بحمد ربّك واستغفره إنه كان تواباً } النصر
العظات والعبر
تذكرون خبر أولئك الذين استقبلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم هاجر إلى الطائف ،شر استقبال ،وأخرجوه من ديارهم شر إخراج ، والحقوا به سفهاءهم وصبيانهم يضربونه ويؤذونه ويسخرون منه ؟...
تلك هي ثقيف التي سعت اليوم إليه ودخلت في دين الله تعالى صادقة طائعة.
وهل تذكرون إذ قال زيد بن حارثة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ،وقد عاد أدراجه من الطائف إلى مكة : { كيف تدخل عليهم يا رسول الله وهم أخرجوك ؟
فأجابه عليه الصلاة والسلام : يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجاً ومخرجاً ،وإن الله ناصر دينه ومظهر نبيّه }
إن ما حدث اليوم هو مصداق ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد ،فتلك هي الطائف وهذه مكة وشتى قبائل وبطون العرب قد سعت جميعها تدخل في دين الله أفواجاً .
ثم تعالوا فتأملوا !..تأملوا في كل ذلك الإيذاء الذي رآه من ثقيف والخيبة التي فوجئ بها بعد أن هاجر ساعياً على قدميه يعبر إليهم جبالاً وأودية قاصية مؤملاً عندهم استقبالاً كريماً أو استجابة حسنة . إن أدنى ما يترك ذلك في نفس الإنسان - أياً كان من الناس من الأثر ،أن يفكر في الانتقام أو أن يقابل إساءة بمثلها .
ولكن أين تجد هذا - أو حتى شيئاً من هذا في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم تجاه ثقيف لقد حاصر الطائف أياماً ثم أمّر أصحابه بالرجوع ،فقيل له : ادع على ثقيف ،فأبى ذلك ورفع يديه يقول : { اللهم إهد ثقيفاً وأت بهم مؤمنين}
ولما اسنجاب الله دعاء رسوله فجاء وفد ثقيف إلى المدينة ، تسابق أبو بكر الصديق والمغيرة بن شعبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشّرانه بذلك ،لما يعلم كل منهما من شدة سرور النبي صلى الله عليه وسلم بنبأ إسلام ثقيف وهدايتهم ، فخرج يستقبلهم في بشر وإكرام ،وراح يحبس عليهم وقته كله يعلّمهم ويرشدهم وينصح لهم .
طالما أرادوا به الكيد وشفوا بإذائه غليل أحقادهم عليه ،وهو لا يريد بهم إلا الخير والسعادة والرشد في الدنيا والآخرة - طالما فرحوا بمنظر النكبة والضّر يُرى متلبساً بهما ،ولكنه لم يفرح لهم إلا بنعمة الخير والإسلام إذ أكرمهم بهما الله !..
ترى أهذا كله طبيعة بشرية في إنسان ،يدعوا إلى مبدأ يراه أو عقيدة قد تخيرها؟
أما إنها ليست إلا طبيعة النبوّة ..وليست إلا من أثر تطلّعه عليه الصلاة والسلام إلى هدف واحد فقط ، هو أن تؤتي هذه الدعوة ثمارها فيلقى ربه وهو عنه راض . وما أهون الآلام والنكبات كلها في هذا السبيل ، وما أعظم الفرحة إذ يجتاز العبد تلك المفازات كلها ويستقر عند هذا الهدف الجليل !..
وذلك هو الإسلام : الذي لا يعرف حقداً ولا ضغينة ولا يريد شراً بإنسان .
يأمر بالجهاد ،ولكن في غير ضغينة وحقد .يعلّم القوة ،ولكن في غير أنانية وكبر
يدعو إلى الرحمة ،ولكن في غير مهانة أو ضعف. ويعلّم الحب ،ولكن في سبيل الله وحده.
إذن لقد كان وفد ثقيف ،والوفود الأخرى التي تلاحقت متجهة إلى المدينة داخلة في الإسلام ، كل ذلك كان وفاء بوعد ( النصر العزيز )الذي وعد الله به رسوله.
وتلك هي العبر التي ينبغي أخذها من قصة هذه الوفود .
وأما الدورس والأحكام فإليكم منها ما يلي :
أولاً : - جواز إنزال المشرك في المسجد إذا كان يُرجى إسلامه وهدايته
فقد رأينا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستقبل وفد ثقيف في مسجده لمحادثتهم وتعليمهم ،وإذا كان هذا جائز للمشرك ،فجوازه للكتابي أولى .
وقد استقبل النبي صلى الله عليه وسلم وفد نصارى نجران ،حينما جاءوا لسماع الحق ومعرفة الإسلام .
قال الزركشي : واعلم أن الرافعي والنووي رحمهما الله أطلقا أنه يجوز للكافر أن يدخل المساجد غير الحرم بإذن المسلم بقيود :
أولها : أن لا يكون قد شرط عليه في عقد الذمة عدم الدخول ،فإن كان قد شرط عليه لم يؤذن له .
ثانيها : أن يكون المسلم الذي أذن له مكلفاً ،كامل الأهلية.
ثالثها: أن يكون دخوله لسماع قرآن أو علم ورُجي إسلامه ،أو دخل لإصلاح بنيان ونحوه ،
وقضية كلام القاضي أبي علي الفارقي أنه لو دخل لسماع القرآن أو العلم وهو ممن لا يُرجى إسلامه أنه يُمنع وليس لنا أن نأذن له في الدخول ،أي كما إذا كانت الحالة تشعر بالاستهزاء أو بالمجاملة السياسية ابتغاء غرض معين كما هو شأن كثير من الأجانب اليوم .
فأما إذا استأذن لنوم أوأكل ونحوه ،قال في الروضة : ينبغي أن لا يؤذن له في دخوله لذلك .وظاهره الجواز : وقال غيره - أي غير النووي - لايجوز لنا أن نأذن له في ذلك .
قال الفارقي : (وفي معنى ذلك ،الدخول لتعلم الحساب واللغة وما كان في معناه
ولا خفاء أن موضع التجويز إذا لم يدخل على المسجد ضرر ولا تنجيس ولا تشويش على المصلين ) -( إعلام الساجد للزركشي )
قلنا : وأهم من ضرر التشويش ضرر الفتنة التي قد يتعرض لها المصلون بدخول نساء كافرات وهن بأزيائهن الفاضحة .ومثل الدخول للنوم والأكل في المنع ،الدخول للنظر في معالم البناء ونقوشه ..
ثانياً: حسن معاملة الوفود والمستأمنين :
والفرق بين الوفد والمستأمن ،أن الأول قادم رسولاً عن قومه وهو يكون دائماً مكوناً من عدة أفراد ، أما الثاني فقادم لنفسه يطلب الأمان في بلاد المسلمين ريثما يأخذ علماً عنهم وعن الإسلام .
فأما المستأمن فقد أمر الله بحسن استقباله والمحافظة عليه ثم إبلاغه مأمنه عندما يريد ذلك ،وذلك بصريح قوله تعالى { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه } التوبة .
وأما الوفود ،فقد دلّ على هذا الحكم أيضاً في حقهم ،القياس على المستأمن ،وعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم في حسن سياسته ومعاملته معهم ،فقد رأينا كيف أكرم الرسول صلى الله عليه وسلم وفد ثقيف في القدوم والإقامة.
ثالثاً: أحق الناس بالولاية والإمامة أعلمهم بكتاب الله تعالى :
ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن أبي العاص على ثقيف ،فقد أعجبه ما رأى فيه من الحرص على فهم كتاب الله تعالى والقد أصبح خلال الفترة التي أقامها في المدينة مع أصحابه ،أعلمهم بكتاب الله وأفقههم في الإسلام. والإمارة والولاية ليس كل منهما إلا مسؤولية دينية يراد منها إقامة الحكم والمجتمع الإسلامي فلا بدّ من توفر هذا الشرط فيهما.
رابعاً: وجوب هدم الأوثان والتماثيل :
وليس من شرط وجوب ذلك أن يكون هناك من يعبدها أو يقدسها ،بل الحكم في ذلك عام وشامل لكل حالة ،لعموم الدليل هنا ، ولدليل أمره صلى الله عليه وسلم
بتحطيم تلك التماثيل التي استخرجت من جوف الكعبة ،مع أنها لم تكن تعبد كتلك الأصنام الأخرى ،وهذا يدل على ما كنا قد ذكرناه من حرمة صنع التماثيل على اختلاف أنواعها وأشكالها ،وعلى حرمة اقتنائها مهما كانت أسباب ذلك .
**********
غير أن مما ينبغي أن نعلمه ،أن هذه الوفود كانت في مجموعها تمثل فئتين :
إحداهما فئة المشركين ،والثانية فئة أهل الكتاب .
فأما المشركين ،فقد دخل عامتهم في الإسلام ،وما رجعت وفودهم إلا وهي تحمل مشعل الإيمان والتوحيد إلى قومها .
وأما أهل الكتاب فقد بقي أكثرهم على ما هو عليه من اليهودية أو النصرانية .
ولقد كان الوفد الذي جاء يمثل نصارى نجران مؤلفاً من ستين رجلاً ،ولقد لبثوا عنده صلى الله عليه وسلم أياماً يجادلهم في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام ووحدانية الله تعالى . وكان آخر ما عنده صلى الله عليه وسلم لهم أن تلا عليهم قوله تعالى { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له :كن فيكون . الحق من ربك فلا تكن من الممترين .فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل : تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ،ثم نبتهل ،فنجعل لعنة الله على الكاذبين } آل عمران .
فلما أبوا أن يقروا ، دعاهم إلى المباهلة كما أمره الله بذلك ،وذهب عليه الصلاة والسلام فأقبل مشتملاً على الحسن والحسين رضي الله عنهما في خميل له ،وفاطمة رضي الله عنها تمشي خلفه للمباهلة ( أي الدعوة إلى أن يبتهل كل طرف إلى الله أن يجعل لعنته على الطرف الكاذب ) .
فأبى رئيس وفدهم ،وهو شرحبيل بن وداعة ،المباهلة أيضاً وحذر أصحابه من عاقبة ذلك عليهم .
فأقبلوا إليه صلى الله عليه وسلم يحكمونه فيما دون كلّ من الإسلام والمباهلة ،
وينزلون عند حكمه في ذلك .
فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجزية وكتب لهم بذلك كتاباً ، والتزام فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم - إن دفعوا الجزية المتفق عليها أن لا تهدم لهم بيعة ، ولا يفتنوا عن دينهم ما لم يحدثوا حدثاً - أي غدراً أو خيانة - أو يأكلوا الربا .( رواه الحاكم والبيهقي في دلائل النبوة - وانظر قصة وفد نصارى نجران في تفسير ابن كثير - وروى خبر المصالحة على الجزية ابو داود في كتاب الخراج باب أخذ الجزية .) ....................