aldps61
03-31-2009, 01:46 AM
وتمسى بغزوة الأحزاب،وقد كانت في شوال سنة خمس على ما جزم به ابن إسحاق وعورة بن الزبير وقتادة والبيهقي وجمهور علماء المسيرة ، وقيل في سنة أربع من الهجرة 0وقد تفرد به موسى بن العقبة ورواه عنه البخاري وتابعه ذلك مالك 0
0سببها :أن نفراً من زعماء اليهود من بني النضير خرجوا حتى قدموا مكة ،فدعوا قريشاَ إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا :((سنكون معكم حتى نستأصله ،وقالوا لهم إن أنتم عليه خير من دين محمد صلى الله عليه وسلم ))ففيهم نزل قول الله تعالى((ألم ترِِِِ
إلى الذينّ أوتوا نصيبا َمن الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين أمنوا سبيلاَ،أولئك الذين لعنهم الله فلن تجد نصيراَ )) [النساء ] . فاتفقوا مع قريش على حرب المسلمين وتواعدوا لذلك .
ثم خرج أولئك النفر من اليهود حتى جاؤوا غطفان فدعوهم إلى مثل مادعوا قريشاً إليه ، ولم يزالوا بهم مع هؤلاء جميعاً تواعد في الزمان والمكان لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم .
تهيؤ المسلمين للحرب ، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخير وسمع بخروجهم من مكة ، ندب الناس وأخيرهم خير عدوهم وشاورهم في الأمر ، فأشار عليه سلمان الفارسي بالخندق ، فأعجب ذلك المسلمين (والخندق مما لم يكن يعلمه العرب من وسائل الحرب ) فخرجوا من المدينة وعسكر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفح جبل سلع فجعلوه خلفهم ، ثم هبوا جميعاً يحفرون الخندق بينهم وبين العدو .كان المسلمون يومئذ ثلاثة آلاف ، وعدد ما اجمع من قريش والأخرى عشرة آلاف .
مشاهد من عمل المسلمين في حفر الخندق : روى البخاري عن البراء رضي الله عنه قال : ( لما كان يوم الأحزاب ، وخندق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني التراب جلدة بظنه وكان كثير الشعر )وروى عن انس رضي الله عنه أن الأنصار والمهاجرين كانوا يرتجزون وهم يحفرون الخندق وينقلون التراب على متونهم :
نحن الذين بايعوا محمداً على الإسلام ما بقينا أبداً
فيجيبهم النبي صلى الله عليه وسلم :
(اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة ،فبارك في الأنصار والمهاجرة ) .
وروى البخاري أيضاً في صحيحه عن جابر رضي الله عنه قال : (إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كُدْية شديدة ، فجاؤوا النبي صلى الله عليه وسلم
فقالوا هذه كدية عرضت في الخندق ، فقال : أنا نازل ،ثم قام وبطنه معصوب بحجر ، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقاً ، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول فضرب ، فعاد كثيباً أهيل ( أوأهيم ) فقلت : يا رسول الله ائذن لي إلى البيت ، فقلت لامرأتي : رأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم شيئاً ما كان لي في ذلك صبر ، فعندك شيء ؟ قالت : عندي شعير وعناق
فذبحت العناق وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم في البرمة ، ثم جئت النبي صلى الله عليه وسلم والعجين قد انكسر والبرمة بين الأثافي قد كادت أن تنضج ، فقلت ، طعيّمٌ لي ، فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان .قال : كم هو ؟ فذكرت له ، قال :كثير طيب ، فقل لها لا تنزع البرمة ولا الخير من التنور حتى آتي . ثم نادى المهاجرين والأنصار فقال لم قوموا .. وفي طريق أخرى : فصاح النبي صلى الله عليه وسلم : يا أهل الخندق ،يا أهل الخندق ، إن جابراً قد صنع سوار فحيّ هلاً بكم .فلما دخل جابر على امرأته قال : ويحك جاء النبي بالمهاجرين والأنصار ومن معهم ! .. قالت : هل سألك كم طعامك ؟ قال : نعم ، قالت : اله ورسوله أعلم .
ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال أدخلوا ولا تضاغطوا . فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم ويخمرّ البرمة والتنور إذا أخذ منه ، ويقرب إلى أصحابه ثم ينزع ، فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا وبقي بقية ! قال : كلي هذا واهدي ، فإن الناس أصابتهم مجاعة ( وفي رواية أخرى ) فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوا وانصرفوا ، وإن برمتنا لتغطّ كما هي وأن عجيننا ليخبز كما هو ) .
موقف المنافقين من العمل في الخندق : روى ابن هشام أنه أبطأ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن المسلمين في عملهم في الخندق رجال من المنافقين ،وجعلوا يورّون بالضعيف من العمل ،ويتسللون إلى أهلهم بغير علم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ،وكان الرجال من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لابد له منها يستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له ، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من علمه . وفي ذلك نزل قوله تعالى : ( إنما المؤمنونَ الذينَ آمَنوا بالله ورسوله ، وإذا كانُوا مَعَهُ على أمرٍ جامعٍ لَمْ يذهَبوا حتى يَسْتَأْْْْذنوهُ ، إنّ الذينَ يَسْتأذنونكَ أولئكَ الذينَ يؤمنونَ بالله وَرَسوله ، فإذا استأذنوكَ لبعض شَأنهمْ فَأْذَنْ لمَنْ شئْتَ مْنُمْ ، واسْتَغْفرْ لَهُمُ الله أنّ الله غفورٌ رحيمٌ)
[ النور] .
نقض بني قريظة للعهد : وخرج حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي فأغراه بنقض العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ،وقال له : ( جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة ،وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب أحد قد عاهدوني وعاقدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمداً ومن معه
فقال له كعب : جئتني والله بذل الدهر .. ويحك يا حيي فدعني وما أنا عليه ، فإني لم أر من محمد إلا صدقاً ووفاء .ولم يزل حيي بكعب حتى أقنعه بالخيانة ونقض العهد ) وانتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل سعد بن معاذ ليتحقق من الخبر وأوصاه أن يلحن له بإشارة يفهمها إذا كان الخبر حقاً ، وأن لا يفت في أعضاد الناس وإن كان كذباً فليجهر به في الناس .فلما استطلع سعد الخبر ورآه حقاً عاد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له ( عضل والقارة ) أي كغدر عضل والقارة .فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (الله أكبر ، أبشروا يا معشر المسلمين ) .
ما آل إليه حال المسلمين إذ ذاك : بلغ المسلمين خبر نقض بني قريظة للعهد ، وذر قرن المنافقين بينهم يفتون في عضد المسلمين ، وجاءهم العدو من فوقهم ومن أسفل منهم ، وراح المنافقون يرجفون في المدينة حتى إن أحدهم ليقول : ( كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر ، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ) . ولما وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر كذلك وأن البلاء قد اشتد بالمسلمين بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فاستشارهما في أن يصالح قبيلة غطفان على ثلث ثمار المدينة كي ينصرفون عن قتال المسلمين ،فقالا له : ( يا رسول الله ،أهو أمر تحبه فنصنعه ، أم شيء أمرك به الله ، تصنعه لنا ؟ بل شيء أصنعه لكم كي أكسر عنكم من شوكتهم . وحينئذ قال له سعد بن معاذ : والله مالنا بهذا من حاجة ، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم .فتهلل وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له فأنت وذاك ) .
قال أبن إسحاق يروي عن عاصم بن عمرو بن قتادة وعن بن مسلم بن شهاب الزهري : ( ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح ( أي بين المسلمين وغطفان ) إلا المراوضة في ذلك ).
أما المشركين فقد فوجئوا بالخندق حينما وصلوا إليه ، وقالوا إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها . فعسكروا حول الخندق يحاصرون المسلمين ، ولم يحدث قتال غير أن بعض المشركين أخذوا يتيمون مكانا ضيقا من الخندق فاقتحموا منه ، فأخذ عليهم المسلون الثغرة التي اقتحموا منها ،وقُتل البعض .إذ ذاك عمرو بن ودّ ، قتله علي بن طالب رضي الله عنه .
هزيمة المشركين بدون قتال : وكفى الله المؤمنين القتال فهزم جموع المشركين بوسيلتين لا دخل للمسلمين فيهما . أما أولاهما فرجل من المشركين اسمه نُعَيم بن مسعود أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلماً وعرض عليه تنفيذ أي أمر يريده النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : ( إنما أنت رجل واحد فينا ، ولكن خذّل عنا إن استطعت ، فإن الحرب خدعة ) .
فخرج نعيم بن مسعود ،فأتى بني قريظة فأقنعهم - وهم يحسبونه لا يزال مشركاً -أن لا يتورطوا مع قريش في قتال حتى يأخذوا منهم رهائن ،كي لا يولوا الأدبار ، فيبقوا وحدهم في المدينة دون أي نصير لهم على محمد وأصحابه، فقالوا له : إنه للرّأي ! .
ثم خرج حتى أتى قريشاً فـأنبأهم أن قريظة قد ندموا على ما صنعوا وأنهم قد اتفقوا خفية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يختطفوا عدداً من أشراف قريش وغطفان فيسلموهم له ليقتلهم ، فإن أرسلت إليكم يهود يلتمسون منكم رُهُناً من رجالكم فإياكم أن تسلموهم رجلاً منكم .
ثم خرج حتى أتى غطفان فقال لهم مثل الذي قال لقريش .وهكذا تألب بعضهم على بعض ، واختفت الثقة فيما بينهم ،وأصبح كل فريق منهم يتهم الفريق الآخر بالغدر والخيانة .
أما الوسيلة الثانية -فهي ريح هوجاء مخيفة في ليلة مظلمة باردة ،جاءت فقلبت قدورهم واقتلعت خيامهم ، وقطعت أوتادهم ، وذلك بعد بضعة عشر يوماً من المحاصرة التي ضربها المشركون على المسلمين .
روى مسلم بسنده عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال : { لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب ،وأخذتنا ريح شديدة وقرّ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا رجل يأتيني بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة ، فسكتنا فلم يجبه منا أحد ، ثم قال : ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة ،فسكتنا فلم يجبه منا أحد ، ( ردد ذلك رسول الله ثلاثاً ) ثم قال : قم يا حذيفة فأتنا بخبر القوم ، فلم أجد بداً إذ دعاني باسمي أن أقوم .قال : اذهب فأتني بخبر القوم ولا تذعرهم علي . فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام ، حتى أتيتهم ، فرأيت أبا سفيان يُصلي ظهره بالنار ، فوضعت سهماً في كبد القوس ،فأردت أن أرميه ،فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تذعرهم علي ،ولو رميته لأصبته ، فرجعت وأنا أمشي في مثل حمام
فلما أتيته فأخبرته بخبر القوم وفرغت ، فألبسني رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها ،فلم أزل نائماً حتى أصبحت ، قال : قم يا نومان }..(رواه مسلم )
ورواه ابن إسحاق بزيادة : فدخلت في القوم ،والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل لا تقرّ لهم قدراً ولا ناراً ولا بناء ، فقام أبو سفيان فقال : يا معشر قريش لينظر امرؤ من جليسه ؟ قال حذيفة : فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جانبي فقلت له من أنت ؟ قال : فلان بن فلان .ثم قال أبو سفيان : يا معشر قريش ،إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام ، لقد هلك الكراع والخف ، وأخلفتنا بنو قريظة ،وبلغنا عنهم الذي نكره ،ولقينا من شدة الريح ما ترون ..فارتحلوا فإني مرتحل ..( سيرة ابن هشام )...
وفي صباح اليوم الثاني ،كان المشركون كلهم قد ولوا الأدبار وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه إلى المدينة .
وكان لا يفتر عليه الصلاة والسلام طيلة هذه الأيام والليالي عن الاستغاثة
والتضرع والدعاء لله تعالى أن يؤتي المسلمين النصر .وكان من جملة دعائه عليه الصلاة والسلام في ذلك :{ اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب ، اللهم اهزمهم وزلزلهم } رواه البخاري
. وفي هذه الغزوة فاتت النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة في وقتها فقضاها بعد خروج الوقت ، فقد ورد في الصحيحين أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاء يوم الخندق بعدما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش ،فقال: ( يا رسول الله ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب !....قال النبي صلى الله عليه وسلم : والله ما صليتها ،فقمنا إلى بُطحان فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها ،فصلى العصر بعدما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب ) (متفق عليه واللفظ للبخاري ).
وزاد مسلم على هذا حديثاً آخر أنه صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب:(شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً ، ثم صلاها بين العشاءين : بين المغرب والعشاء )
العظات والعبر :
وهذه الغزوة أيضاُ - قامت على أساس من غدر اليهود وكيدهم - كما ترى
- فهم الذين أثاروا ،وألّبوا ، وجمعوا الجموع والأحزاب ، ولم يتوقف ذلك النضير الذين كانوا قد أخرجوا من المدينة ، بل اشترك معهم بنو قريظة الذين كانوا لا يزالون مرتبطين بعهود ومواثيق مع المسلمين ، دون أن يجدوا منهم أي مكروه من شأنه أن يدعوهم إلى نقص تلك العهود والمواثيق !..
ولنستعرض : وقائع هذه الغزوة ومشاهدها لنقف على ما تنطوي عليه من دروس وعظات وأحكام ، وسنلخصها في الأمور التالية :
أولاً : لقد كان من جملة الوسائل الحربية التي استعملها المسلمون في هذه الغزوة حفر الخندق ، ولقد كانت غزوة الأحزاب أول غزوة التاريخ العربي والإسلامي يحفر فيها الخنادق ، إذ هم مما كان متعارفاً بين الأعاجم فقط ، وقد رأيت أن الذي اقترح ذلك في غزوة الأحزاب إنما هو سلمان الفارسي ، وقد رأيت أن النبي صلى الله عليه وسلم أعجب بهذه الوسيلة الحربية وسرعان ما دعاً أصحابه إلى القيام بتحقيقها .
وهذا من جملة الأدلة الكثيرة التي تدل على أن الحكمة هي ضالة المؤمن،
فحيثما وجدها التقطها بل هو أولى بها من غيره، وأن الشريعة الإسلامية بمقدار ما تكره للمسلمين اتباع غيرهم وتقليدهم على غير بصيرة ، تحب لهم أن يجمعوا لأنفسهم أطراف الخير كله والمبادئ المفيدة جميعها ، أينما لاح لهم ذلك ، وحيثما وُجد .فالقاعدة الإسلامية العامة في هذا الصدد
هي أن لا يعطل المسلم عقله الحر وتفكيره الدقيق في سلوكه وعامة شؤونه وأحواله ، وإذا كان المسلم كذلك فهو ولا ريب ، لايمكن أن يربط في عنقه زماماً يسلّم طرفه للآخرين فيقودوه حيثما أرادوا بدون وعي ولا بصيرة ، وهو أيضاً لا يمكن أن يتجاهل أي مبدأ أو عمل أو نظام يسلّم به العقل النيّر والفكر الحر وينسجم مع مبادئ الشريعة الإسلامية ، ليتجاوزه ولا يتعب نفسه بأخذه والاستفادة منه.
وهذا السلوك الذي شرعه الله للمسلم ، إنما ينبع من أصل أساسي هو الكرامة التي فطر الله الإنسان عليها إذ قضت مشيئته أن يكون هو سيد المخلوقات . وما ممارسة العبودية لله تعالى والتزام أحكام شريعته إلا ضمان لحفظ هذه الكرامة والسيادة.
ثانياً: - وفيما استعرضناه من مشهد عمل الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفر الخندق ، عبرة بالغة كبرى - توضح لنا حقيقية المساواة التي يرسيها المجتمع الإسلامي بين جميع أفراده المسلمين -
وتكشف لنا أن العدالة والمساواة ،ليستا في الاعتبار الإسلامي مجرد شعارات يزين بها ظاهر المجتمع أو يوضع منه في إطار لامع براق ، وإنما العدالة والمساواة هما الأساس الواقعي الذي تنبثق منه القيم والمبادئ الإسلامية عامة ظاهراً وباطناً.
فأنت تجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يندب المسلمين إلى حفر الخندق ، ثم ذهب يراقبهم في قصر منيف له مستريحاً هادئاً ، ولا أقبل إليهم في احتفال صاخب رنان ليمسك معول أحدهم بأطراف أصابعه ، فيضرب به ضربة واحدة في الأرض إيذاناً ببدء العمل وتخييلاً لهم أنه قد شاركهم في ذلك ، ثم يلقي المعول ويدير إليهم ظهره ، ينفض عن حلته ما قد علق بها من ذرات الغبار .
ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد انخرط في العمل كأي واحد من أصحابه ، حتى لبس ثوباً من الأتربة والغبار على جسمه فما تفرقه عن أي عامل آخر من صحبه وإخوانه - يرتجزون لينشط بعضهم بعضاً ، فيرتجز معهم ، ويتعبون ويجوعون فيكون أولهم تعباً وجوعاً . وتلك هي حقيقة ما أقامته الشريعة الإسلامية من مساواة بين الحاكم والمحوكم والغني والفقير والصعلوك والأمير - ولا نجد فرعاً من فروع الشريعة وأحكامها إلا قائماً على هذا الأساس ضامناً لهذا الحق.
وأعيذك أن تخطئ ، فتسمي هذا ديمقراطية في السلوك أو الحكم ، فشتان ما بينهما من الفرق.
ومصدر هذه العدالة والمساواة في الدين الإسلامي ، هو العبودية لله تعالى . وهي صفة عامة شاملة للناس كلهم ، تضعهم في صف واحد من المكانة والاعتبار .
ومصدر ما يسمونه بالديمقراطية ، تحكيم رأي الأكثرية أي تأليه رأي الأكثرية على الآخرين ، مهما كانت طبيعة ذلك الرأي ومرماه.
من أجل هذا - لا تعوج الشريعة الإسلامية على شيء مما يسمى بالامتيازات لأي طبقة أو فئة من الناس ،ولا تخص جماعة منهم بحصانة ما مهما كانت الدوافع والأسباب ، لأن صفة العبودية من شأنها أن تذيب كل ذلك وتلغيه من الاعتبار .
ثالثاً: - وفي هذا المشهد نفسه أيضاً عبرة وعظة أخرى تكشف لنا عن مظهر النبوة في شخصية النبي صلى الله عليه وسلم ، وتضعنا أمام مدى ما كانت تمتلئ به نفسه من محبة أصحابه والشفقة عليهم وتعطيك مثالاً آخر للخوارق والمعجزات التي أكرم الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم .
فأما ما يتجلى من شخصيته النبوية في هذا المشهد ،فذلك يبدو في مكابدته صلى الله عليه وسلم للجوع الشديد أثناء عمله مع أصحابه ، حتى إنه ليشد الحجر على بطنه ، يتقي بذلك ما يجده الجائع من ألم الفراغ في معدته ، ترى ما الذي يمكن أن يحمله على معاناة مثل المشقة والجهد ؟ أهو التطلع إلى الزعامة !..أم هي الرغبة في المال والملك !..أم هو الطموح إلى أن يجد من حوله شيعة وأتباعاً !.. كل هذه التطلع ، تناقض مناقضة صارخة هذا الذي يكابده ويعانيه ، وما أبعد الرجل الذي يطمع في جاه أو ملك أو سلطان عن الصبر على تحمل مثل هذه الآلام .
أن الذي يحمله على تحمل كل ذلك إنما هو المسؤولية الرسالة والأمانة التي كُلف بتبليغها والسير بها إلى الناس في طريق هذه طبيعتها . فهذه الشخصية النبوية التي تتجلى في عمله مع أصحابه في حفر الخندق .
وأما ما يبدو خلال ذلك من محبته الشديدة لأصحابه والشفقة عليهم ، فإنك لتجده واضحاُ في موقفه صلى الله عليه وسلم من دعوة جابر له إلى طعامه القليل ، ذاك الذي صنعه له .
لقد كان الذي دفع جابراً إلى دعوته صلى الله عليه وسلم ، ما اكتشفه من شدة جوعه عليه الصلاة والسلام حينما رأى الحجر المربوط على بطنه الشريف ، ولم يكن في بيته من الطعام إلا ما يكفي لبضعة أشخاص ، فاضطر إلى أن يجعل الدعوة على قدر ما عنده من الطعام .
ولكن كيف يُتصور أن يترك النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في غمرة العمل وهم يتضورون مثله جوعاً ، لينفرد عنهم مع ثلاثة أو أربعة من أصحابه يستريحون ويأكلون ، وإنه لأشفق على أصحابه من شفقة الأم على أولادها ؟!
أما جابر فقد كان مضطراً إلى ما فعل ، وكان ذلك منه طبيعياً إذ إنه - كأي مفكر من الناس - لم يكن إلا يكن يملك إلا أن يتصرف حسب ما لديه من الأسباب المادية ، والطعام الذي لديه ، لا يكفي فيما يُجمع عليه عرف البشر إلا لهذا العدد اليسير ، فلْيختصّ به إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن يشاء مكن بعض أصحابه في حدود ضيقة .
ولكنه عليه الصلاة والسلام ، لم يكن من شأنه أن يتأثر بنظرة جابر هذه ، فهو أولاً لا يمكن أن يتميز عن أصحابه بشيء من النعمة أو الراحة وهو ثانياً لا يمكن أن يأسر نفسه تحت سلطان الأسباب المادية وحدودها التي ألفها البشر ، فالله وحده مسبب الأسباب وخالقها ، ومن اليسير عليه سبحانه أن يجعل من الطعام اليسير كثيراً ، وأن يبارك في القليل منه حتى يكفي القوم كلهم .
ومهما يكن ، فقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم أنه وأصحابه متضامنون متكافلون يتقاسمون النعمة بينهم مهما قلت كما يتقاسمون بينهم المحنة مهما عظمت وكثرت !.. فمن أجل ذلك أرسل جابراً إلى داره ليهيئ لهم الطعام ، وانفتل هو إلى عامة القوم يناديهم أن يقبلوا جميعاً إلى صنيعه كبرى لهم دار جابر .
وأما المعجزة الخارقة في هذه القصة ، فهي ما رأيت من انقلاب شاة جابر الصغيرة إلى طعام وفير كثير ، شبع منه مئات الصحابة وبقيت منه بقية كثيرة تركوها بعد أن اقترح النبي صلى الله عليه وسلم على أهل البيت أن يتصدقوا بها ! .. لقد كانت هذه الخارقة العجيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم على تقديراً إلهياّ لمدى محبته صلى الله عليه وسلم لأصحابه وإعراضه عن الأسباب المادية وشأنها في جنب قدرة الله وسلطانه .
والذي أريده من القارئ ، أن ينتبه بفكره إلى مثل هذه المؤيدات الإلية التي كان يؤيّد بما النبي صلى الله عليه وسلم من وراء قيمة الأسباب المادية وسلطانها ، فهي من أهم ما يبرز معالم شخصيته النبوية للدارس المتأمل . أريد من القارئ أن ينتبه بفكره إلى هذه الحقيقة ، بمقدار ما يمعن بعضهم في الإعراض عنها ،وأن قابلتهم وجهاً لوجه أثناء البحث ،بأدلة ثابتة لا تقبل الشك .
رابعاً : - ما هي الحكمة ، في استشارته عليه الصلاة والسلام لبعض أصحابه ، في أن يعرض صلحاً على غطفان ، قوامه إعطاؤهم ثلث ثمار المدينة على أن ينصرفوا عن تأييد قريش ومن معهم .ويرجعوا عن حرب المسلمين ، وما هي الدلالة التشريعية التي تؤخذ من تفكيره هذا ؟ ...
أما الحكمة - فهي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يريد أن يطمئن إلى مدى ما يتمتع به أصحابه الصادقون ،من القوة المعنوية والاعتماد على نصر الله وتوفيقه على الرغم من هذا الذي فوجئوا به من اجتماع أشتات المشركين عليهم في كثرة ساحقة،إلى جانب ما طلعت به بنو قريظة في الوقت نفسه من نقض العهود والمواثيق .وقد كان من عادته صلى الله عليه وسلم - كما قد رأينا - أنه لم يكن يحب أن يسوق أصحابه إلى حرب أو مغامرة لا يجدون في أنفسهم شجاعة كافية لخوضها ،أو لا يؤمنون بجدواها ،وقد كان هذا من أبرز أساليبه التربوية صلى الله عليه وسلم لأصحابه.
فمن أجل ذلك ،عرض على أصحابه هذا الرأي ،وأنبأهم أنه ليس تبليغاً من الله تعالى ،وإنما هو شيء يبديه لهم كي يكسر عنهم شوكة المشركين
إذا كانوا لا يجدون في أنفسهم طاقة على مقابلتهم.
وأما الدلالة التشريعية في هذه الاستشارة ، فهي محصورة في مجرد مشروعية مبدأ الشورى في كل ما لا نص فيه .
وهي بعد ذلك لا تحمل أي دلالة على جواز صرف المسلمين أعداهم عن ديارهم إذا ما اقتحموها، باقتطاع شيء من أرضهم أو خيراتهم لهم . إذ مما هو متفق عليه في أصول الشريعة الإسلامية أن الذي يُحتج به من تصرفاته صلى الله عليه وسلم إنما هو أقواله وأفعاله التي قام بها ، ثم لم يرد اعتراض عليها من كتاب الله تعالى ، فأما ما كان من ذلك في حدود الاستشارة والرأي المجردين فلا يعتبر دليلاً بحال. إذ الاستشارة أولاً : يمكن أن تكون المقصود منها مجرد استطلاع لما في النفوس كما ذكرنا ،
أي فهي ممارسة لعمل تربوي بحت ، وهي ثانياً : حتى ولو انتهت بعمل تنفيذي ،يمكن أن يرد اعتراض من كتاب الله تعالى ،فلا تبقى فيه أي دلالة تشريعية .
على أن علماء السيرة نصّوا ، كما قد رأينا ، على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبرم صلحاً مع غطفان ولم تقع شهادة ولا عزيمة على الصلح وإنما كان الأمر مراوضة لم يتجاوزها.
نقول هذا ، لأن فئة مجهولة في عصرنا هذا ،أخذت تزعم زعماً شنيعاً في منتهى الغرابة، وهو : أنه يجب على المسلمين أن يدفعوا ( الجزية ) ! إلى غير المسلمين إذا اقتضت الحاجة ، مستدلة على ذلك بأنه صلى الله عليه وسلم قد استشار أصحابه في غزوة الأحزاب أن يفعل ذلك !...
وبقطع النظر عن هذا الذي أوضحناه من أن مضمون الرأي المعروض على بساط الاستشارة لا يعتبر دليلاً تشريعياً ، فلسنا ندري ما الصلة بين (الجزية ) وما يمكن أن يتصالح عليه فريقان متحاربان ؟!.
فإن قلت : فهب أن المسلمين اضطروا - بسبب من أسباب الضعف - إلى الخروج عن بعض أموالهم ، حفظاً على حياتهم وحذراً من أن تُستأصل شأفة المسلمين ، أفليس لهم أن يفعلوا ذلك ؟
فالجواب أن هنالك حالات كثيرة تستلب فيها أموال المسلمين وتصبح غنائم لأعدائهم ، ويستعدي فيها الكافرون على بلاد الإسلام وخيراتهم فيتمكنون فيها ويسيطرون عليها .
ومعلوم -بالبداهة - أن المسلمين لا يخضعون لشيء من ذلك عن طريق الاختيار واتباع الفتوى ، وإنما يُلجؤون إلى ذلك إلجاء ويُحملون عليه كرهاً ،وهم مع ذلك يتربصون بأعدائهم الفرص السانحة .وأنت خبير أن أحكام الشريعة الإسلامية إنما يخاطب بها من لم يكن مكرهاً ولا مُلجأ ولا صبياً أو مجنوناً.
وإذان فمن العبث انتزاع هذه الحالة التي هي من وراء حدود التكليف كي ما يُقرّر على أساسها حكم تكليفي يختار على أساس الرأي والمصلحة والمراوغة .
خامساً:- كيف وبأي وسيلة انتصر المسلمون وانهزم المشركون في هذه الغزوة.
لقد رأينا أن الوسيلة التي التجأ إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في غزوة بدر ، هي نفسها التي التجأ إليها في الخندق....
إنها وسيلة التضرع إلى الله والإكثار من الإقبال عليه بالدعاء والاستغاثة،
بل لقد كان هو العمل المتكرر الدائم الذي ظل يفزع إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما لقي عدواً أو سار إلى جهاد ،وهي الوسيلة التي تعلو في تأثيرها على كل الأسباب والوسائل المادية الأخرى ،وهي الوسيلة التي لا تصلح حال المسلمين إلا إذا قامت على أساسها بعناية كاملة.
أما كيف انهزم المشركون على كثرتهم ،بعد ثبات المؤمنين وصبرهم وصدق التجائهم إلى الله تعالى ، فقد وصف الله الكيفية في كتابه المبين
إذ قال : { يا أيّها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنود لم تروها ، وكان الله بما تعملون بصيراً، إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا ..........إلى قوله تعالى : { وردّ الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزاً } الأحزاب..
إن هذا المعنى الذي يتكرر في غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم ،ليس يعني إغراء المسلمين بالمغامرة والجهاد دون استعداد ولا تأهب ،وإنما هو لإيضاح أن على المسلم أن يعلم أن في مقدمة أسباب النصر المختلفة
صدق الالتجاء إلى الله تعالى وإخلاص العبودية له ، فلن تُجدي وسائل القوة كلها إذا لم تتوفر هذه الوسيلة بعينها. وإذا تحققت في أعمال المسلمين هذه الوسيلة فحدّث عن معجزات النصر ولا حرج.
وإلا فمن أين جاءت هذه الريح العاصفة تعصف بمعسكر المشركين وحدهم،دون أن يشعر بها المسلمون إلى جانبهم؟!..هي هناك تقلب قدروهم وتطير خيامهم وتقلع أوتادها ،وتزلزل أفئدتهم بالرعب ، وهي هنا ريح باردة رخاء ،تنعش ولا تؤذي أحداً !...
سادساً :- لقد فاتت النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العصر كما رأينا في هذه الموقعة ،لشدة انشغاله ، حتى صلاّها قضاء بعد ما غربت الشمس .
وفي روايات أخرى غير الصحيحين أن الذي فاته أكثر من صلاة واحدة ،صلاّها تباعاً بعدما خرج وقتها وفرغ لأدائها.
وهذا يدل على مشروعية قضاء الفائتة . ولا ينقض هذه الدلالة ما ذهب إليه البعض من أن تأخير الصلاة لمثل ذلك الانشغال كان جائزاً إذ ذاك ثم نُسخ حينما شُرعت صلاة الخوف للمسلمين رجالاً وركباناً عند التحام القتال بينهم وبين المشركين ، إذ النسخ -على فرض صحته - ليس وارداً على مشروعية القضاء ، وإنما هو وارد على صحته تأخير الصلاة بسبب الانشغال . أي أن نسخ صحة التأخير ليس نسخاً لما كان قد ثبت من مشروعية القضاء أيضاً ، بل هي مسكوت عنها ، فتبقى على مشروعيتها السابقة. على أن الذي يقتضيه الدليل القطعي ، هو أن صلاة الخوف شرعت قبل هذه الغزوة كما مرّ تحقيق ذلك عند الحديث عن غزوة ذات الرقاع ..
ومن أدلة هذه المشروعية أيضاً ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال بعد منصرفه إلى المدينة من غزوة الأحزاب ، لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة فأدرك بعضهم وقت الصلاة في الطريق فقال البعض : ( لا نصلي حتى نأتيها) وقال بعضهم :( بل نصلي ) لم يرد منا ذلك فصلاها الفريق الأول بعد وصولهم إلى بني قريظة قضاء.
وإذا ثبت وجوب قضاء المكتوبة بعد فواتها ، فسيان أن يكون سبب الفوات نوماً أو إهمالاً أو تركاً متعمداً ، إذ لم يرد - بعد ثبوت الدليل العام على وجوب قضاء الفائتة عموماً - أي دليل يخصص مشروعية القضاء ببعض أسباب التفويت دون بعضها الآخر ،والذين تركوها في طريقهم إلى بني قريظة ،لم يكونوا نائمين ولا ناسين .فمن الخطأ إذن أن تخصص مشروعية قضاء الفائتة المكتوبة - مع ذلك- بما عدا التفويت المتعمد ،وهو أشبه ما يكون بمن يخصصها ببعض المكتوبات دون بعض بدون أي مخصص شرعي.
وربما توهم بعضهم أنه قد ثبت دليل يخصص عموم أدلة مشروعية القضاء،وهو المفهوم المخالف لحديث : { من نام عن صلاة أو نسيها ، فليصلّها إذا ذكرها } ولكن هذا وهم لا ينبغي أن يدخل لطالب علم متبصّر.
فالمقصود بالحديث ليس هو أمر الناسي والنائم بقضاء الصلاة دون غيرهما ، ولكن المقصود التركيز على القيد ، وهو ( إذا ذكرها ) وذلك للتنبيه إلى أنه لا يشترط لمن فاتته صلاة وأراد تداركها أن ينتظر حلول وقتها من اليوم الثاني ثم يؤديها إذ ذاك . بل عليه أن يبادر إلى قضائها بمجرد التذكر ، في أي وقت كان. فإذا عرفت أن هذا هو مقصود رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تدل على ذلك صيغة الحديث نفسها وكما ذكر ذلك علماء الحديث وشراحه ( انظر فتح الباري ونيل الأوطار )
عرفت أنه لا دلالة تشريعية تتعلق بالمفهوم المخالف للنوم أو النسيان في الحديث ........
0سببها :أن نفراً من زعماء اليهود من بني النضير خرجوا حتى قدموا مكة ،فدعوا قريشاَ إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا :((سنكون معكم حتى نستأصله ،وقالوا لهم إن أنتم عليه خير من دين محمد صلى الله عليه وسلم ))ففيهم نزل قول الله تعالى((ألم ترِِِِ
إلى الذينّ أوتوا نصيبا َمن الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين أمنوا سبيلاَ،أولئك الذين لعنهم الله فلن تجد نصيراَ )) [النساء ] . فاتفقوا مع قريش على حرب المسلمين وتواعدوا لذلك .
ثم خرج أولئك النفر من اليهود حتى جاؤوا غطفان فدعوهم إلى مثل مادعوا قريشاً إليه ، ولم يزالوا بهم مع هؤلاء جميعاً تواعد في الزمان والمكان لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم .
تهيؤ المسلمين للحرب ، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخير وسمع بخروجهم من مكة ، ندب الناس وأخيرهم خير عدوهم وشاورهم في الأمر ، فأشار عليه سلمان الفارسي بالخندق ، فأعجب ذلك المسلمين (والخندق مما لم يكن يعلمه العرب من وسائل الحرب ) فخرجوا من المدينة وعسكر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفح جبل سلع فجعلوه خلفهم ، ثم هبوا جميعاً يحفرون الخندق بينهم وبين العدو .كان المسلمون يومئذ ثلاثة آلاف ، وعدد ما اجمع من قريش والأخرى عشرة آلاف .
مشاهد من عمل المسلمين في حفر الخندق : روى البخاري عن البراء رضي الله عنه قال : ( لما كان يوم الأحزاب ، وخندق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني التراب جلدة بظنه وكان كثير الشعر )وروى عن انس رضي الله عنه أن الأنصار والمهاجرين كانوا يرتجزون وهم يحفرون الخندق وينقلون التراب على متونهم :
نحن الذين بايعوا محمداً على الإسلام ما بقينا أبداً
فيجيبهم النبي صلى الله عليه وسلم :
(اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة ،فبارك في الأنصار والمهاجرة ) .
وروى البخاري أيضاً في صحيحه عن جابر رضي الله عنه قال : (إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كُدْية شديدة ، فجاؤوا النبي صلى الله عليه وسلم
فقالوا هذه كدية عرضت في الخندق ، فقال : أنا نازل ،ثم قام وبطنه معصوب بحجر ، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقاً ، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول فضرب ، فعاد كثيباً أهيل ( أوأهيم ) فقلت : يا رسول الله ائذن لي إلى البيت ، فقلت لامرأتي : رأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم شيئاً ما كان لي في ذلك صبر ، فعندك شيء ؟ قالت : عندي شعير وعناق
فذبحت العناق وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم في البرمة ، ثم جئت النبي صلى الله عليه وسلم والعجين قد انكسر والبرمة بين الأثافي قد كادت أن تنضج ، فقلت ، طعيّمٌ لي ، فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان .قال : كم هو ؟ فذكرت له ، قال :كثير طيب ، فقل لها لا تنزع البرمة ولا الخير من التنور حتى آتي . ثم نادى المهاجرين والأنصار فقال لم قوموا .. وفي طريق أخرى : فصاح النبي صلى الله عليه وسلم : يا أهل الخندق ،يا أهل الخندق ، إن جابراً قد صنع سوار فحيّ هلاً بكم .فلما دخل جابر على امرأته قال : ويحك جاء النبي بالمهاجرين والأنصار ومن معهم ! .. قالت : هل سألك كم طعامك ؟ قال : نعم ، قالت : اله ورسوله أعلم .
ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال أدخلوا ولا تضاغطوا . فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم ويخمرّ البرمة والتنور إذا أخذ منه ، ويقرب إلى أصحابه ثم ينزع ، فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا وبقي بقية ! قال : كلي هذا واهدي ، فإن الناس أصابتهم مجاعة ( وفي رواية أخرى ) فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوا وانصرفوا ، وإن برمتنا لتغطّ كما هي وأن عجيننا ليخبز كما هو ) .
موقف المنافقين من العمل في الخندق : روى ابن هشام أنه أبطأ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن المسلمين في عملهم في الخندق رجال من المنافقين ،وجعلوا يورّون بالضعيف من العمل ،ويتسللون إلى أهلهم بغير علم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ،وكان الرجال من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لابد له منها يستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له ، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من علمه . وفي ذلك نزل قوله تعالى : ( إنما المؤمنونَ الذينَ آمَنوا بالله ورسوله ، وإذا كانُوا مَعَهُ على أمرٍ جامعٍ لَمْ يذهَبوا حتى يَسْتَأْْْْذنوهُ ، إنّ الذينَ يَسْتأذنونكَ أولئكَ الذينَ يؤمنونَ بالله وَرَسوله ، فإذا استأذنوكَ لبعض شَأنهمْ فَأْذَنْ لمَنْ شئْتَ مْنُمْ ، واسْتَغْفرْ لَهُمُ الله أنّ الله غفورٌ رحيمٌ)
[ النور] .
نقض بني قريظة للعهد : وخرج حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي فأغراه بنقض العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ،وقال له : ( جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة ،وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب أحد قد عاهدوني وعاقدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمداً ومن معه
فقال له كعب : جئتني والله بذل الدهر .. ويحك يا حيي فدعني وما أنا عليه ، فإني لم أر من محمد إلا صدقاً ووفاء .ولم يزل حيي بكعب حتى أقنعه بالخيانة ونقض العهد ) وانتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل سعد بن معاذ ليتحقق من الخبر وأوصاه أن يلحن له بإشارة يفهمها إذا كان الخبر حقاً ، وأن لا يفت في أعضاد الناس وإن كان كذباً فليجهر به في الناس .فلما استطلع سعد الخبر ورآه حقاً عاد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له ( عضل والقارة ) أي كغدر عضل والقارة .فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (الله أكبر ، أبشروا يا معشر المسلمين ) .
ما آل إليه حال المسلمين إذ ذاك : بلغ المسلمين خبر نقض بني قريظة للعهد ، وذر قرن المنافقين بينهم يفتون في عضد المسلمين ، وجاءهم العدو من فوقهم ومن أسفل منهم ، وراح المنافقون يرجفون في المدينة حتى إن أحدهم ليقول : ( كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر ، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ) . ولما وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر كذلك وأن البلاء قد اشتد بالمسلمين بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فاستشارهما في أن يصالح قبيلة غطفان على ثلث ثمار المدينة كي ينصرفون عن قتال المسلمين ،فقالا له : ( يا رسول الله ،أهو أمر تحبه فنصنعه ، أم شيء أمرك به الله ، تصنعه لنا ؟ بل شيء أصنعه لكم كي أكسر عنكم من شوكتهم . وحينئذ قال له سعد بن معاذ : والله مالنا بهذا من حاجة ، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم .فتهلل وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له فأنت وذاك ) .
قال أبن إسحاق يروي عن عاصم بن عمرو بن قتادة وعن بن مسلم بن شهاب الزهري : ( ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح ( أي بين المسلمين وغطفان ) إلا المراوضة في ذلك ).
أما المشركين فقد فوجئوا بالخندق حينما وصلوا إليه ، وقالوا إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها . فعسكروا حول الخندق يحاصرون المسلمين ، ولم يحدث قتال غير أن بعض المشركين أخذوا يتيمون مكانا ضيقا من الخندق فاقتحموا منه ، فأخذ عليهم المسلون الثغرة التي اقتحموا منها ،وقُتل البعض .إذ ذاك عمرو بن ودّ ، قتله علي بن طالب رضي الله عنه .
هزيمة المشركين بدون قتال : وكفى الله المؤمنين القتال فهزم جموع المشركين بوسيلتين لا دخل للمسلمين فيهما . أما أولاهما فرجل من المشركين اسمه نُعَيم بن مسعود أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلماً وعرض عليه تنفيذ أي أمر يريده النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : ( إنما أنت رجل واحد فينا ، ولكن خذّل عنا إن استطعت ، فإن الحرب خدعة ) .
فخرج نعيم بن مسعود ،فأتى بني قريظة فأقنعهم - وهم يحسبونه لا يزال مشركاً -أن لا يتورطوا مع قريش في قتال حتى يأخذوا منهم رهائن ،كي لا يولوا الأدبار ، فيبقوا وحدهم في المدينة دون أي نصير لهم على محمد وأصحابه، فقالوا له : إنه للرّأي ! .
ثم خرج حتى أتى قريشاً فـأنبأهم أن قريظة قد ندموا على ما صنعوا وأنهم قد اتفقوا خفية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يختطفوا عدداً من أشراف قريش وغطفان فيسلموهم له ليقتلهم ، فإن أرسلت إليكم يهود يلتمسون منكم رُهُناً من رجالكم فإياكم أن تسلموهم رجلاً منكم .
ثم خرج حتى أتى غطفان فقال لهم مثل الذي قال لقريش .وهكذا تألب بعضهم على بعض ، واختفت الثقة فيما بينهم ،وأصبح كل فريق منهم يتهم الفريق الآخر بالغدر والخيانة .
أما الوسيلة الثانية -فهي ريح هوجاء مخيفة في ليلة مظلمة باردة ،جاءت فقلبت قدورهم واقتلعت خيامهم ، وقطعت أوتادهم ، وذلك بعد بضعة عشر يوماً من المحاصرة التي ضربها المشركون على المسلمين .
روى مسلم بسنده عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال : { لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب ،وأخذتنا ريح شديدة وقرّ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا رجل يأتيني بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة ، فسكتنا فلم يجبه منا أحد ، ثم قال : ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة ،فسكتنا فلم يجبه منا أحد ، ( ردد ذلك رسول الله ثلاثاً ) ثم قال : قم يا حذيفة فأتنا بخبر القوم ، فلم أجد بداً إذ دعاني باسمي أن أقوم .قال : اذهب فأتني بخبر القوم ولا تذعرهم علي . فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام ، حتى أتيتهم ، فرأيت أبا سفيان يُصلي ظهره بالنار ، فوضعت سهماً في كبد القوس ،فأردت أن أرميه ،فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تذعرهم علي ،ولو رميته لأصبته ، فرجعت وأنا أمشي في مثل حمام
فلما أتيته فأخبرته بخبر القوم وفرغت ، فألبسني رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها ،فلم أزل نائماً حتى أصبحت ، قال : قم يا نومان }..(رواه مسلم )
ورواه ابن إسحاق بزيادة : فدخلت في القوم ،والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل لا تقرّ لهم قدراً ولا ناراً ولا بناء ، فقام أبو سفيان فقال : يا معشر قريش لينظر امرؤ من جليسه ؟ قال حذيفة : فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جانبي فقلت له من أنت ؟ قال : فلان بن فلان .ثم قال أبو سفيان : يا معشر قريش ،إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام ، لقد هلك الكراع والخف ، وأخلفتنا بنو قريظة ،وبلغنا عنهم الذي نكره ،ولقينا من شدة الريح ما ترون ..فارتحلوا فإني مرتحل ..( سيرة ابن هشام )...
وفي صباح اليوم الثاني ،كان المشركون كلهم قد ولوا الأدبار وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه إلى المدينة .
وكان لا يفتر عليه الصلاة والسلام طيلة هذه الأيام والليالي عن الاستغاثة
والتضرع والدعاء لله تعالى أن يؤتي المسلمين النصر .وكان من جملة دعائه عليه الصلاة والسلام في ذلك :{ اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب ، اللهم اهزمهم وزلزلهم } رواه البخاري
. وفي هذه الغزوة فاتت النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة في وقتها فقضاها بعد خروج الوقت ، فقد ورد في الصحيحين أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاء يوم الخندق بعدما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش ،فقال: ( يا رسول الله ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب !....قال النبي صلى الله عليه وسلم : والله ما صليتها ،فقمنا إلى بُطحان فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها ،فصلى العصر بعدما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب ) (متفق عليه واللفظ للبخاري ).
وزاد مسلم على هذا حديثاً آخر أنه صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب:(شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً ، ثم صلاها بين العشاءين : بين المغرب والعشاء )
العظات والعبر :
وهذه الغزوة أيضاُ - قامت على أساس من غدر اليهود وكيدهم - كما ترى
- فهم الذين أثاروا ،وألّبوا ، وجمعوا الجموع والأحزاب ، ولم يتوقف ذلك النضير الذين كانوا قد أخرجوا من المدينة ، بل اشترك معهم بنو قريظة الذين كانوا لا يزالون مرتبطين بعهود ومواثيق مع المسلمين ، دون أن يجدوا منهم أي مكروه من شأنه أن يدعوهم إلى نقص تلك العهود والمواثيق !..
ولنستعرض : وقائع هذه الغزوة ومشاهدها لنقف على ما تنطوي عليه من دروس وعظات وأحكام ، وسنلخصها في الأمور التالية :
أولاً : لقد كان من جملة الوسائل الحربية التي استعملها المسلمون في هذه الغزوة حفر الخندق ، ولقد كانت غزوة الأحزاب أول غزوة التاريخ العربي والإسلامي يحفر فيها الخنادق ، إذ هم مما كان متعارفاً بين الأعاجم فقط ، وقد رأيت أن الذي اقترح ذلك في غزوة الأحزاب إنما هو سلمان الفارسي ، وقد رأيت أن النبي صلى الله عليه وسلم أعجب بهذه الوسيلة الحربية وسرعان ما دعاً أصحابه إلى القيام بتحقيقها .
وهذا من جملة الأدلة الكثيرة التي تدل على أن الحكمة هي ضالة المؤمن،
فحيثما وجدها التقطها بل هو أولى بها من غيره، وأن الشريعة الإسلامية بمقدار ما تكره للمسلمين اتباع غيرهم وتقليدهم على غير بصيرة ، تحب لهم أن يجمعوا لأنفسهم أطراف الخير كله والمبادئ المفيدة جميعها ، أينما لاح لهم ذلك ، وحيثما وُجد .فالقاعدة الإسلامية العامة في هذا الصدد
هي أن لا يعطل المسلم عقله الحر وتفكيره الدقيق في سلوكه وعامة شؤونه وأحواله ، وإذا كان المسلم كذلك فهو ولا ريب ، لايمكن أن يربط في عنقه زماماً يسلّم طرفه للآخرين فيقودوه حيثما أرادوا بدون وعي ولا بصيرة ، وهو أيضاً لا يمكن أن يتجاهل أي مبدأ أو عمل أو نظام يسلّم به العقل النيّر والفكر الحر وينسجم مع مبادئ الشريعة الإسلامية ، ليتجاوزه ولا يتعب نفسه بأخذه والاستفادة منه.
وهذا السلوك الذي شرعه الله للمسلم ، إنما ينبع من أصل أساسي هو الكرامة التي فطر الله الإنسان عليها إذ قضت مشيئته أن يكون هو سيد المخلوقات . وما ممارسة العبودية لله تعالى والتزام أحكام شريعته إلا ضمان لحفظ هذه الكرامة والسيادة.
ثانياً: - وفيما استعرضناه من مشهد عمل الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفر الخندق ، عبرة بالغة كبرى - توضح لنا حقيقية المساواة التي يرسيها المجتمع الإسلامي بين جميع أفراده المسلمين -
وتكشف لنا أن العدالة والمساواة ،ليستا في الاعتبار الإسلامي مجرد شعارات يزين بها ظاهر المجتمع أو يوضع منه في إطار لامع براق ، وإنما العدالة والمساواة هما الأساس الواقعي الذي تنبثق منه القيم والمبادئ الإسلامية عامة ظاهراً وباطناً.
فأنت تجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يندب المسلمين إلى حفر الخندق ، ثم ذهب يراقبهم في قصر منيف له مستريحاً هادئاً ، ولا أقبل إليهم في احتفال صاخب رنان ليمسك معول أحدهم بأطراف أصابعه ، فيضرب به ضربة واحدة في الأرض إيذاناً ببدء العمل وتخييلاً لهم أنه قد شاركهم في ذلك ، ثم يلقي المعول ويدير إليهم ظهره ، ينفض عن حلته ما قد علق بها من ذرات الغبار .
ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد انخرط في العمل كأي واحد من أصحابه ، حتى لبس ثوباً من الأتربة والغبار على جسمه فما تفرقه عن أي عامل آخر من صحبه وإخوانه - يرتجزون لينشط بعضهم بعضاً ، فيرتجز معهم ، ويتعبون ويجوعون فيكون أولهم تعباً وجوعاً . وتلك هي حقيقة ما أقامته الشريعة الإسلامية من مساواة بين الحاكم والمحوكم والغني والفقير والصعلوك والأمير - ولا نجد فرعاً من فروع الشريعة وأحكامها إلا قائماً على هذا الأساس ضامناً لهذا الحق.
وأعيذك أن تخطئ ، فتسمي هذا ديمقراطية في السلوك أو الحكم ، فشتان ما بينهما من الفرق.
ومصدر هذه العدالة والمساواة في الدين الإسلامي ، هو العبودية لله تعالى . وهي صفة عامة شاملة للناس كلهم ، تضعهم في صف واحد من المكانة والاعتبار .
ومصدر ما يسمونه بالديمقراطية ، تحكيم رأي الأكثرية أي تأليه رأي الأكثرية على الآخرين ، مهما كانت طبيعة ذلك الرأي ومرماه.
من أجل هذا - لا تعوج الشريعة الإسلامية على شيء مما يسمى بالامتيازات لأي طبقة أو فئة من الناس ،ولا تخص جماعة منهم بحصانة ما مهما كانت الدوافع والأسباب ، لأن صفة العبودية من شأنها أن تذيب كل ذلك وتلغيه من الاعتبار .
ثالثاً: - وفي هذا المشهد نفسه أيضاً عبرة وعظة أخرى تكشف لنا عن مظهر النبوة في شخصية النبي صلى الله عليه وسلم ، وتضعنا أمام مدى ما كانت تمتلئ به نفسه من محبة أصحابه والشفقة عليهم وتعطيك مثالاً آخر للخوارق والمعجزات التي أكرم الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم .
فأما ما يتجلى من شخصيته النبوية في هذا المشهد ،فذلك يبدو في مكابدته صلى الله عليه وسلم للجوع الشديد أثناء عمله مع أصحابه ، حتى إنه ليشد الحجر على بطنه ، يتقي بذلك ما يجده الجائع من ألم الفراغ في معدته ، ترى ما الذي يمكن أن يحمله على معاناة مثل المشقة والجهد ؟ أهو التطلع إلى الزعامة !..أم هي الرغبة في المال والملك !..أم هو الطموح إلى أن يجد من حوله شيعة وأتباعاً !.. كل هذه التطلع ، تناقض مناقضة صارخة هذا الذي يكابده ويعانيه ، وما أبعد الرجل الذي يطمع في جاه أو ملك أو سلطان عن الصبر على تحمل مثل هذه الآلام .
أن الذي يحمله على تحمل كل ذلك إنما هو المسؤولية الرسالة والأمانة التي كُلف بتبليغها والسير بها إلى الناس في طريق هذه طبيعتها . فهذه الشخصية النبوية التي تتجلى في عمله مع أصحابه في حفر الخندق .
وأما ما يبدو خلال ذلك من محبته الشديدة لأصحابه والشفقة عليهم ، فإنك لتجده واضحاُ في موقفه صلى الله عليه وسلم من دعوة جابر له إلى طعامه القليل ، ذاك الذي صنعه له .
لقد كان الذي دفع جابراً إلى دعوته صلى الله عليه وسلم ، ما اكتشفه من شدة جوعه عليه الصلاة والسلام حينما رأى الحجر المربوط على بطنه الشريف ، ولم يكن في بيته من الطعام إلا ما يكفي لبضعة أشخاص ، فاضطر إلى أن يجعل الدعوة على قدر ما عنده من الطعام .
ولكن كيف يُتصور أن يترك النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في غمرة العمل وهم يتضورون مثله جوعاً ، لينفرد عنهم مع ثلاثة أو أربعة من أصحابه يستريحون ويأكلون ، وإنه لأشفق على أصحابه من شفقة الأم على أولادها ؟!
أما جابر فقد كان مضطراً إلى ما فعل ، وكان ذلك منه طبيعياً إذ إنه - كأي مفكر من الناس - لم يكن إلا يكن يملك إلا أن يتصرف حسب ما لديه من الأسباب المادية ، والطعام الذي لديه ، لا يكفي فيما يُجمع عليه عرف البشر إلا لهذا العدد اليسير ، فلْيختصّ به إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن يشاء مكن بعض أصحابه في حدود ضيقة .
ولكنه عليه الصلاة والسلام ، لم يكن من شأنه أن يتأثر بنظرة جابر هذه ، فهو أولاً لا يمكن أن يتميز عن أصحابه بشيء من النعمة أو الراحة وهو ثانياً لا يمكن أن يأسر نفسه تحت سلطان الأسباب المادية وحدودها التي ألفها البشر ، فالله وحده مسبب الأسباب وخالقها ، ومن اليسير عليه سبحانه أن يجعل من الطعام اليسير كثيراً ، وأن يبارك في القليل منه حتى يكفي القوم كلهم .
ومهما يكن ، فقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم أنه وأصحابه متضامنون متكافلون يتقاسمون النعمة بينهم مهما قلت كما يتقاسمون بينهم المحنة مهما عظمت وكثرت !.. فمن أجل ذلك أرسل جابراً إلى داره ليهيئ لهم الطعام ، وانفتل هو إلى عامة القوم يناديهم أن يقبلوا جميعاً إلى صنيعه كبرى لهم دار جابر .
وأما المعجزة الخارقة في هذه القصة ، فهي ما رأيت من انقلاب شاة جابر الصغيرة إلى طعام وفير كثير ، شبع منه مئات الصحابة وبقيت منه بقية كثيرة تركوها بعد أن اقترح النبي صلى الله عليه وسلم على أهل البيت أن يتصدقوا بها ! .. لقد كانت هذه الخارقة العجيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم على تقديراً إلهياّ لمدى محبته صلى الله عليه وسلم لأصحابه وإعراضه عن الأسباب المادية وشأنها في جنب قدرة الله وسلطانه .
والذي أريده من القارئ ، أن ينتبه بفكره إلى مثل هذه المؤيدات الإلية التي كان يؤيّد بما النبي صلى الله عليه وسلم من وراء قيمة الأسباب المادية وسلطانها ، فهي من أهم ما يبرز معالم شخصيته النبوية للدارس المتأمل . أريد من القارئ أن ينتبه بفكره إلى هذه الحقيقة ، بمقدار ما يمعن بعضهم في الإعراض عنها ،وأن قابلتهم وجهاً لوجه أثناء البحث ،بأدلة ثابتة لا تقبل الشك .
رابعاً : - ما هي الحكمة ، في استشارته عليه الصلاة والسلام لبعض أصحابه ، في أن يعرض صلحاً على غطفان ، قوامه إعطاؤهم ثلث ثمار المدينة على أن ينصرفوا عن تأييد قريش ومن معهم .ويرجعوا عن حرب المسلمين ، وما هي الدلالة التشريعية التي تؤخذ من تفكيره هذا ؟ ...
أما الحكمة - فهي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يريد أن يطمئن إلى مدى ما يتمتع به أصحابه الصادقون ،من القوة المعنوية والاعتماد على نصر الله وتوفيقه على الرغم من هذا الذي فوجئوا به من اجتماع أشتات المشركين عليهم في كثرة ساحقة،إلى جانب ما طلعت به بنو قريظة في الوقت نفسه من نقض العهود والمواثيق .وقد كان من عادته صلى الله عليه وسلم - كما قد رأينا - أنه لم يكن يحب أن يسوق أصحابه إلى حرب أو مغامرة لا يجدون في أنفسهم شجاعة كافية لخوضها ،أو لا يؤمنون بجدواها ،وقد كان هذا من أبرز أساليبه التربوية صلى الله عليه وسلم لأصحابه.
فمن أجل ذلك ،عرض على أصحابه هذا الرأي ،وأنبأهم أنه ليس تبليغاً من الله تعالى ،وإنما هو شيء يبديه لهم كي يكسر عنهم شوكة المشركين
إذا كانوا لا يجدون في أنفسهم طاقة على مقابلتهم.
وأما الدلالة التشريعية في هذه الاستشارة ، فهي محصورة في مجرد مشروعية مبدأ الشورى في كل ما لا نص فيه .
وهي بعد ذلك لا تحمل أي دلالة على جواز صرف المسلمين أعداهم عن ديارهم إذا ما اقتحموها، باقتطاع شيء من أرضهم أو خيراتهم لهم . إذ مما هو متفق عليه في أصول الشريعة الإسلامية أن الذي يُحتج به من تصرفاته صلى الله عليه وسلم إنما هو أقواله وأفعاله التي قام بها ، ثم لم يرد اعتراض عليها من كتاب الله تعالى ، فأما ما كان من ذلك في حدود الاستشارة والرأي المجردين فلا يعتبر دليلاً بحال. إذ الاستشارة أولاً : يمكن أن تكون المقصود منها مجرد استطلاع لما في النفوس كما ذكرنا ،
أي فهي ممارسة لعمل تربوي بحت ، وهي ثانياً : حتى ولو انتهت بعمل تنفيذي ،يمكن أن يرد اعتراض من كتاب الله تعالى ،فلا تبقى فيه أي دلالة تشريعية .
على أن علماء السيرة نصّوا ، كما قد رأينا ، على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبرم صلحاً مع غطفان ولم تقع شهادة ولا عزيمة على الصلح وإنما كان الأمر مراوضة لم يتجاوزها.
نقول هذا ، لأن فئة مجهولة في عصرنا هذا ،أخذت تزعم زعماً شنيعاً في منتهى الغرابة، وهو : أنه يجب على المسلمين أن يدفعوا ( الجزية ) ! إلى غير المسلمين إذا اقتضت الحاجة ، مستدلة على ذلك بأنه صلى الله عليه وسلم قد استشار أصحابه في غزوة الأحزاب أن يفعل ذلك !...
وبقطع النظر عن هذا الذي أوضحناه من أن مضمون الرأي المعروض على بساط الاستشارة لا يعتبر دليلاً تشريعياً ، فلسنا ندري ما الصلة بين (الجزية ) وما يمكن أن يتصالح عليه فريقان متحاربان ؟!.
فإن قلت : فهب أن المسلمين اضطروا - بسبب من أسباب الضعف - إلى الخروج عن بعض أموالهم ، حفظاً على حياتهم وحذراً من أن تُستأصل شأفة المسلمين ، أفليس لهم أن يفعلوا ذلك ؟
فالجواب أن هنالك حالات كثيرة تستلب فيها أموال المسلمين وتصبح غنائم لأعدائهم ، ويستعدي فيها الكافرون على بلاد الإسلام وخيراتهم فيتمكنون فيها ويسيطرون عليها .
ومعلوم -بالبداهة - أن المسلمين لا يخضعون لشيء من ذلك عن طريق الاختيار واتباع الفتوى ، وإنما يُلجؤون إلى ذلك إلجاء ويُحملون عليه كرهاً ،وهم مع ذلك يتربصون بأعدائهم الفرص السانحة .وأنت خبير أن أحكام الشريعة الإسلامية إنما يخاطب بها من لم يكن مكرهاً ولا مُلجأ ولا صبياً أو مجنوناً.
وإذان فمن العبث انتزاع هذه الحالة التي هي من وراء حدود التكليف كي ما يُقرّر على أساسها حكم تكليفي يختار على أساس الرأي والمصلحة والمراوغة .
خامساً:- كيف وبأي وسيلة انتصر المسلمون وانهزم المشركون في هذه الغزوة.
لقد رأينا أن الوسيلة التي التجأ إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في غزوة بدر ، هي نفسها التي التجأ إليها في الخندق....
إنها وسيلة التضرع إلى الله والإكثار من الإقبال عليه بالدعاء والاستغاثة،
بل لقد كان هو العمل المتكرر الدائم الذي ظل يفزع إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما لقي عدواً أو سار إلى جهاد ،وهي الوسيلة التي تعلو في تأثيرها على كل الأسباب والوسائل المادية الأخرى ،وهي الوسيلة التي لا تصلح حال المسلمين إلا إذا قامت على أساسها بعناية كاملة.
أما كيف انهزم المشركون على كثرتهم ،بعد ثبات المؤمنين وصبرهم وصدق التجائهم إلى الله تعالى ، فقد وصف الله الكيفية في كتابه المبين
إذ قال : { يا أيّها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنود لم تروها ، وكان الله بما تعملون بصيراً، إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا ..........إلى قوله تعالى : { وردّ الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزاً } الأحزاب..
إن هذا المعنى الذي يتكرر في غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم ،ليس يعني إغراء المسلمين بالمغامرة والجهاد دون استعداد ولا تأهب ،وإنما هو لإيضاح أن على المسلم أن يعلم أن في مقدمة أسباب النصر المختلفة
صدق الالتجاء إلى الله تعالى وإخلاص العبودية له ، فلن تُجدي وسائل القوة كلها إذا لم تتوفر هذه الوسيلة بعينها. وإذا تحققت في أعمال المسلمين هذه الوسيلة فحدّث عن معجزات النصر ولا حرج.
وإلا فمن أين جاءت هذه الريح العاصفة تعصف بمعسكر المشركين وحدهم،دون أن يشعر بها المسلمون إلى جانبهم؟!..هي هناك تقلب قدروهم وتطير خيامهم وتقلع أوتادها ،وتزلزل أفئدتهم بالرعب ، وهي هنا ريح باردة رخاء ،تنعش ولا تؤذي أحداً !...
سادساً :- لقد فاتت النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العصر كما رأينا في هذه الموقعة ،لشدة انشغاله ، حتى صلاّها قضاء بعد ما غربت الشمس .
وفي روايات أخرى غير الصحيحين أن الذي فاته أكثر من صلاة واحدة ،صلاّها تباعاً بعدما خرج وقتها وفرغ لأدائها.
وهذا يدل على مشروعية قضاء الفائتة . ولا ينقض هذه الدلالة ما ذهب إليه البعض من أن تأخير الصلاة لمثل ذلك الانشغال كان جائزاً إذ ذاك ثم نُسخ حينما شُرعت صلاة الخوف للمسلمين رجالاً وركباناً عند التحام القتال بينهم وبين المشركين ، إذ النسخ -على فرض صحته - ليس وارداً على مشروعية القضاء ، وإنما هو وارد على صحته تأخير الصلاة بسبب الانشغال . أي أن نسخ صحة التأخير ليس نسخاً لما كان قد ثبت من مشروعية القضاء أيضاً ، بل هي مسكوت عنها ، فتبقى على مشروعيتها السابقة. على أن الذي يقتضيه الدليل القطعي ، هو أن صلاة الخوف شرعت قبل هذه الغزوة كما مرّ تحقيق ذلك عند الحديث عن غزوة ذات الرقاع ..
ومن أدلة هذه المشروعية أيضاً ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال بعد منصرفه إلى المدينة من غزوة الأحزاب ، لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة فأدرك بعضهم وقت الصلاة في الطريق فقال البعض : ( لا نصلي حتى نأتيها) وقال بعضهم :( بل نصلي ) لم يرد منا ذلك فصلاها الفريق الأول بعد وصولهم إلى بني قريظة قضاء.
وإذا ثبت وجوب قضاء المكتوبة بعد فواتها ، فسيان أن يكون سبب الفوات نوماً أو إهمالاً أو تركاً متعمداً ، إذ لم يرد - بعد ثبوت الدليل العام على وجوب قضاء الفائتة عموماً - أي دليل يخصص مشروعية القضاء ببعض أسباب التفويت دون بعضها الآخر ،والذين تركوها في طريقهم إلى بني قريظة ،لم يكونوا نائمين ولا ناسين .فمن الخطأ إذن أن تخصص مشروعية قضاء الفائتة المكتوبة - مع ذلك- بما عدا التفويت المتعمد ،وهو أشبه ما يكون بمن يخصصها ببعض المكتوبات دون بعض بدون أي مخصص شرعي.
وربما توهم بعضهم أنه قد ثبت دليل يخصص عموم أدلة مشروعية القضاء،وهو المفهوم المخالف لحديث : { من نام عن صلاة أو نسيها ، فليصلّها إذا ذكرها } ولكن هذا وهم لا ينبغي أن يدخل لطالب علم متبصّر.
فالمقصود بالحديث ليس هو أمر الناسي والنائم بقضاء الصلاة دون غيرهما ، ولكن المقصود التركيز على القيد ، وهو ( إذا ذكرها ) وذلك للتنبيه إلى أنه لا يشترط لمن فاتته صلاة وأراد تداركها أن ينتظر حلول وقتها من اليوم الثاني ثم يؤديها إذ ذاك . بل عليه أن يبادر إلى قضائها بمجرد التذكر ، في أي وقت كان. فإذا عرفت أن هذا هو مقصود رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تدل على ذلك صيغة الحديث نفسها وكما ذكر ذلك علماء الحديث وشراحه ( انظر فتح الباري ونيل الأوطار )
عرفت أنه لا دلالة تشريعية تتعلق بالمفهوم المخالف للنوم أو النسيان في الحديث ........