aldps61
03-26-2009, 08:10 PM
غزوة بني المصطلق وتسمى بغزوة المريسيع
ذكر ابن إسحاق وبعض علماء السيرة أنها كانت في العام السادس من الهجرة ،و الصحيح الذي ذهب إليه عامة المحققين أنها كانت في شعبان من العام الخامس للهجرة ، ومن أبرز أدلة ذلك أن سعد بن معاذ كان حياً في هذه الغزوة ،وله ذكر في قصة الإفك - التي سيأتي تفصيلها إن شاء الله - وقد توفي سعد بن معاذ في غزوة بني قريظة متأثراً بجرحه الذي أصيب به في الخندق ،وقد كانت غزوة بني قريظة سنة خمس من الهجرة كما سيأتي بيان ذلك .
فكيف يكون سعد حياً بعد عام من وفاته ؟! ( للوقوف على تفصيل الدليل راجع فتح الباري ، وزاد المعاد لابن القيم ،وعيون الأثر لابن سيد الناس ) ..
وسببها ما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم من أن بني المصطلق يجمعون له وقائدهم الحارث بن ضرار فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم خرج إليهم حتى لقيهم على ماء يقال له ( المريسيع )
فتزاحم الناس واقتتلوا فهزم الله بني المصطلق وقتل من قتل منهم .
وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أخماس الغنيمة على المقاتلين للراجل سهم وللفارس سهمان ( طبقات ابن سعد وسيرة ابن هشام )
وخرج مع المسلمين في هذه الغزوة عدد كبير من المنافقين ،وكان يغلب عليهم التخلف في الغزوات السابقة ، وذلك بما رأوا من اطراد النصر للمسلمين وطمعاً في الغنيمة .
وقد روى البخاري ومسلم من طريقين مختلفين أن بعض الصحابة أستفتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن العزل في هذه الغزوة -وذلك عندما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم السبي- فقال لهم : { ما عليكم أن لا تفعلوا ـما من نسمة كائنه إلى يوم القيامة ، إلا وهي كائنة }0
وروى ابن سعد في طبقاته وابن هشام في سيرته ، أن غلاماً لعمر بن الخطاب رضي الله عنه اسمه جهجاه بن سعيد الغفاري تنازع مع سنان بن وبر الجهني ،وهما مع جمع عند ماء المريسيع أثناء مقام النبي صلى الله عليه وسلم هناك وكادا أن يقتتلا ،فصرخ الجهني : ( يا معشر الأنصار ، وصرخ جهجهاه : يا معشر المهاجرين ، فسمع بالأمر
عبد الله بن أبي سلول ،فغضب وقال للرهط ممن معه : أوفعلوها ؟! ..
قد نافرونا وكاثرونا في دارنا والله ما أعدنا وجلابيب قريش ( يقصد المسلمين من قريش ) إلا كما قالوا : سمّن كلبك يأكلك أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذل ).
وكان ممن سمع كلامه زيد بن أرقم ، فمشى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبره الأمر ، وكان عنده عمر رضي الله عنه ،فقال : (( يا رسول الله مُر به عبّاد بن بشر فليقتله ، فقال : عليه الصلاة والسلام: فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه ؟ لا .ولكن أذن بالرحيل ، وذلك في ساعة لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتحل فيها ، فارتحل الناس .
ومشى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس يومهم ذلك حتى أمسى
وليلتهم حتى أصبح وصدر يومهم ذلك حتى آذنتهم الشمس ، ثم نزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نياماً . وإنما فعل ذلك ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس من حديث عبد الله بن أبي سلول )).
ونزلت سورة المنافقين تصديقاً لقول زيد بن أرقم عن عبد الله بن سلول ،وفيها يقول الله تعالى { يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرجنّ الأعز ُّمنها الأذل ، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ، ولكن ّالمنافقين لا يعلمون } المنافقون..
وجاء عبد الله بن عبد الله بن أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
- بعد أن رجعوا إلى المدينة - فقال :( إنه بلغني أنك تريد قتل أبي فيما بلغك عنه . فإن كنت لا بد فاعلاً ،فمرني فأنا أحمل إليك رأسه ، فوالله
لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبّر بوالده مني وإني أخشى أن تأمر غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس ، فأقتله فأقتل رجلاً مؤمناً بكافر فأدخل النار .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا .
وجعل بعد ذلك إذا حدث عبد الله بن أبي بالحديث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويعنفونه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب: ( كيف ترى يا عمر ؟ أما والله لو قتلته يوم قلت لي اقتله لأرعدت له آنف ، لو أمرتها اليوم بقتله لقتلة . فقال عمر : قد والله علمت لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم بركة من أمري )) .
خبر الإفك
وفي منصرف المسلمين من هذه الغزوة كان حديث عائشة وقول أهل الإفك فيها . ونحن نسوق لك خلاصة ما جاء في الصحيحين من ذلك
فقد روت رضي الله عنها أنها خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة ..قالت : { فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك وقفل ، أذن ليلة بالرحيل .فقمت إلى بعض شأني ، فلما رجعت إلى الرحل ، لمست صدري فإذا عقدي قد انقطع ،فرجعت فالتمسته فحبسني ابتغاؤه ، قالت وأقبل الرهط الذين كانوا يرحّلوني فاحتملوا هودجي - وكان ذلك بعد نزول آية الحجاب - فرحّلوا على بعيري الذي كنت أركب عليه ،وهم يحسبون أني فيه ...فبعثوا الجمل فساروا ،ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش ، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب ، فيممت منزلي الذي كنت به وظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي ،وكان صفوان بن المعطل من وراء الجيش فأصبح عند منزلي ، فرأى سواد إنسان ،فعرفني حين رآني ، وكان رآني قبل الحجاب . وكنت قد غلبتني عيناي فنمت ، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني .فخّمرت وجهي بجلبابي ،والله ما تكلمنا بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه.
وهوى حتى أناخ راحلته ، فقمت إليها فركبتها ،فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش موغرين في نحر الظهيرة ،وهم نزول ،فهلك من هلك في شأني ،وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي سلول.
قالت واشتكيت حين قدمنا المدينة شهراً ، والناس يُفيضون في القول الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك غير أني لا أعرف من رسول الله عليه الصلاة والسلام اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل فيسلم ثم يقول : كيف تيكم ؟ فلما نقهت خرجت ذات ليلة مع أم مسطح لقضاء حاجة .ولم نكن قد اتخذنا الكنف -فلما رجعنا عثرت أم مسطح في مرطها ،فقالت تعس مسطح ،فقلت لها : بئس ما قلت ، أتسبين رجلاً قد شهد بدراً ؟! قالت أولم تسمعي ما قال ؟ قالت فأخبرتني بقول أهل الإفك
فازددت مرضاً إلى مرضي . وبكيت تلك الليلة حتى أصبحت ،لا يرقاً لي دمع ولا أكتحل بنوم ،وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يستشير بعض أصحابه في الأمر وفي فراق أهله ، فمنهم من يقول : يا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلا خيراً ،ومنهم من يقول : لم يضيق الله عليك ،النساء كثير ،واسأل الجارية - يعني بريرة - تصدقك . فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة ،وسألها : هل رأيت من شيء يريبك من عائشة ؟ فأخبرته أنها لم تعلم عنها إلا الخير . فقام عليه الصلاة والسلام
على المنبر ،فقال : يا معشر المسلمين ، من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي ؟ فوا لله ما علمت على أهلي إلا خيراً ،ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً .فقام سعد بن معاذ ،فقال أنا أعذرك منه يا رسول الله .إن كان من الأوس ضربنا عنقه ،وإن كان من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك . فتلاغط الناس في المسجد حتى أسكتهم رسول الله .
ثم دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبواي عندي ،وهما يظنان أن البكاء فالق كبدي ، ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل ،وقد لبث شهراً لا يوحى إليه في شأني بشيء .
قالت : فتشهد حين جلس ، ثم قال : أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله ، وإن كنت ألمت بذنب فا ستغفري الله وتوبي إليه. قالت : فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته، قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة .فقلت لأبي : أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال والله لا أدري ما أقول .فقلت لأمي أجيبي عني ، فقالت والله ما أدري ما أقول ، فقلت : والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقر في نفوسكم وصدقتم به ، فإن قلت لكم إني بريئة
والله يعلم أني بريئة - لا تصدقوني في ذلك ،ولئن اعترفت لكم بأمر - والله يعلم أني بريئة - لتصدقنني .إني والله ما أجد لي ولكم مثلاً إلا كما قال أبو يوسف ( فصبّر جميل والله المستعان على ما تصفون ).
قالت : ثم تحولت فاضطجعت على فراشي .
قالت : فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه ، ولا خرج من أهل البيت أحد ، حتى أنزل الله عز وجل على نبيّه صلى الله عليه وسلم : فأخذه ما يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى إنه ليتحدّر منه مثل الجُمان من العرق في اليوم الشات من ثقل القول الذي أنزل عليه ، قالت : فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك ، فكانت أول كلمة تكلم بها أن قال : أبشري يا عائشة أمّا الله فقد برّأك ، فقالت أمي قومي إليه ( أي اشكريه ) فقلت : لا والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله ،هو الذي أنزل براءتي. قالت فأنزل الله عز وجل :
( إن الذين جاءُوا بالإفك عُصبة منكم ، لا تحسبُوه شراً لكم بل هو خير لكم ،لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم ، والذي تولى كبرهُ منهم له عذاب عظيم ) إلى آخر عشر آيات - النور
قالت : وكان أبي ينفق على مسطح لقرابته منه ولفقره ، فقال : والله لا أنفق عليه شيئاً أبداً بعد الذي قال لعائشة ، فانزل الله عز وجل :
( ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولى القربى --إلى قوله: ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم ) النور
فقال أبو بكر : بلى والله إني لأحب أن يفغر الله لي ، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفقها عليه .
ثم خرج صلى الله عليه وسلم إلى الناس فخطبهم ،وتلا عليهم ما أنزل الله تعالى من القرآن في ذلك ، ثم أمر بمسطح بن أثاثه ،وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش وكانوا ممن أفصح بالفاحشة ، فضّربوا حدهم ( رواه أبو داود وابن ماجه وابن إسحاق ) ....
الدلالات والعبر :
نأخذ من هذه الغزوة ما يأتي :
أولاً: - مشروعية تقسيم الغنائم بين المقاتلين ، بعد استثناء السلب والخمس من الغنيمة - فأما السلب ( وهو ما يكون مع المقتول من سلاح ونحوه ) - لقوله صلى الله عليه وسلم : { من قتل قتيلاً فله سلبه } وأما الخمس فهو لمن ذكرهم الله في كتابه : ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسهُ وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل )-الأنفال --، وأما الأخماس الأربعة فتوزع على المقاتلين كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وهذا متفق عليه بين الأئمة في الأموال المنقولة ، أما الأرض فقد وقع في أمر تقسيمها خلاف تعرضنا له عند الحديث عن أمر بني النضير.
ثانياً : - حكم العزل عند الجماع أو { تحديد النسل }
ويتبع ذلك إسقاط النطفة أو العلقة قبل نفخ الروح فيها ، كما يتبع ذلك عموم ما يسمى اليوم بتحديد النسل .
والحديث الذي ذكرناه في هذا صريح بجواز العزل . فقد قال لهم حينما استفتوه في ذلك : { ما عليكم أن لا تفعلوا } - { وفي رواية مسلم : لا عليكم أن لا تفعلوا ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة } . أي ليس عليكم أن تتركوا العزل ، لأن ما قد قدر الله واقع لا ريب فيه ، فلا يمكن أن يمتنع المقدر بعملكم . وأصرح من هذا الحديث ما رواه الشيخان عن جابر رضي الله عنه أنه قال : { كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن ينزل } .
وقد ذهب جمهور الأئمة بناء على هذا إلى جواز ممارسة العزل ، ولكنهم اشترطوا لذلك موافقة الزوجة ، لما قد يكون من الضر بها ، غير أنه يكره ذلك إذا كان سببه خشية النفقة وقلة ذات اليد 0
وخالف لبن حزم الجمهور ، فذهب إلى حرمة العزل مطلقاً ، مستدلاً بما رواه مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العزل ،فقال : { ذلك الوأد الخفي } ، واستدل بأحاديث أخرى كلها موقوفة على الصحابة . فمن ذلك ما رواه بسنده عن نافع أن ابن عمر كان لا يعزل ، وقال : ( لو علمت أحداً من ولدي يعزل لنكلته ) .ومنه ما رواه من طريق الحجاج بن المنهال أن علي بن أبي طالب كان يكره العزل .
وأجاب ابن حزم عن حديث جابر الذي استدل به الجمهور بأنه منسوخ .( انظر المحلى لابن حزم ) .
وذكر ابن حجر في فتح الباري رأي ابن حزم هذا ثم قال : ( وهذا معارض بحديثين أحدهما أخرجه الترميذي والنسائي وصححه من طريق معمر عن يحي بن كثير ..عن جابر قال : { كانت لنا جواري وكنا نعزل ، فقالت اليهود : إن تلك الموؤودة الصغرى ، فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : كذبت اليهود ، لو أراد الله خلقه لم تستطع رده } ، قال : والحديث الثاني في النسائي من وجه آخر عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة 0( راجع فتح الباري ).
- أقول: وواضح أن أقول النبي صلى الله عليه وسلم عن العزل : { الوأد الخفي } لا يعني التحريم ، بل الأظهر أن يحمل كلامه هذا - على ضوء الأحاديث الثابتة الأخرى - على النهي التنزيهي كما ذهب إلى ذلك الجمهور .
ودعوى ابن حزم أن الأحاديث المبيحة للعزل منسوخة ، يردّها ما رواه الستة خلا أبا داود من حديث جابر : { كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن ينزل } .زاد مسلم : { فبلغ ذلك بني الله صلى الله عليه وسلم فلم ينهنا فلولا حكم إباحة العزل ظل مستمراً إلى وفاته صلى الله عليه وسلم ، لما قال جابر رضي الله عنه ذلك ، ولأوضح آخر ما استقر عليه الحكم الشرعي } .
وحكم إسقاط النطفة قبل نفخ الروح فيها يتبع ما ذكرنا من حكم العزل.
إلا أن بعضاً من الجماهير الذين أفتوا بالعزل حرموا الإسقاط ، ولعلهم تحرجوا عن القياس في ذلك ، واعتبروا المضغة أقرب إلى التخلق والذات الإنسانية من النطفة قبل العلوق ، وهو تحرج لا يتضح سببه ،
اللهم إلا أن يكون مبعث التحرج ضرراً صحياً يلحق الحامل بسبب الإسقاط.
إذا علمت هذا ،علمت الحكم الشرعي الذي يتعلق بتحديد النسل وهو اتباع وسيلة علاجية لمنع الحمل بدلاً من العزل فهو جائز إذا اتبعت له الوسائل التي أجازها جمهور الأئمة بشرط أن لا يظن فيه أي ضرر للزوجة وبشرط أن يكون ذلك برغبة متفقة بين الزوجين ، ولست أعلم ما يخالف هذا الحكم عند أحد من أئمتنا الفقهاء رحمهم الله ، إلا ماروى من ذلك الحافظ ولي الدين العراقي ، عن الشيخ عماد الدين بن يوسف والشيخ عز الدين بن عبد السلام ، فقد روى عنهما القول بحرمة استعمال المرأة دواء ما ، من شأنه أن يمنع الحمل قال ابن يونس : ( ولو رضي به الزوج -)( انظر طرح التثريب وشرحه للحافظ العراقي )-
أقول وهذا الرأي محجوج بمقتضى دلالة السنة ، وبما ذهب إليه بناء على ذلك الجمهور.
غير أن من أهم ما ينبغي أن تعلمه في هذا الصدد ، أن الحكم بإباحة العزل أو عموم ما يسمى اليوم بتحديد النسل ، منوط برضى كل من الزوجين أنفسهما دون أن يكون عليهما سلطان أو أي توجيه من الخارج
إذ إن ما يجوز ممارسته للفرد صاحب العلاقة ،قد لا يجوز تشريعة بشكل إلزامي للجماعة ، وهذه قاعدة من القواعد الفقهية المتفق عليها.
فالطلاق مما يجوز للفرد المتزوج ممارسته عند الحاجة أو المصلحة التي يراها 0
ولكن ليس للحاكم أن يأمر الناس ،أمراً إلزامياً أو أدبياً أو توجيهاً ، بأن يمارسوا هذا الحق ، فيطلقوا زوجاتهم . وتحديد النسل ، شأنه في ذلك شأن الطلاق تماماً .وهذه القاعدة الهامة لابد من أن تعيها وتفهمها جيداً ،
كي لا يلبّس عليك أحد ممن يحترفون اليوم صناعة الفتوى قائلين : ( لقد أباحت السنة تحديد النسل ) وهذا دليل على أن للدولة أن تحمل الناس -بما تراه من السبيل - على ذلك .
والحقيقة أنه لا علاقة إطلاقاً بين ذلك الدليل وهذا المدلول إلا علاقة التلبيس والتمويه.
والخلاصة ، أن أمر العزل أو تحديد النسل ، إذا نُظر إليه من حيث علاقة الزوجين ببعضهما وما يشيع بينهما من حقوق ويجمعهما من مصالح ، أمر سهل لا مشكلة فيه كما قد رأيت .
ولكنه إذا نُظر إليه ،على أساس أن يكون مبدأ يُدعى إليه عامة ويُغرى الناس به بناء على فلسفة توجيهية تنشط وسائل الإعلام والتوجيه في بثها
فإنه يغدو حينئذ أمراً على جانب كبير من الأهمية والخطورة وهو يستدعي حينئذ من المسلمين أن ينشطوا في محاربته محاربه واعية فعالة
تقوم على أساس فهم الخطط الماكرة المختلفة التي يبيتها أعداء المسلمين
للإجهاز عليهم .وعليهم أن لا ينخدعوا بما يشاع من مشكلات الإنتاج والاقتصاد فذلك جزء من التخطيط نفسه.
ثالثاً :- تدلنا معالجة النبي صلى الله عليه وسلم للمشكلة التي استغلها عبد الله بن أبي بن سلول ، بالشكل الذي رأيناه ، على مدى ما قد آتاه الله من براعة فائقة في سياسة الأمور وتربية الناس والتغلب على مشاكلهم .
لقد كان ما سمعه صلى الله عليه وسلم من كلام ابن سلول مسوغاً كافياً لأن يأمر بقتله بحسب الظاهر ، ولكنه صلى الله عليه وسلم استقبل الأمر بصدر أرحب من ذلك ،وسمع عن اللغط الذي جرى ، والتناوش الذي وقع ، والجيش فيه عدد كبير من المنافقين الذين يبحثون عن شيء مثل هذا ليقوموا ويقعدوا به ، فلم يعالج الأمر بعاطفة متأثرة ، وإنما ترك الحكمة وحدها هي التي تدبر . فكان أن أمر القوم بالمسير في وقت لم يكونوا يعتادونه، حتى يشغلهم السير عن الاجتماع على المحادثة والكلام
وظل يسير بهم بقية اليوم والليل كله وصدراً من اليوم الثاني، لا يدع لهم مجالاً يفرغ فيه المنافقون للخوض فيما يريدون من باطل ، فلما انحطوا بعد ذلك على الأرض لم يدع لهم التعب فرصة الحديث عن شيء، وذهب الجميع في سبات عميق .
وانتظر الناس أن يجدوا من الرسول صلى الله عليه وسلم , إذا وصل المدينة ،شدة على المنافقين لا ريب أنها تتجلى في قتل عبد الله بن أبي بن سلول ،فلذلك جاء إليه ابنه عبد الله رضي الله عنه يعرض على قتل أبيه إذا كان يريد الحكم بذلك ،ولكنه فوجئ من رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لم يكن متوقعاً حينما قال : { بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا } وانظر إلى تعليل ذلك فيما قاله لعمر رضي الله عنه : ( فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه ؟).
ولقد كان من نتيجة هذه الحكمة أن انحسر عن عبد الله بن أبي قومه فكانوا هم الذين يعنفونه ويفضحون أمره إذا ما أراد أن يحدث شيئاً ،وأنت خبير أن المنافق يعتبر في الأحكام القضائية الدنيوية مسلماً مع وجوب الحيطة والحذر منه.
وقبل أن تستغرق في التأمل فيما كان يتصف به صلى الله عليه وسلم
من البراعة في الحكمة والسياسة وتدبير الأمور ، ينبغي أن أذكرك مرة أخرى ،بأن كل هذه الصفات إنما تأتي من وراء صفة النبوة فيه ،فهي كلها متفرعة عن كونه نبياً ورسولاً إلى الناس ، ومن الخطاء الفادح أن يعمد باحث فيحلل مثل هذه الصفات في حياته صلى الله عليه وسلم ،دون أن يربطها بمصدرها الأساسي الأول ،وهو نبوته ورسالته صلى الله عليه وسلم .وتلك خطة - كما بيّنا سابقاً - يختارها محترفو الغزو الفكري لشغل المسلمين عن التأمل بنبوته عليه الصلاة والسلام ، ويتلقفها منهم أولئك الذين الذين ، فاقوا حتى القردة في إتقان فن التقليد الأعمى .
رابعاً:- وأما قصة الإفك ، فإنها حلقة فريدة من سلسلة فنون الإيذاء والمحن التي لقيها رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعداء الدين .
ولقد كانت هذه الأذيّة أشد في وقعها على نفسه صلى الله عليه وسلم من كل تلك المحن السابقة ، وتلك هي طبيعة الشر الذي يصدر من المنافقين فهو دائماً يكون أقسى من غيره وأبلغ في المكيدة والضر ،إذ تكون الفرص والأسباب خاضعة لهم أكثر من غيرهم .وخبر الإفك صورة
فريدة للأذى الذي تفرد به المنافقون .
وإنما كانت هذه القصة أبلغ من غيرها في إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم ،لأن كل ما كان قد كابده قبل ذلك من المحن التي تحدثنا عن طرف منها ،أمور كان يتوقعها ، وقد وطن نفسه لقبولها وتحملها ،بل كان منها على ميعاد في طريق الدعوة ، أما هذه فقد فوجئ بها ..لأنها مما قد اعتاده ، أو توقعه .إنها اليوم شيء آخر ..إنها شائعة ، لو صحت لكانت طعنة نجلاء في أخص ما يعتز به إنسان ، أخصّ ما يتصف به الشرف والكرامة ،وما الذي أدراه أنها شائعة صحيحة أو باطلة ؟! ..
من هنا كانت هذه الأذية أبلغ في تأثيرها من كل ما عداها .لأنها جاءت لتلقي بشعوره النفساني في اضطراب مثير لا مناص منه .ومع ذلك فلو أن الوحي سارع إلى كشف الحقيقة وفضح إفك المنافقين لكان في ذلك مخلص من هذا الاضطراب والشكوك المثيرة ، ولكن الوحي تلبث أكثر من شهر لا يعلّق على ذلك ، فكان مصدراً آخر للقلق والشكوك.
ومع ذلك فإن محنة الإفك هذه ،جاءت منطوية على حكمة إلهية اتجهت إلى إبراز شخصية النبي صلى الله عليه وسلم ،وإظهارها صافية مميزة عن كل ما قد يلبس بها .إن معنى النبوة في حياته صلى الله عليه وسلم كان من المحتمل أن يبقى مشوباً ، في وهم بعض المؤمنين به ،والكافرين ،على السواء لو لم تأت حادثة الإفك هذه لتهز شخصية النبي صلى الله عليه وسلم ،هزاً قوياً يفصل إنسانيته العادية عن معنى النبوة الصافية فيه، ثم لتجلي معنى النبوة والوحي تجلية تامة أمام الأنظار والأفكار ، حتى لا يبقى أي مجال التباس بينه وبين أي معنى من المعاني النفسية أو الشعورية الأخرى .
لقد فاجأت هذه الشائعة سمع النبي صلى الله عليه وسلم ،وهو في طور من إنسانيته العادية ، يتصرف ويتأمل ويفكر كأي أحد من الناس ضمن حدود العصمة المعروفة للأنبياء والمرسلين ، فاستقبلها كما يستقبل مثلها أي بشر من الناس ،ليس له اطلاع على غيب مكنون ولا ضمير مجهول
ولا على قصد ملفق كاذب . فاضطرب كما يضطربون ،وشك كما يشكون ،وأخذ يقلّب الرأي على وجوهه ، ويستنجد في ذلك بمشورة أولى الرأي من أصحابه.
وكان من مقتضى الحكمة الإلهية في إبراز هذا الجانب الإنساني المجرد فيه صلى الله عليه وسلم ،أت يتأخر الوحي كل هذه الفترة التي تأخرها ،
كي تتجلى للناس حقيقتان ، كل منهما على غاية من الأهمية :
أما الحقيقة الأولى ، فهي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخرج بنبوته ورسالته عن كونه بشراً من الناس ،فلا ينبغي لمن آمن به أن يتصور أن النبوة قد تجاوزت به حدود البشرية ، فينسب إليه من الأمور أو التأثير في الأشياء ما لا يجوز نسبته إلا لله وحده.
وأما الحقيقة الثانية ، فهي أن الوحي الإلهي ليس شعوراً نفسياً ينبثق من كيان النبي صلى الله عليه وسلم كما أنه ليس شيئاً خاضعاً لإرادته أو تطلعه وأمنياته . إذ لو كان كذلك ،لكان من السهل عليه أن ينهي هذه المشكلة من يوم ميلادها ويريح نفسه من ذيولها ونتائجها ، ويجعل مما يعتقد من الخير والاستقامة في أهله قرآناً يطمئن به أصحابه المؤمنين ،
ويسكت الآخرين من أصحاب الفضول .ولكنه لم يفعل ،لأنه لا يملك ذلك . ولننقل لك ما يقوله في بيان هذه الحقيقة الدكتور محمد عبد الله دراز في كتابه (النبأ العظيم ) يقول : (ألم يرجف المنافقون بحديث الإفك عن زوجه عائشة رضي الله عنها وأبطأ الوحي وطال الأمر والناس يخوضون ،حتى بلغت القلوب الحناجر ،وهو يستطيع إلا أن يقول بكل تحفظ واحتراس :- ( إني لا أعلم عنها إلا خيرا ) ثم إنه بذل جهده في التحري والسؤال واستشارة الأصحاب ومضى شهر بأكمله والكل يقولون : ( ما علمنا عليها من سوء ) ،لم يزد على أن قال لها آخر الأمر ؛ ( يا عائشة أما إنه بلغني كذا كذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله ،وأن كنت ألمت بذنب فاستغفري الله ) .
هذا كلامه بوحي ضميره ، وهو كما ترى كلام بشر الذي لا يعلم الغيب وكلام الصديق المتثبت الذي لا يتبع الظن ولا يقول ما ليس له به علم ،
على أنه لم يغادر مكانه بعد أن قال هذه الكلمات حتى نزل صدر سورة النور معلناً براءتها ومصدراً الحكم المبرم بشرفها وطهارتها.
فماذا كان يمنعه - لو أن أمر القرآن إليه - أن يتقول هذه الكلمات الحاسمة من قبل ليحمي بها عرضه ويذبّ بها عن عرينه وينسبها إلى الوحي السماوي ،لتنقطع ألسنة المتخرّصين ؟ ولكنه ما كان ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله ( ولو تقول علينا بعض الأقاويل ،لأخذنا منه باليمين ،ثم لقطعنا منه الوتين ، فما منكم من أحد عنهّ حاجزين) الحاقة ..
ولقد كانت السيدة عائشة رضي الله عنها ،أول من تجلّت لها هاتان الحقيقتان ، حتى ذهبت في توحيدها وعبوديتها لله وحده مذهباً أنساها ما سواه ومن سواه ،فلذلك أجابت أمها حينما طلبت إليها أن تقوم فتشكر النبي صلى الله عليه وسلم قائلة : ( لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله ،هو الذي أنزل براءتي) .
إن هذا الكلام من السيدة عائشة قد يبدو وكأن فيه شيئاً من عدم اللباقة تجاه النبي صلى الله عليه وسلم ، غير أن الظرف والحالة ، هما اللذان أمليا عليها هذا الكلام ، فهي إنما انساقت بوحي الحالة التي كونتها الحكمة الإلهية تثبيتاً لعقيدة المؤمنين ، وقطعاً لإفك المنافقين والملحدين
وإظهاراً لمعنى التوحيد والعبودية الشاملة لله وحده.
وهكذا فقد انطوت قصة الإفك على حكمة إلهية باهرة استهدفت تثبيت العقيدة الإسلامية،وردّ ما قد يعرض من شبه عليها ، وتلك هي الخيرية التي عبر الله عنها بقوله: ( لا تحسبوهُ شراً لكم بل هو خير لكم )النور
خامساً: - في قصة الإفك هذه ،ما يدلنا على مشروعية حد القذف .
فقد رأينا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بأولئك الذين تفوّهوا بصريح القذف ،فضُربوا حد القذف وهو ثمانون جلدة .وليس في هذا من إشكال.
إنما الإشكال في أن ينجو من الحد الذي تولى كبر هذه الشائعة وتسييرها بين الناس ، وهو عبد الله بن أبي سلول ،والسبب كما قال ابن القيم : أنه كان يعالج الحديث من الإفك بين الناس بخبث ، فكان
يستو شي الكلام فيه ويجمعه ويحكيه في قوالب من لا ينسب إليه (راجع زاد المعاد لابن القيم ) وأنت خبير أن حد القذف إنما يقع على من يتفوّه به بصريح القول .
ولنختم الحديث عن قصة الإفك ودروسها ، بذكر الآيات العشرة التي نزلت ببراءة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، وإدانة المنافقين والخاطئين.
يقول الله تعالى : -{ إن الذين جاءُوا بالإفك عُصبة منكم لا تحسبوه شراً لكم بل هو خيرّ لكم ،لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم ،والذي تولى كبرهُ منهم له عذاب عظيم ، لولا إذ سمعتموهُ ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً ، وقالوا هذا إفك مبين ّ ، لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء ،فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون ، ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدّنيا والآخرة ، لمسكم في ما أفضتم فيه عذابّ عظيمّ ،إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم ، وتحسبونهُ هيّناً وهو عند الله عظيمّ .ولولا إذ سمعتموهُ قلتُم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا ، سبحانك هذا بُهتان ّ عظيم .يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً إن كنتم مؤمنين ويبينُ الله لكم الآيات والله عليم ّ حكيمّ .إن الذين يحبّون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليمّ في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون، ولولا فضلُ الله عليكم ورحمتهُ وأن ّ الله رؤوفّ رحيم ..} النور ....
ذكر ابن إسحاق وبعض علماء السيرة أنها كانت في العام السادس من الهجرة ،و الصحيح الذي ذهب إليه عامة المحققين أنها كانت في شعبان من العام الخامس للهجرة ، ومن أبرز أدلة ذلك أن سعد بن معاذ كان حياً في هذه الغزوة ،وله ذكر في قصة الإفك - التي سيأتي تفصيلها إن شاء الله - وقد توفي سعد بن معاذ في غزوة بني قريظة متأثراً بجرحه الذي أصيب به في الخندق ،وقد كانت غزوة بني قريظة سنة خمس من الهجرة كما سيأتي بيان ذلك .
فكيف يكون سعد حياً بعد عام من وفاته ؟! ( للوقوف على تفصيل الدليل راجع فتح الباري ، وزاد المعاد لابن القيم ،وعيون الأثر لابن سيد الناس ) ..
وسببها ما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم من أن بني المصطلق يجمعون له وقائدهم الحارث بن ضرار فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم خرج إليهم حتى لقيهم على ماء يقال له ( المريسيع )
فتزاحم الناس واقتتلوا فهزم الله بني المصطلق وقتل من قتل منهم .
وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أخماس الغنيمة على المقاتلين للراجل سهم وللفارس سهمان ( طبقات ابن سعد وسيرة ابن هشام )
وخرج مع المسلمين في هذه الغزوة عدد كبير من المنافقين ،وكان يغلب عليهم التخلف في الغزوات السابقة ، وذلك بما رأوا من اطراد النصر للمسلمين وطمعاً في الغنيمة .
وقد روى البخاري ومسلم من طريقين مختلفين أن بعض الصحابة أستفتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن العزل في هذه الغزوة -وذلك عندما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم السبي- فقال لهم : { ما عليكم أن لا تفعلوا ـما من نسمة كائنه إلى يوم القيامة ، إلا وهي كائنة }0
وروى ابن سعد في طبقاته وابن هشام في سيرته ، أن غلاماً لعمر بن الخطاب رضي الله عنه اسمه جهجاه بن سعيد الغفاري تنازع مع سنان بن وبر الجهني ،وهما مع جمع عند ماء المريسيع أثناء مقام النبي صلى الله عليه وسلم هناك وكادا أن يقتتلا ،فصرخ الجهني : ( يا معشر الأنصار ، وصرخ جهجهاه : يا معشر المهاجرين ، فسمع بالأمر
عبد الله بن أبي سلول ،فغضب وقال للرهط ممن معه : أوفعلوها ؟! ..
قد نافرونا وكاثرونا في دارنا والله ما أعدنا وجلابيب قريش ( يقصد المسلمين من قريش ) إلا كما قالوا : سمّن كلبك يأكلك أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذل ).
وكان ممن سمع كلامه زيد بن أرقم ، فمشى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبره الأمر ، وكان عنده عمر رضي الله عنه ،فقال : (( يا رسول الله مُر به عبّاد بن بشر فليقتله ، فقال : عليه الصلاة والسلام: فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه ؟ لا .ولكن أذن بالرحيل ، وذلك في ساعة لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتحل فيها ، فارتحل الناس .
ومشى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس يومهم ذلك حتى أمسى
وليلتهم حتى أصبح وصدر يومهم ذلك حتى آذنتهم الشمس ، ثم نزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نياماً . وإنما فعل ذلك ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس من حديث عبد الله بن أبي سلول )).
ونزلت سورة المنافقين تصديقاً لقول زيد بن أرقم عن عبد الله بن سلول ،وفيها يقول الله تعالى { يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرجنّ الأعز ُّمنها الأذل ، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ، ولكن ّالمنافقين لا يعلمون } المنافقون..
وجاء عبد الله بن عبد الله بن أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
- بعد أن رجعوا إلى المدينة - فقال :( إنه بلغني أنك تريد قتل أبي فيما بلغك عنه . فإن كنت لا بد فاعلاً ،فمرني فأنا أحمل إليك رأسه ، فوالله
لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبّر بوالده مني وإني أخشى أن تأمر غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس ، فأقتله فأقتل رجلاً مؤمناً بكافر فأدخل النار .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا .
وجعل بعد ذلك إذا حدث عبد الله بن أبي بالحديث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويعنفونه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب: ( كيف ترى يا عمر ؟ أما والله لو قتلته يوم قلت لي اقتله لأرعدت له آنف ، لو أمرتها اليوم بقتله لقتلة . فقال عمر : قد والله علمت لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم بركة من أمري )) .
خبر الإفك
وفي منصرف المسلمين من هذه الغزوة كان حديث عائشة وقول أهل الإفك فيها . ونحن نسوق لك خلاصة ما جاء في الصحيحين من ذلك
فقد روت رضي الله عنها أنها خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة ..قالت : { فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك وقفل ، أذن ليلة بالرحيل .فقمت إلى بعض شأني ، فلما رجعت إلى الرحل ، لمست صدري فإذا عقدي قد انقطع ،فرجعت فالتمسته فحبسني ابتغاؤه ، قالت وأقبل الرهط الذين كانوا يرحّلوني فاحتملوا هودجي - وكان ذلك بعد نزول آية الحجاب - فرحّلوا على بعيري الذي كنت أركب عليه ،وهم يحسبون أني فيه ...فبعثوا الجمل فساروا ،ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش ، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب ، فيممت منزلي الذي كنت به وظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي ،وكان صفوان بن المعطل من وراء الجيش فأصبح عند منزلي ، فرأى سواد إنسان ،فعرفني حين رآني ، وكان رآني قبل الحجاب . وكنت قد غلبتني عيناي فنمت ، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني .فخّمرت وجهي بجلبابي ،والله ما تكلمنا بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه.
وهوى حتى أناخ راحلته ، فقمت إليها فركبتها ،فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش موغرين في نحر الظهيرة ،وهم نزول ،فهلك من هلك في شأني ،وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي سلول.
قالت واشتكيت حين قدمنا المدينة شهراً ، والناس يُفيضون في القول الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك غير أني لا أعرف من رسول الله عليه الصلاة والسلام اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل فيسلم ثم يقول : كيف تيكم ؟ فلما نقهت خرجت ذات ليلة مع أم مسطح لقضاء حاجة .ولم نكن قد اتخذنا الكنف -فلما رجعنا عثرت أم مسطح في مرطها ،فقالت تعس مسطح ،فقلت لها : بئس ما قلت ، أتسبين رجلاً قد شهد بدراً ؟! قالت أولم تسمعي ما قال ؟ قالت فأخبرتني بقول أهل الإفك
فازددت مرضاً إلى مرضي . وبكيت تلك الليلة حتى أصبحت ،لا يرقاً لي دمع ولا أكتحل بنوم ،وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يستشير بعض أصحابه في الأمر وفي فراق أهله ، فمنهم من يقول : يا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلا خيراً ،ومنهم من يقول : لم يضيق الله عليك ،النساء كثير ،واسأل الجارية - يعني بريرة - تصدقك . فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة ،وسألها : هل رأيت من شيء يريبك من عائشة ؟ فأخبرته أنها لم تعلم عنها إلا الخير . فقام عليه الصلاة والسلام
على المنبر ،فقال : يا معشر المسلمين ، من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي ؟ فوا لله ما علمت على أهلي إلا خيراً ،ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً .فقام سعد بن معاذ ،فقال أنا أعذرك منه يا رسول الله .إن كان من الأوس ضربنا عنقه ،وإن كان من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك . فتلاغط الناس في المسجد حتى أسكتهم رسول الله .
ثم دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبواي عندي ،وهما يظنان أن البكاء فالق كبدي ، ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل ،وقد لبث شهراً لا يوحى إليه في شأني بشيء .
قالت : فتشهد حين جلس ، ثم قال : أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله ، وإن كنت ألمت بذنب فا ستغفري الله وتوبي إليه. قالت : فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته، قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة .فقلت لأبي : أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال والله لا أدري ما أقول .فقلت لأمي أجيبي عني ، فقالت والله ما أدري ما أقول ، فقلت : والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقر في نفوسكم وصدقتم به ، فإن قلت لكم إني بريئة
والله يعلم أني بريئة - لا تصدقوني في ذلك ،ولئن اعترفت لكم بأمر - والله يعلم أني بريئة - لتصدقنني .إني والله ما أجد لي ولكم مثلاً إلا كما قال أبو يوسف ( فصبّر جميل والله المستعان على ما تصفون ).
قالت : ثم تحولت فاضطجعت على فراشي .
قالت : فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه ، ولا خرج من أهل البيت أحد ، حتى أنزل الله عز وجل على نبيّه صلى الله عليه وسلم : فأخذه ما يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى إنه ليتحدّر منه مثل الجُمان من العرق في اليوم الشات من ثقل القول الذي أنزل عليه ، قالت : فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك ، فكانت أول كلمة تكلم بها أن قال : أبشري يا عائشة أمّا الله فقد برّأك ، فقالت أمي قومي إليه ( أي اشكريه ) فقلت : لا والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله ،هو الذي أنزل براءتي. قالت فأنزل الله عز وجل :
( إن الذين جاءُوا بالإفك عُصبة منكم ، لا تحسبُوه شراً لكم بل هو خير لكم ،لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم ، والذي تولى كبرهُ منهم له عذاب عظيم ) إلى آخر عشر آيات - النور
قالت : وكان أبي ينفق على مسطح لقرابته منه ولفقره ، فقال : والله لا أنفق عليه شيئاً أبداً بعد الذي قال لعائشة ، فانزل الله عز وجل :
( ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولى القربى --إلى قوله: ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم ) النور
فقال أبو بكر : بلى والله إني لأحب أن يفغر الله لي ، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفقها عليه .
ثم خرج صلى الله عليه وسلم إلى الناس فخطبهم ،وتلا عليهم ما أنزل الله تعالى من القرآن في ذلك ، ثم أمر بمسطح بن أثاثه ،وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش وكانوا ممن أفصح بالفاحشة ، فضّربوا حدهم ( رواه أبو داود وابن ماجه وابن إسحاق ) ....
الدلالات والعبر :
نأخذ من هذه الغزوة ما يأتي :
أولاً: - مشروعية تقسيم الغنائم بين المقاتلين ، بعد استثناء السلب والخمس من الغنيمة - فأما السلب ( وهو ما يكون مع المقتول من سلاح ونحوه ) - لقوله صلى الله عليه وسلم : { من قتل قتيلاً فله سلبه } وأما الخمس فهو لمن ذكرهم الله في كتابه : ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسهُ وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل )-الأنفال --، وأما الأخماس الأربعة فتوزع على المقاتلين كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وهذا متفق عليه بين الأئمة في الأموال المنقولة ، أما الأرض فقد وقع في أمر تقسيمها خلاف تعرضنا له عند الحديث عن أمر بني النضير.
ثانياً : - حكم العزل عند الجماع أو { تحديد النسل }
ويتبع ذلك إسقاط النطفة أو العلقة قبل نفخ الروح فيها ، كما يتبع ذلك عموم ما يسمى اليوم بتحديد النسل .
والحديث الذي ذكرناه في هذا صريح بجواز العزل . فقد قال لهم حينما استفتوه في ذلك : { ما عليكم أن لا تفعلوا } - { وفي رواية مسلم : لا عليكم أن لا تفعلوا ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة } . أي ليس عليكم أن تتركوا العزل ، لأن ما قد قدر الله واقع لا ريب فيه ، فلا يمكن أن يمتنع المقدر بعملكم . وأصرح من هذا الحديث ما رواه الشيخان عن جابر رضي الله عنه أنه قال : { كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن ينزل } .
وقد ذهب جمهور الأئمة بناء على هذا إلى جواز ممارسة العزل ، ولكنهم اشترطوا لذلك موافقة الزوجة ، لما قد يكون من الضر بها ، غير أنه يكره ذلك إذا كان سببه خشية النفقة وقلة ذات اليد 0
وخالف لبن حزم الجمهور ، فذهب إلى حرمة العزل مطلقاً ، مستدلاً بما رواه مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العزل ،فقال : { ذلك الوأد الخفي } ، واستدل بأحاديث أخرى كلها موقوفة على الصحابة . فمن ذلك ما رواه بسنده عن نافع أن ابن عمر كان لا يعزل ، وقال : ( لو علمت أحداً من ولدي يعزل لنكلته ) .ومنه ما رواه من طريق الحجاج بن المنهال أن علي بن أبي طالب كان يكره العزل .
وأجاب ابن حزم عن حديث جابر الذي استدل به الجمهور بأنه منسوخ .( انظر المحلى لابن حزم ) .
وذكر ابن حجر في فتح الباري رأي ابن حزم هذا ثم قال : ( وهذا معارض بحديثين أحدهما أخرجه الترميذي والنسائي وصححه من طريق معمر عن يحي بن كثير ..عن جابر قال : { كانت لنا جواري وكنا نعزل ، فقالت اليهود : إن تلك الموؤودة الصغرى ، فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : كذبت اليهود ، لو أراد الله خلقه لم تستطع رده } ، قال : والحديث الثاني في النسائي من وجه آخر عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة 0( راجع فتح الباري ).
- أقول: وواضح أن أقول النبي صلى الله عليه وسلم عن العزل : { الوأد الخفي } لا يعني التحريم ، بل الأظهر أن يحمل كلامه هذا - على ضوء الأحاديث الثابتة الأخرى - على النهي التنزيهي كما ذهب إلى ذلك الجمهور .
ودعوى ابن حزم أن الأحاديث المبيحة للعزل منسوخة ، يردّها ما رواه الستة خلا أبا داود من حديث جابر : { كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن ينزل } .زاد مسلم : { فبلغ ذلك بني الله صلى الله عليه وسلم فلم ينهنا فلولا حكم إباحة العزل ظل مستمراً إلى وفاته صلى الله عليه وسلم ، لما قال جابر رضي الله عنه ذلك ، ولأوضح آخر ما استقر عليه الحكم الشرعي } .
وحكم إسقاط النطفة قبل نفخ الروح فيها يتبع ما ذكرنا من حكم العزل.
إلا أن بعضاً من الجماهير الذين أفتوا بالعزل حرموا الإسقاط ، ولعلهم تحرجوا عن القياس في ذلك ، واعتبروا المضغة أقرب إلى التخلق والذات الإنسانية من النطفة قبل العلوق ، وهو تحرج لا يتضح سببه ،
اللهم إلا أن يكون مبعث التحرج ضرراً صحياً يلحق الحامل بسبب الإسقاط.
إذا علمت هذا ،علمت الحكم الشرعي الذي يتعلق بتحديد النسل وهو اتباع وسيلة علاجية لمنع الحمل بدلاً من العزل فهو جائز إذا اتبعت له الوسائل التي أجازها جمهور الأئمة بشرط أن لا يظن فيه أي ضرر للزوجة وبشرط أن يكون ذلك برغبة متفقة بين الزوجين ، ولست أعلم ما يخالف هذا الحكم عند أحد من أئمتنا الفقهاء رحمهم الله ، إلا ماروى من ذلك الحافظ ولي الدين العراقي ، عن الشيخ عماد الدين بن يوسف والشيخ عز الدين بن عبد السلام ، فقد روى عنهما القول بحرمة استعمال المرأة دواء ما ، من شأنه أن يمنع الحمل قال ابن يونس : ( ولو رضي به الزوج -)( انظر طرح التثريب وشرحه للحافظ العراقي )-
أقول وهذا الرأي محجوج بمقتضى دلالة السنة ، وبما ذهب إليه بناء على ذلك الجمهور.
غير أن من أهم ما ينبغي أن تعلمه في هذا الصدد ، أن الحكم بإباحة العزل أو عموم ما يسمى اليوم بتحديد النسل ، منوط برضى كل من الزوجين أنفسهما دون أن يكون عليهما سلطان أو أي توجيه من الخارج
إذ إن ما يجوز ممارسته للفرد صاحب العلاقة ،قد لا يجوز تشريعة بشكل إلزامي للجماعة ، وهذه قاعدة من القواعد الفقهية المتفق عليها.
فالطلاق مما يجوز للفرد المتزوج ممارسته عند الحاجة أو المصلحة التي يراها 0
ولكن ليس للحاكم أن يأمر الناس ،أمراً إلزامياً أو أدبياً أو توجيهاً ، بأن يمارسوا هذا الحق ، فيطلقوا زوجاتهم . وتحديد النسل ، شأنه في ذلك شأن الطلاق تماماً .وهذه القاعدة الهامة لابد من أن تعيها وتفهمها جيداً ،
كي لا يلبّس عليك أحد ممن يحترفون اليوم صناعة الفتوى قائلين : ( لقد أباحت السنة تحديد النسل ) وهذا دليل على أن للدولة أن تحمل الناس -بما تراه من السبيل - على ذلك .
والحقيقة أنه لا علاقة إطلاقاً بين ذلك الدليل وهذا المدلول إلا علاقة التلبيس والتمويه.
والخلاصة ، أن أمر العزل أو تحديد النسل ، إذا نُظر إليه من حيث علاقة الزوجين ببعضهما وما يشيع بينهما من حقوق ويجمعهما من مصالح ، أمر سهل لا مشكلة فيه كما قد رأيت .
ولكنه إذا نُظر إليه ،على أساس أن يكون مبدأ يُدعى إليه عامة ويُغرى الناس به بناء على فلسفة توجيهية تنشط وسائل الإعلام والتوجيه في بثها
فإنه يغدو حينئذ أمراً على جانب كبير من الأهمية والخطورة وهو يستدعي حينئذ من المسلمين أن ينشطوا في محاربته محاربه واعية فعالة
تقوم على أساس فهم الخطط الماكرة المختلفة التي يبيتها أعداء المسلمين
للإجهاز عليهم .وعليهم أن لا ينخدعوا بما يشاع من مشكلات الإنتاج والاقتصاد فذلك جزء من التخطيط نفسه.
ثالثاً :- تدلنا معالجة النبي صلى الله عليه وسلم للمشكلة التي استغلها عبد الله بن أبي بن سلول ، بالشكل الذي رأيناه ، على مدى ما قد آتاه الله من براعة فائقة في سياسة الأمور وتربية الناس والتغلب على مشاكلهم .
لقد كان ما سمعه صلى الله عليه وسلم من كلام ابن سلول مسوغاً كافياً لأن يأمر بقتله بحسب الظاهر ، ولكنه صلى الله عليه وسلم استقبل الأمر بصدر أرحب من ذلك ،وسمع عن اللغط الذي جرى ، والتناوش الذي وقع ، والجيش فيه عدد كبير من المنافقين الذين يبحثون عن شيء مثل هذا ليقوموا ويقعدوا به ، فلم يعالج الأمر بعاطفة متأثرة ، وإنما ترك الحكمة وحدها هي التي تدبر . فكان أن أمر القوم بالمسير في وقت لم يكونوا يعتادونه، حتى يشغلهم السير عن الاجتماع على المحادثة والكلام
وظل يسير بهم بقية اليوم والليل كله وصدراً من اليوم الثاني، لا يدع لهم مجالاً يفرغ فيه المنافقون للخوض فيما يريدون من باطل ، فلما انحطوا بعد ذلك على الأرض لم يدع لهم التعب فرصة الحديث عن شيء، وذهب الجميع في سبات عميق .
وانتظر الناس أن يجدوا من الرسول صلى الله عليه وسلم , إذا وصل المدينة ،شدة على المنافقين لا ريب أنها تتجلى في قتل عبد الله بن أبي بن سلول ،فلذلك جاء إليه ابنه عبد الله رضي الله عنه يعرض على قتل أبيه إذا كان يريد الحكم بذلك ،ولكنه فوجئ من رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لم يكن متوقعاً حينما قال : { بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا } وانظر إلى تعليل ذلك فيما قاله لعمر رضي الله عنه : ( فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه ؟).
ولقد كان من نتيجة هذه الحكمة أن انحسر عن عبد الله بن أبي قومه فكانوا هم الذين يعنفونه ويفضحون أمره إذا ما أراد أن يحدث شيئاً ،وأنت خبير أن المنافق يعتبر في الأحكام القضائية الدنيوية مسلماً مع وجوب الحيطة والحذر منه.
وقبل أن تستغرق في التأمل فيما كان يتصف به صلى الله عليه وسلم
من البراعة في الحكمة والسياسة وتدبير الأمور ، ينبغي أن أذكرك مرة أخرى ،بأن كل هذه الصفات إنما تأتي من وراء صفة النبوة فيه ،فهي كلها متفرعة عن كونه نبياً ورسولاً إلى الناس ، ومن الخطاء الفادح أن يعمد باحث فيحلل مثل هذه الصفات في حياته صلى الله عليه وسلم ،دون أن يربطها بمصدرها الأساسي الأول ،وهو نبوته ورسالته صلى الله عليه وسلم .وتلك خطة - كما بيّنا سابقاً - يختارها محترفو الغزو الفكري لشغل المسلمين عن التأمل بنبوته عليه الصلاة والسلام ، ويتلقفها منهم أولئك الذين الذين ، فاقوا حتى القردة في إتقان فن التقليد الأعمى .
رابعاً:- وأما قصة الإفك ، فإنها حلقة فريدة من سلسلة فنون الإيذاء والمحن التي لقيها رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعداء الدين .
ولقد كانت هذه الأذيّة أشد في وقعها على نفسه صلى الله عليه وسلم من كل تلك المحن السابقة ، وتلك هي طبيعة الشر الذي يصدر من المنافقين فهو دائماً يكون أقسى من غيره وأبلغ في المكيدة والضر ،إذ تكون الفرص والأسباب خاضعة لهم أكثر من غيرهم .وخبر الإفك صورة
فريدة للأذى الذي تفرد به المنافقون .
وإنما كانت هذه القصة أبلغ من غيرها في إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم ،لأن كل ما كان قد كابده قبل ذلك من المحن التي تحدثنا عن طرف منها ،أمور كان يتوقعها ، وقد وطن نفسه لقبولها وتحملها ،بل كان منها على ميعاد في طريق الدعوة ، أما هذه فقد فوجئ بها ..لأنها مما قد اعتاده ، أو توقعه .إنها اليوم شيء آخر ..إنها شائعة ، لو صحت لكانت طعنة نجلاء في أخص ما يعتز به إنسان ، أخصّ ما يتصف به الشرف والكرامة ،وما الذي أدراه أنها شائعة صحيحة أو باطلة ؟! ..
من هنا كانت هذه الأذية أبلغ في تأثيرها من كل ما عداها .لأنها جاءت لتلقي بشعوره النفساني في اضطراب مثير لا مناص منه .ومع ذلك فلو أن الوحي سارع إلى كشف الحقيقة وفضح إفك المنافقين لكان في ذلك مخلص من هذا الاضطراب والشكوك المثيرة ، ولكن الوحي تلبث أكثر من شهر لا يعلّق على ذلك ، فكان مصدراً آخر للقلق والشكوك.
ومع ذلك فإن محنة الإفك هذه ،جاءت منطوية على حكمة إلهية اتجهت إلى إبراز شخصية النبي صلى الله عليه وسلم ،وإظهارها صافية مميزة عن كل ما قد يلبس بها .إن معنى النبوة في حياته صلى الله عليه وسلم كان من المحتمل أن يبقى مشوباً ، في وهم بعض المؤمنين به ،والكافرين ،على السواء لو لم تأت حادثة الإفك هذه لتهز شخصية النبي صلى الله عليه وسلم ،هزاً قوياً يفصل إنسانيته العادية عن معنى النبوة الصافية فيه، ثم لتجلي معنى النبوة والوحي تجلية تامة أمام الأنظار والأفكار ، حتى لا يبقى أي مجال التباس بينه وبين أي معنى من المعاني النفسية أو الشعورية الأخرى .
لقد فاجأت هذه الشائعة سمع النبي صلى الله عليه وسلم ،وهو في طور من إنسانيته العادية ، يتصرف ويتأمل ويفكر كأي أحد من الناس ضمن حدود العصمة المعروفة للأنبياء والمرسلين ، فاستقبلها كما يستقبل مثلها أي بشر من الناس ،ليس له اطلاع على غيب مكنون ولا ضمير مجهول
ولا على قصد ملفق كاذب . فاضطرب كما يضطربون ،وشك كما يشكون ،وأخذ يقلّب الرأي على وجوهه ، ويستنجد في ذلك بمشورة أولى الرأي من أصحابه.
وكان من مقتضى الحكمة الإلهية في إبراز هذا الجانب الإنساني المجرد فيه صلى الله عليه وسلم ،أت يتأخر الوحي كل هذه الفترة التي تأخرها ،
كي تتجلى للناس حقيقتان ، كل منهما على غاية من الأهمية :
أما الحقيقة الأولى ، فهي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخرج بنبوته ورسالته عن كونه بشراً من الناس ،فلا ينبغي لمن آمن به أن يتصور أن النبوة قد تجاوزت به حدود البشرية ، فينسب إليه من الأمور أو التأثير في الأشياء ما لا يجوز نسبته إلا لله وحده.
وأما الحقيقة الثانية ، فهي أن الوحي الإلهي ليس شعوراً نفسياً ينبثق من كيان النبي صلى الله عليه وسلم كما أنه ليس شيئاً خاضعاً لإرادته أو تطلعه وأمنياته . إذ لو كان كذلك ،لكان من السهل عليه أن ينهي هذه المشكلة من يوم ميلادها ويريح نفسه من ذيولها ونتائجها ، ويجعل مما يعتقد من الخير والاستقامة في أهله قرآناً يطمئن به أصحابه المؤمنين ،
ويسكت الآخرين من أصحاب الفضول .ولكنه لم يفعل ،لأنه لا يملك ذلك . ولننقل لك ما يقوله في بيان هذه الحقيقة الدكتور محمد عبد الله دراز في كتابه (النبأ العظيم ) يقول : (ألم يرجف المنافقون بحديث الإفك عن زوجه عائشة رضي الله عنها وأبطأ الوحي وطال الأمر والناس يخوضون ،حتى بلغت القلوب الحناجر ،وهو يستطيع إلا أن يقول بكل تحفظ واحتراس :- ( إني لا أعلم عنها إلا خيرا ) ثم إنه بذل جهده في التحري والسؤال واستشارة الأصحاب ومضى شهر بأكمله والكل يقولون : ( ما علمنا عليها من سوء ) ،لم يزد على أن قال لها آخر الأمر ؛ ( يا عائشة أما إنه بلغني كذا كذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله ،وأن كنت ألمت بذنب فاستغفري الله ) .
هذا كلامه بوحي ضميره ، وهو كما ترى كلام بشر الذي لا يعلم الغيب وكلام الصديق المتثبت الذي لا يتبع الظن ولا يقول ما ليس له به علم ،
على أنه لم يغادر مكانه بعد أن قال هذه الكلمات حتى نزل صدر سورة النور معلناً براءتها ومصدراً الحكم المبرم بشرفها وطهارتها.
فماذا كان يمنعه - لو أن أمر القرآن إليه - أن يتقول هذه الكلمات الحاسمة من قبل ليحمي بها عرضه ويذبّ بها عن عرينه وينسبها إلى الوحي السماوي ،لتنقطع ألسنة المتخرّصين ؟ ولكنه ما كان ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله ( ولو تقول علينا بعض الأقاويل ،لأخذنا منه باليمين ،ثم لقطعنا منه الوتين ، فما منكم من أحد عنهّ حاجزين) الحاقة ..
ولقد كانت السيدة عائشة رضي الله عنها ،أول من تجلّت لها هاتان الحقيقتان ، حتى ذهبت في توحيدها وعبوديتها لله وحده مذهباً أنساها ما سواه ومن سواه ،فلذلك أجابت أمها حينما طلبت إليها أن تقوم فتشكر النبي صلى الله عليه وسلم قائلة : ( لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله ،هو الذي أنزل براءتي) .
إن هذا الكلام من السيدة عائشة قد يبدو وكأن فيه شيئاً من عدم اللباقة تجاه النبي صلى الله عليه وسلم ، غير أن الظرف والحالة ، هما اللذان أمليا عليها هذا الكلام ، فهي إنما انساقت بوحي الحالة التي كونتها الحكمة الإلهية تثبيتاً لعقيدة المؤمنين ، وقطعاً لإفك المنافقين والملحدين
وإظهاراً لمعنى التوحيد والعبودية الشاملة لله وحده.
وهكذا فقد انطوت قصة الإفك على حكمة إلهية باهرة استهدفت تثبيت العقيدة الإسلامية،وردّ ما قد يعرض من شبه عليها ، وتلك هي الخيرية التي عبر الله عنها بقوله: ( لا تحسبوهُ شراً لكم بل هو خير لكم )النور
خامساً: - في قصة الإفك هذه ،ما يدلنا على مشروعية حد القذف .
فقد رأينا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بأولئك الذين تفوّهوا بصريح القذف ،فضُربوا حد القذف وهو ثمانون جلدة .وليس في هذا من إشكال.
إنما الإشكال في أن ينجو من الحد الذي تولى كبر هذه الشائعة وتسييرها بين الناس ، وهو عبد الله بن أبي سلول ،والسبب كما قال ابن القيم : أنه كان يعالج الحديث من الإفك بين الناس بخبث ، فكان
يستو شي الكلام فيه ويجمعه ويحكيه في قوالب من لا ينسب إليه (راجع زاد المعاد لابن القيم ) وأنت خبير أن حد القذف إنما يقع على من يتفوّه به بصريح القول .
ولنختم الحديث عن قصة الإفك ودروسها ، بذكر الآيات العشرة التي نزلت ببراءة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، وإدانة المنافقين والخاطئين.
يقول الله تعالى : -{ إن الذين جاءُوا بالإفك عُصبة منكم لا تحسبوه شراً لكم بل هو خيرّ لكم ،لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم ،والذي تولى كبرهُ منهم له عذاب عظيم ، لولا إذ سمعتموهُ ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً ، وقالوا هذا إفك مبين ّ ، لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء ،فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون ، ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدّنيا والآخرة ، لمسكم في ما أفضتم فيه عذابّ عظيمّ ،إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم ، وتحسبونهُ هيّناً وهو عند الله عظيمّ .ولولا إذ سمعتموهُ قلتُم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا ، سبحانك هذا بُهتان ّ عظيم .يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً إن كنتم مؤمنين ويبينُ الله لكم الآيات والله عليم ّ حكيمّ .إن الذين يحبّون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليمّ في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون، ولولا فضلُ الله عليكم ورحمتهُ وأن ّ الله رؤوفّ رحيم ..} النور ....