aldps61
03-23-2009, 09:16 PM
وقد كانت في السنة الرابعة للهجرة ، بعد مرور شهر ونصف تقريبا ًعلى إجلاء بني النضير ، على ما ذهب إليه أكثر علماء السير والمغازي
ورجح البخاري وبعض المحدثين أنها كانت بعد غزوة خيبر .
وسببها ما ظهر من الغدر لدى كثير من قبائل نجد بالمسلمين - ذلك الغدر الذي تجلى في مقتل أولئك الدعاة السبعين الذين خرجوا يدعون إلى الله تعالى ، فخرج عليه الصلاة والسلام قاصداً قبائل محارب وبني ثعلب ،
واستعمل على المدينة أبا ذر الغفاري رضي الله عنه .
وعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكان بنجد من أرض غطفان يسمى ( نخل ) ولكن الله تعالى قذف في قلوب تلك القبائل الرعب - وقد كانت كما يقول ابن هشام جموعاً كبيرة - فتفرقوا بعيداً عن المسلمين ، ولم يقع أيّ قتال .
غير أن في قصة هذه الغزوة - مشاهد تستأهل النظر فيها وأخذ الدرس منها ، فلنجتزئ عن ذكر القصة كلها - بذكر هذه المشاهد :
أولاً : - روي في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : { خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه ، قال : فنقبت أقدامنا ، فنقبت قدماي وسقطت أظافري ،فكنا نلف على أرجلنا الخرق ،فسميت ذات الرقاع ، لما كنا نعصب على أرجلنا الخرق . قال أبو موسى بهذا الحديث ثم كره ذلك ،قال : كأنه كره أن يكون شيئاً من عمله أفشاه } .
ثانياً : - روي البخاري ومسلم أنه صلى الله عليه وسلم صلى في غزوة ذات الرقاع صلاة الخوف ، وأن طائفة صفت معه ، وطائفة وُجاه العدو .فصلى بالتي معه ركعة ،ثم ثبت قائماً وأتموا لأنفسهم ، ثم انصرفوا فصفوا وُجاه العدو وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته ثم ثبت جالساً وأتموا لأنفسهم ، ثم سلم بهم ..
( رواه البخاري في باب غزوة ذات الرقاع -ورواه مسلم في باب صلاة الخوف وزاد مسلم فروى بعد ذلك عن جابر أنه نودي بالصلاة فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين ، قال فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات وللقوم ركعتين .
ووجه التوفيق بين الحديثين أنه عليه الصلاة والسلام صلى بأصحابه صلاة الخوف أكثر من مرة فصلاها على النحو الأول مرة وصلاها مرو أخرى على النحو الثاني وحديث مسلم يدل على أن المسافر يحوز له أن يتم الرباعية ويقصرها وهو مذهب الشافعي ومالك والإمام أحمد ، خلافا للحنفية ...
ثالثاً : - روى البخاري أيضاً عن جابر رضي الله عنه : { أنه لما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم قفل معه ، فأدركتهم القائلة ( وقت القيلولة ) في واد كثير العضاه ( نوع من الشجر ) فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ،وتفرق الناس يستظلون الشجر ، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت سمُرة فعلق بها سيفه ، قال جابر : فنمنا نومة ، فإذا رسول الله يدعونا فجئناه فإذا عنده أعرابي جالس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صلتاً ،فقال لي : من يمنعك مني ؟ فقلت له الله ، فها هو جالس ..ثم لم يعاقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم } ( صحيح البخاري )...
رابعاً : - روى ابن إسحاق وأحمد عن جابر رضي الله عنه ،قال : - { خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع فأصيبت امرأة من المشركين فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم
قافلاً وجاء زوجها وكان غائباً فحلف أن لا ينتهي حتى يريق دماً في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ،فخرج يتبع أثر النبي صلى الله عليه وسلم فنزل النبي صلى الله عليه وسلم منزلاً فقال : من رجل يكلؤنا ليلتنا هذه ؟ قال : فانتدب رجل من المهاجرين وآخر من الأنصار فقالا: نحن يا رسول الله قال : فكونا بفم الشعب ، قال : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد نزلوا إلى شعب من الوادي .
فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب ،قال الأنصاري للمها جري : أي الليل تحب أن أكفيكه ؟ أوله أم آخره ؟ قال : بل اكفني أوله .فاضطجع المهاجري فنام ، وقام الأنصاري يصلي قال : وأتى الرجل فلما رأي شخص الأنصاري عرف أنه ربيئة القوم ( الطليعة الذي يحرسهم ) فرمى بسهم فوضعه فيه ، فنزعه الأنصاري وثبت قائماً يصلي ثم رماه بسهم آخر فوضعه فيه ، فنزعه وثبت قائماً يصلي ،ثم عاد له بالثالثة فنزعه ثم ركع وسجد ،وأهب صاحبه ( أيقظه ) قائلاً : أجلس فقد أثبت ،قال فوثب فلما رآهما الرجل عرف أن قد نُذر به ( أي اكتشف أمره ) فهرب ،ولما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء قال : سبحان الله ، أفلا أيقظتني أول ما رماك قال : كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها .فلما ثابر علي الرمي ركعت فآذنتك .و ايم الله ،لولا أن أضيع ثغراً أمرني رسول الله بحفظه ، لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها }
خامساً : - روى البخاري ومسلم ،وابن سعد في طبقاته ،وابن هشام في سيرة عن جابر بن عبد الله قال :
{ خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة ذات الرقاع على جمل لي ضعيف ، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلت الرفاق تمضي ، وجعلت أتخلف حتى أدركني رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال :مالك يا جابر ؟قلت : يا رسول الله أبطأ بي جملي هذا .قال : أنخه .فأنخته وأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : أعطني هذه العصا من يدك ،ففعلت ، فأخذها فنخسه بها نخسات ثم قال : أركب ،فركبت
فخرج - والذي بعثه بالحق - يواهق ( أي يسابق ) ناقته مواهقة .
وتحدثت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي : أتبيعني جملك هذا يا جابر ؟
قلت : يا رسول الله ،بل أهبه لك ، قال : لا ولكن بعنيه ، قلت : فسُمنيه يا رسول الله قال : أخذه بدرهم ! قلت : لا ، إذن تغبنني يا رسول الله قال : فبدرهمين ؟قلت : لا ، فلم يزل يرفع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمنه حتى بلغ الأوقية .فقلت : أفقد رضيت يا رسول الله ؟ قال نعم قلت : فهو لك ، قال : قد أخذته ...ثم قال : يا جابر هل تزوجت بعد ؟ قلت نعم يا رسول الله ، قال أثيباً أم بكراً ؟ قلت : لا ، بل ثيّباً ، قال : أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك ؟ قلت : يا رسول الله إن أبي أصيب يوم أُحد وترك له بنات سبعاً ، فنكحت امرأة جامعة ، تجمع رؤوسهن وتقوم عليهن . قال : أصبت إن شاء الله ، أما إنا لو جئنا صراراً ( اسم مكان في ضاحية المدينة ) أمرنا بجزور فنُحرت ، وأقمنا عليها يومنا ذاك ، وسمعت بنا فنفضت نمارقها ، فقلت : والله يا رسول الله مالنا من نمارق ! . قال : إنها ستكون ،فإذا أنت قدمت فاعمل عملاً كيًساً .
قال جابر : فلما جئنا صراراً ، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بجزور فنُحر ، وأقمنا عليها ذلك اليوم ،فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم
دخل ودخلنا المدينة .
قال جابر : فلما أصبحتُ أخذت برأس الجمل ،فأقبلت به حتى أنخته على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم ،ثم جلست في المسجد قريباً منه ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى الجمل فقال : ما هذا ؟ قالوا :يا رسول الله هذا جمل جاء به جابر ، قال : فأين جابر ؟فدُعيتُ له فقال : يا ابن أخي ، جُذ برأس جملك فهو لك .ودعا بلالاً فقال له :اذهب بجابر فأعطه أوقية ،فذهبت معه فأعطاني أوقية وزادني شيئاً يسيراً ، فوالله مازال ينمو عندي ويُرى مكانه من بيتنا ) .
العظات والعبر: -
تحقيق من تاريخ هذه الغزوة :
اتفق علماء المغازي والسّير ،كما أسلفنا ،على أن غزوة ذات الرقاع كانت قبل خيبر . ثم رجّح معظمهم أنها كانت بعد غزوة بني النّضير في العام الرابع للهجرة . وذهب بعضهم كابن سعد وابن حبّان إلى أنهافي العام الخامس .
غير أن الإمام البخاري نصّ في صحيحه على أنها كانت بعد خيبر ، ولكنها مع ذلك جاءت في ترتيب كتابه قبلها !.. ورجح الحافظ ابن حجر ما ذهب إليه البخاري مستدلاً بأن صلاة الخوف كانت مشروعة في ذات الرقاع مع أنه لم يصلّها في الخندق وقد فاتته فصلاها قضاءّ ، كما استدل بما روي في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري يصف كيف نقبت أقدامهم في ذات الرقاع حتى لفوا عليها الخرق فلذلك سميت بذات الرقاع وأبو موسى الأشعري لم يعد من الحبشة إلا بعد غزوة ذات الرقاع ربما كانت بعد غزوة الخندق .
قلت :بل يتعين أن تكون غزوة ذات الرقاع هذه قبلها ،إذ ثبت في الصحيح أن جابراً رضي الله عنه استأذن الرسول إلى بيته في غزوة الخندق وأخبر امرأته بما رأى من جوع رسول الله صلى الله عليه وسلم ،وفيه قصة الطعام الذي دعا إليه النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وفيه أنه صلى الله عليه وسلم قال لزوجة جابر : ( كلُي هذا واهدي فإن الناس أصابتهم مجاعة ) . وثبت في الصحيحين أيضاً أن الرسول الله صلى الله عليه وسلم
سأل جابراً في غزوة ذات الرقاع : ( هل تزوجت بعد ؟ قال : نعم يا رسول الله ) .. الحديث وقد مّر مفصّلاً . أي فلم يكن قد علم النّبي صلى الله عليه وسلم بعدُ شيئاً عن زواجه .
فهذا يدل دلالة واضحة على أن ذات الرقاع كانت قبل الأحزاب فضلاً عن خيبر .
ولم أرَ من استدلّ بهذا على تأخر الأحزاب عن ذات الرقاع ، ممن قال بذلك ،ولا من أجاب عنه ممن قال بعكسه ، ولكنه على كل حال ، دليل يكاد يكون قاطعاً على ما نقول .
أما ،ما استدل به الحافظ ابن حجر من أنه صلى الله عليه وسلم لم يصلّ صلاة الخوف في الأحزاب وصلاها قضاء فيجاب عنه بأنه ربما كان سبب تأخير الرسول صلى الله عليه وسلم لها إذ ذاك ،استمرار الرمي بين المشركين والمسلمين بحيث لم يدع مجالاً للانصراف إلى الصلاة ،وربما كان العدو في جهة القبلة وصلاة الخوف التي صُليت في ذات الرقاع كان العدو فيها في غير جهة القبلة كما قد رأيت ،أو ربما أخّرها لبيان مشروعية قضاء الفائتة كيفما كانت .كما يجاب عن استدلاله بحديث أني موسى الأشعري بما ذكره كثير من علماء السَّير والمغازي من أن أبا موسى الأشعري إنما قصد بها غزوة أخرى سميت هي أيضاً بذات الرقاع .
بدليل أنه قال عنها : (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه ) إلخ . وغزوة ذات الرقاع التي نتحدث عنها كان عدد المسلمين فيها أكثر من ذلك .
وقد حاول الحافظ ابن حجر رحمه الله أن يردّ على هذا الكلام ولكن ليس ثمة داع إلى ذلك ،خصوصاً وقد ثبت الدليل القاطع على ما ذهب إليه علما المغازي ،مما ذكرناه من حديث جابر في كل من الغزوتين .
هذا وسنفصلّ الحديث عن تأخير النبي عليه الصلاة والسلام الصلاة عن وقتها يوم الخندق وما يتعلق به من المسائل والأحكام ، في مناسبته إن شاء الله .
ثم إن هذه الغزوة لم يشتبك فيها المسلمون مع أحَد من المشركين بقتال ، كما رأيت من استعراض خلاصتها ، ولكنها مع ذلك تنطوي على مشاهد ذات دلالات هامة يجب دراستها والاعتبار بها . ولقد ذكرنا منها خمسة مشاهد هي خلاصة أحداثها ، فلنذكر ما يمكن أن يفهم من كل واحد منها
أولاً : فيما رواه الشيخان عن أبي موسى الأشعري في بيان سبب تسمية هذه الغزوة أو غيرها ، كما قلنا ، بذات الرقاع صورة واضحة عن ما كان يتحمله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قي تبليغ رسالة ربّهم والجهاد في سبيله . لقد أوضحت الصورة أنهم كانوا فقراء لا يجدون حتى الظهر الذي يمتطونه لجهادهم وغزواتهم ،فالستة أو السبعة يتبادلون ركوب بعير واحد في قطع مسلفة بعيدة شاقة ، ولكن الفقر لم يستطع مع ذلك أن يعوقهم عن أداء رسالتهم ،رسالة الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله . فقد تحملوا في سبيل ذلك كل النتائج وكل ألوان المحن ... نقبت أقدامهم من طول سيرها على الوعثاء والقتاد ، وتساقطت أظافرهم مما اصطدمت بالحجارة والصخور ، وتعرّت أقدامهم فلم يجدوا إلا الخرَق يلفونها عليها الواحدة فوق الأخرى !!.. ومع ذلك فما ضعُفوا وما استكانوا واستهانوا بكل ذلك في جنب عظم المسؤولية الإلهية الملقاة على أعناقهم منذ أن أصبحوا مسلمين، فقد كانوا يمتثلون قول الله تعالى :
{ إن اللهَ اشْتَرَى منَ المؤمنينَ أنفُسَهُمْ وأموالَهُمْ بأنّ لّهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتلُونَ في
سَبيل الله فيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ } التوبة .
ثم إنك ترى أن ترى أبا موسى الأشعري رضي الله عنه ،كره من نفسه أن أباح بهذا الخبر بعد أن أفلت من فمه ،عندما سألوه عن سبب تسمية هذه الغزوة بذات الرقاع - وإنما كره ذلك وندم عليه أنه أفشا شيئاً من عمله الذي احتسب أجره عند الله تعالى .
وهذا يدل - كما يقول الإمام النووي ،على أنه يستحب للمسلم أن يخفي أعماله الصالحة وما قد يكابده من المشاق في طاعة الله تعالى ،وأم لا يتعمد إظهار شيء من ذلك إلا لمصلحة ،مثل بيان حكم ذلك الشيء والتنبيه على الاقتداء به ونحو ذلك .وعلى مثل هذا يحمل ما وجد السلف من الإخبار ببعض أعمالهم .
ثانياً : - الطريقة التي صلى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة مع أصحابه في هذه الغزوة هي الأساس الذي قامت عليه مشروعية صلاة الخوف .
ولصلاة الخوف كيفيتان ، إحداهما خاصة بأن يكون العدو في الجهة القبلة والثانية خاصة بأن يكون العدو في غير جهتها ، والكيفية الثانية هي التي صلى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع .فقد حان وقت الصلاة ،وأشتات العدو من حول المسلمين في أكثر من جهة القبلة وحدها ، ويخشى أنهم يراقبون المسلمين من بعد ،حتى إذا رأوهم أدبروا عنهم جميعاً وانشغلوا بصلاتهم غدروا بهم وانحطوا فيهم بسيوفهم.
فبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم مع فرقة من أصحابه ، وإخوانهم يراقبون العدو في جهاته المختلفة ، حتى إذا أتم الرسول صلى الله عليه وسلم من صلاته نصفها ،أي ركعة واحدة ،فارقه من كانوا يصلون خلفه وأسرعوا فأتموا الركعة الثانية وحدهم ،والرسول واقف في صدر ركعته الثانية.ثم ذهبوا ليرابطوا مكان إخوانهم ، حيث جاء هؤلاء فاقتدوا به صلى الله عليه وسلم فصلى بهم الركعة الثانية التي بقيت من صلاته .ثم
قاموا فأتموا وحدهم الركعة الثانية والنبي صلى الله عليه وسلم ينتظرهم جالساً ، ثم سلموا معه .
والذي اقتضي هذه الكيفية من الصلاة مع إمكان أدائهم الصلاة بجماعتين
سببان اثنان :
أولاً : قصد اجتماعهم كلهم على الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم
وتلك فضيلة لا يصار إلى غير ها عند إمكان تحقيقها .
الثاني :- استحباب وحدة الجماعة قدر الإمكان ، فتجزئة القوم أنفسهم إلى عدة جماعات تتوالى لأداء فريضة من الفرائض مكروه بدون ضرورة .
ولم يلاحظ السادة الحنفية إلا السبب الأول لها ، ولذلك ذهبوا إلى أنه لا مسوغ لبقاء مشروعيتها بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم .
ثالثاً : - قصة المشرك الذي أخذ سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نائم تحت الشجرة ....إلخ
قصة ثابتة صحيحة كما رأيت ، وهي تكشف عن مدى رعاية الباري جل جلاله وحفظه لنبيه صلى الله عليه وسلم ،ثم هي تزيدك يقيناً بالخوارق التي أخضعها الله جل جلاله له عليه الصلاة والسلام مما يزيدك تبصراً ويقيناً بشخصيته النبوية ، فقد كان من السهل الطبيعي بالنسبة لذلك المشرك - وقد أخذ السيف ورفعه فوق النبي صلى الله عليه وسلم وهو أعزل في غفلة النوم - أن يهوي به عليه فيقتله ، وإنك لتلمس من ذلك المشرك هذا الاعتداد بنفسه والزهو بالفرصة الذهبية التي أمكنته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ،في قوله : من يمنعك مني ّ؟ !
فما الذي طرأ بعد ذلك حتى عاقه عن القتل ؟ ....إن الذي طرأ هو ما لم يكن في حساب المشرك وتقديره ، ألا وهو عناية الله وحفظه لرسوله ، فقد كانت العناية الإلهية كافية لأن تملأ قلب المشرك بالرعب وأن تقذف في ساعديه تياراً من الرجفة ، فيسقط من يده السيف ثم يجلس متأدباً مطرقاً بين يدي رسول الله .
وأهم ما يجب أن تعلمه من هذه الحادثة أن هذا هو مصداق قوله تعالى :
{ والله يعصمك من النّاس } المائدة .
فليست العصمة المقصودة في الآية ، أن لا يتعرض لأذى أو محنة من قومه ، إذ تلك هي سنة الله في عباده كما قد علمت .وإنما المراد من العصمة أن لا تطول إليه أي يد تحاول اغتياله وقتله لتُغتال فيه الدعوة الإسلامية التي بُعث لتبليغها.
رابعاً : - إنما ذكرنا قصة جابر بن عبدالله وما كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من المحادثة في طريق عودتهما إلى المدينة ، مع أنها لا تتعلق بشيء من أمر الغزوة لما فيها من الصورة الكاملة الدقيقة لخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه ،وما انطوى عليه خلقه الكريم هذا من لطف في المعاشرة ورقة في الحديث وفكاهة في المحاورة ومحبة شديدة لأصحابه.
فإذا تأملنا جيداً في هذه القصة التي سردناها ، علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان متأثراً بالمحنة التي طافت على بيت جابر بن عبد الله .
فقد استشهد والده في أُحد ، فقام هو - وهو أكبر أولاد أبيه - على شأن الأسرة ورعاية الأطفال الكثيرين الذين خلّفهم له والده من ورائه ، وهو على ذلك رقيق الحال ليس له نصيب وافر من الدنيا .
وكأنما استشعر رسول الله صلى الله عليه وسلم في تأخر جابر عن القوم بسبب جمله الضعيف الذي لا يملك غيره ، مظهراً لحالته العامة هذه ( وقد كان من عادته صلى الله عليه وسلم إذا سار مع صحبه في طريق ، أن يتفقد أصحابه كلهم ويطمأن عليهم بين فترة وأخرى ) ، فانتهزها فرصة وتخلف حتى التقى معه وراح يواسيه بأسلوبه الرقيق الفكه الذي رأيت ،في طريق ليس معهما ثالث .
عرض عليه صلى الله عليه وسلم شراء بعيره وهو إنما يريد أن يجعل من ذلك ذريعة ومناسبة لإكرامه ومساعدته على وضعه الذي هو فيه ، ثم سأله عن الزوجة والبيت ،في أسلوب فكه رقيق ،وراح يُطمئن الزوج الجديد ، أنهم إذا وصلوا قريباً من المدينة أقاموا ساعات هناك ،
حتى يتسامع أهل المدينة بمقدمهم ،فتسمع زوجته ،فتصلح له من شأنها ،
وتهيء له البيت بزينته ونمارقه . وينساق معه جابر في الأسلوب نفسه فيقول : (والله يارسول الله مالنا من نمارق! ) فيجيبه عليه الصلاة والسلام قائلاً : ( إنها ستكون )
صورة رائعة ، عن لطف معشره ،وأنس حديثه ،والفكاهة الحلوة في محاورته لأصحابه ،لم يكتب لنا أن نراها ونسعد بها في مجالسه صلى الله عليه وسلم وغزواته وأسفاره ، ولكن ها نحن نستشفها من سيرته وأخباره العطرة فيهزنا الشوق إلى رؤيته التي حُرمناها ومجالسه التي سمعنا بها ولم نرها ، وغزواته التي قرأناها ولم يكن لنا شرف الاشتراك فيها ، اللهم عوضنا عن ذلك كله بلقاء معه في جنان خلدك ،وهيئنا لذلك بتوفيق من لدنك للتمسك بهديه واقتفاء أثره في تحمل كل محنه وضيم
في سبيل دينك وتحقيق شريعتك .
خامساً : - لا بّد من أن يقف المسلم وقفة متأملة طويلة ، أمام خبر ذلك الصحابيين وهما يقومان على الثغر الذي أمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بحراسته ،ليعلم طبيعة الجهاد الإسلامي وكيف كان يمارسه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .
لم يكن الجهاد عملاً حركياً يقوم على أساس المقاومة المجردة - ولم يتصور واحد من أولئك المسلمين هذه الصورة الشوهاء له ولا في لحظة واحدة .
إنما الجهاد - كما علّمه الرسول أصحابه وكما فهمه الصحابة منه - عبادة كبرى يتعلق فيها كيان المسلم كلّه بخالقه جلّ جلاله خاشعاً مستغيثاً متبتلاً
وما ساعة يكون فيها المؤمن أقرب إلى ربّه جلّ جلاله من تلك الساعة التي يستدبر فيها الدنيا ويستقبل بوجهه شطر الموت والاستشهاد.
ولذلك ، كان من الطبيعي جداً بالنسبة لذلك الأنصاري (عباد بن بشر )رضي الله عنه ، أن يشغل شطر حراسته من الليل بركعات خاشعة يقف فيها بين يدي ربّه جلّ جلاله ،وقد انصرفت مشاعره كلها إلى مناجاته بآيات من كتابه الكريم .
وكان من الطبيعي جداً أن لا يبالي بذلك السهم الذي أسرع فانحطّ في جسمه، ولا بالسهم الثاني الذي تبعه ،لأن بشريته كلها إنما كانت في تلك الساعة مطويّة ضمن مشاعره المنصرفة إلى ربّه جلّ جلاله وقد غمرتها لذة المناجاة بين العبد وخالقه.
ولما ارتد شعوره إليه وأخذ يهتم بما قد أصابه ،ولم يكن ذلك لمزيد من الألم بدأ يشعر به ، وإنما للمسؤولية المنوطة به مخافة أن يضيعها بضياع حياته واستمرار سكوته. فكان ذلك هو الذي اضطره إلى أن يلتفت فيوقظ صاحبه ليستلم منه أمانة الثغر الذي أنيط بهما حفظه.
وتأمل يا أخي المسلم في قوله رضي الله عنه : { لولا أن أضيع ثغراً أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه ، لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها} ( أي الصلاة )
تلك هي طبيعة الجهاد الذي تكفل الله لأربابه بالنصر والفوز ، مهما كانت القوى المتألبة عليهم المتجمعة حولهم .
فقارن - ليتقطع منك الكبد حسرة وأسى - بين ذلك الجهاد و ( الجهاد ) الآخر الذي نفخر باسمه وشعاراته اليوم .
قارن - لتقف على مدى عدالة الله في الأرض ، ولتعلم أن الله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون ..
ثم ارفع يديك إلى السماء متوسلاً أن لا يهلكنا الله بما فعل المبطلون ، واجهد أن تسكب قطرات حارة من دمع عينيك فيهما .فلعل في ذل العبودية إذ نتسربل به صادقين أمام الله ، ما يردّ عنا نقمة حقت علينا بتقصيرنا وما جنيناه من سيء الأعمال على نفوسنا ......
**************************
ورجح البخاري وبعض المحدثين أنها كانت بعد غزوة خيبر .
وسببها ما ظهر من الغدر لدى كثير من قبائل نجد بالمسلمين - ذلك الغدر الذي تجلى في مقتل أولئك الدعاة السبعين الذين خرجوا يدعون إلى الله تعالى ، فخرج عليه الصلاة والسلام قاصداً قبائل محارب وبني ثعلب ،
واستعمل على المدينة أبا ذر الغفاري رضي الله عنه .
وعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكان بنجد من أرض غطفان يسمى ( نخل ) ولكن الله تعالى قذف في قلوب تلك القبائل الرعب - وقد كانت كما يقول ابن هشام جموعاً كبيرة - فتفرقوا بعيداً عن المسلمين ، ولم يقع أيّ قتال .
غير أن في قصة هذه الغزوة - مشاهد تستأهل النظر فيها وأخذ الدرس منها ، فلنجتزئ عن ذكر القصة كلها - بذكر هذه المشاهد :
أولاً : - روي في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : { خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه ، قال : فنقبت أقدامنا ، فنقبت قدماي وسقطت أظافري ،فكنا نلف على أرجلنا الخرق ،فسميت ذات الرقاع ، لما كنا نعصب على أرجلنا الخرق . قال أبو موسى بهذا الحديث ثم كره ذلك ،قال : كأنه كره أن يكون شيئاً من عمله أفشاه } .
ثانياً : - روي البخاري ومسلم أنه صلى الله عليه وسلم صلى في غزوة ذات الرقاع صلاة الخوف ، وأن طائفة صفت معه ، وطائفة وُجاه العدو .فصلى بالتي معه ركعة ،ثم ثبت قائماً وأتموا لأنفسهم ، ثم انصرفوا فصفوا وُجاه العدو وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته ثم ثبت جالساً وأتموا لأنفسهم ، ثم سلم بهم ..
( رواه البخاري في باب غزوة ذات الرقاع -ورواه مسلم في باب صلاة الخوف وزاد مسلم فروى بعد ذلك عن جابر أنه نودي بالصلاة فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين ، قال فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات وللقوم ركعتين .
ووجه التوفيق بين الحديثين أنه عليه الصلاة والسلام صلى بأصحابه صلاة الخوف أكثر من مرة فصلاها على النحو الأول مرة وصلاها مرو أخرى على النحو الثاني وحديث مسلم يدل على أن المسافر يحوز له أن يتم الرباعية ويقصرها وهو مذهب الشافعي ومالك والإمام أحمد ، خلافا للحنفية ...
ثالثاً : - روى البخاري أيضاً عن جابر رضي الله عنه : { أنه لما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم قفل معه ، فأدركتهم القائلة ( وقت القيلولة ) في واد كثير العضاه ( نوع من الشجر ) فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ،وتفرق الناس يستظلون الشجر ، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت سمُرة فعلق بها سيفه ، قال جابر : فنمنا نومة ، فإذا رسول الله يدعونا فجئناه فإذا عنده أعرابي جالس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صلتاً ،فقال لي : من يمنعك مني ؟ فقلت له الله ، فها هو جالس ..ثم لم يعاقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم } ( صحيح البخاري )...
رابعاً : - روى ابن إسحاق وأحمد عن جابر رضي الله عنه ،قال : - { خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع فأصيبت امرأة من المشركين فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم
قافلاً وجاء زوجها وكان غائباً فحلف أن لا ينتهي حتى يريق دماً في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ،فخرج يتبع أثر النبي صلى الله عليه وسلم فنزل النبي صلى الله عليه وسلم منزلاً فقال : من رجل يكلؤنا ليلتنا هذه ؟ قال : فانتدب رجل من المهاجرين وآخر من الأنصار فقالا: نحن يا رسول الله قال : فكونا بفم الشعب ، قال : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد نزلوا إلى شعب من الوادي .
فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب ،قال الأنصاري للمها جري : أي الليل تحب أن أكفيكه ؟ أوله أم آخره ؟ قال : بل اكفني أوله .فاضطجع المهاجري فنام ، وقام الأنصاري يصلي قال : وأتى الرجل فلما رأي شخص الأنصاري عرف أنه ربيئة القوم ( الطليعة الذي يحرسهم ) فرمى بسهم فوضعه فيه ، فنزعه الأنصاري وثبت قائماً يصلي ثم رماه بسهم آخر فوضعه فيه ، فنزعه وثبت قائماً يصلي ،ثم عاد له بالثالثة فنزعه ثم ركع وسجد ،وأهب صاحبه ( أيقظه ) قائلاً : أجلس فقد أثبت ،قال فوثب فلما رآهما الرجل عرف أن قد نُذر به ( أي اكتشف أمره ) فهرب ،ولما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء قال : سبحان الله ، أفلا أيقظتني أول ما رماك قال : كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها .فلما ثابر علي الرمي ركعت فآذنتك .و ايم الله ،لولا أن أضيع ثغراً أمرني رسول الله بحفظه ، لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها }
خامساً : - روى البخاري ومسلم ،وابن سعد في طبقاته ،وابن هشام في سيرة عن جابر بن عبد الله قال :
{ خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة ذات الرقاع على جمل لي ضعيف ، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلت الرفاق تمضي ، وجعلت أتخلف حتى أدركني رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال :مالك يا جابر ؟قلت : يا رسول الله أبطأ بي جملي هذا .قال : أنخه .فأنخته وأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : أعطني هذه العصا من يدك ،ففعلت ، فأخذها فنخسه بها نخسات ثم قال : أركب ،فركبت
فخرج - والذي بعثه بالحق - يواهق ( أي يسابق ) ناقته مواهقة .
وتحدثت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي : أتبيعني جملك هذا يا جابر ؟
قلت : يا رسول الله ،بل أهبه لك ، قال : لا ولكن بعنيه ، قلت : فسُمنيه يا رسول الله قال : أخذه بدرهم ! قلت : لا ، إذن تغبنني يا رسول الله قال : فبدرهمين ؟قلت : لا ، فلم يزل يرفع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمنه حتى بلغ الأوقية .فقلت : أفقد رضيت يا رسول الله ؟ قال نعم قلت : فهو لك ، قال : قد أخذته ...ثم قال : يا جابر هل تزوجت بعد ؟ قلت نعم يا رسول الله ، قال أثيباً أم بكراً ؟ قلت : لا ، بل ثيّباً ، قال : أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك ؟ قلت : يا رسول الله إن أبي أصيب يوم أُحد وترك له بنات سبعاً ، فنكحت امرأة جامعة ، تجمع رؤوسهن وتقوم عليهن . قال : أصبت إن شاء الله ، أما إنا لو جئنا صراراً ( اسم مكان في ضاحية المدينة ) أمرنا بجزور فنُحرت ، وأقمنا عليها يومنا ذاك ، وسمعت بنا فنفضت نمارقها ، فقلت : والله يا رسول الله مالنا من نمارق ! . قال : إنها ستكون ،فإذا أنت قدمت فاعمل عملاً كيًساً .
قال جابر : فلما جئنا صراراً ، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بجزور فنُحر ، وأقمنا عليها ذلك اليوم ،فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم
دخل ودخلنا المدينة .
قال جابر : فلما أصبحتُ أخذت برأس الجمل ،فأقبلت به حتى أنخته على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم ،ثم جلست في المسجد قريباً منه ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى الجمل فقال : ما هذا ؟ قالوا :يا رسول الله هذا جمل جاء به جابر ، قال : فأين جابر ؟فدُعيتُ له فقال : يا ابن أخي ، جُذ برأس جملك فهو لك .ودعا بلالاً فقال له :اذهب بجابر فأعطه أوقية ،فذهبت معه فأعطاني أوقية وزادني شيئاً يسيراً ، فوالله مازال ينمو عندي ويُرى مكانه من بيتنا ) .
العظات والعبر: -
تحقيق من تاريخ هذه الغزوة :
اتفق علماء المغازي والسّير ،كما أسلفنا ،على أن غزوة ذات الرقاع كانت قبل خيبر . ثم رجّح معظمهم أنها كانت بعد غزوة بني النّضير في العام الرابع للهجرة . وذهب بعضهم كابن سعد وابن حبّان إلى أنهافي العام الخامس .
غير أن الإمام البخاري نصّ في صحيحه على أنها كانت بعد خيبر ، ولكنها مع ذلك جاءت في ترتيب كتابه قبلها !.. ورجح الحافظ ابن حجر ما ذهب إليه البخاري مستدلاً بأن صلاة الخوف كانت مشروعة في ذات الرقاع مع أنه لم يصلّها في الخندق وقد فاتته فصلاها قضاءّ ، كما استدل بما روي في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري يصف كيف نقبت أقدامهم في ذات الرقاع حتى لفوا عليها الخرق فلذلك سميت بذات الرقاع وأبو موسى الأشعري لم يعد من الحبشة إلا بعد غزوة ذات الرقاع ربما كانت بعد غزوة الخندق .
قلت :بل يتعين أن تكون غزوة ذات الرقاع هذه قبلها ،إذ ثبت في الصحيح أن جابراً رضي الله عنه استأذن الرسول إلى بيته في غزوة الخندق وأخبر امرأته بما رأى من جوع رسول الله صلى الله عليه وسلم ،وفيه قصة الطعام الذي دعا إليه النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وفيه أنه صلى الله عليه وسلم قال لزوجة جابر : ( كلُي هذا واهدي فإن الناس أصابتهم مجاعة ) . وثبت في الصحيحين أيضاً أن الرسول الله صلى الله عليه وسلم
سأل جابراً في غزوة ذات الرقاع : ( هل تزوجت بعد ؟ قال : نعم يا رسول الله ) .. الحديث وقد مّر مفصّلاً . أي فلم يكن قد علم النّبي صلى الله عليه وسلم بعدُ شيئاً عن زواجه .
فهذا يدل دلالة واضحة على أن ذات الرقاع كانت قبل الأحزاب فضلاً عن خيبر .
ولم أرَ من استدلّ بهذا على تأخر الأحزاب عن ذات الرقاع ، ممن قال بذلك ،ولا من أجاب عنه ممن قال بعكسه ، ولكنه على كل حال ، دليل يكاد يكون قاطعاً على ما نقول .
أما ،ما استدل به الحافظ ابن حجر من أنه صلى الله عليه وسلم لم يصلّ صلاة الخوف في الأحزاب وصلاها قضاء فيجاب عنه بأنه ربما كان سبب تأخير الرسول صلى الله عليه وسلم لها إذ ذاك ،استمرار الرمي بين المشركين والمسلمين بحيث لم يدع مجالاً للانصراف إلى الصلاة ،وربما كان العدو في جهة القبلة وصلاة الخوف التي صُليت في ذات الرقاع كان العدو فيها في غير جهة القبلة كما قد رأيت ،أو ربما أخّرها لبيان مشروعية قضاء الفائتة كيفما كانت .كما يجاب عن استدلاله بحديث أني موسى الأشعري بما ذكره كثير من علماء السَّير والمغازي من أن أبا موسى الأشعري إنما قصد بها غزوة أخرى سميت هي أيضاً بذات الرقاع .
بدليل أنه قال عنها : (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه ) إلخ . وغزوة ذات الرقاع التي نتحدث عنها كان عدد المسلمين فيها أكثر من ذلك .
وقد حاول الحافظ ابن حجر رحمه الله أن يردّ على هذا الكلام ولكن ليس ثمة داع إلى ذلك ،خصوصاً وقد ثبت الدليل القاطع على ما ذهب إليه علما المغازي ،مما ذكرناه من حديث جابر في كل من الغزوتين .
هذا وسنفصلّ الحديث عن تأخير النبي عليه الصلاة والسلام الصلاة عن وقتها يوم الخندق وما يتعلق به من المسائل والأحكام ، في مناسبته إن شاء الله .
ثم إن هذه الغزوة لم يشتبك فيها المسلمون مع أحَد من المشركين بقتال ، كما رأيت من استعراض خلاصتها ، ولكنها مع ذلك تنطوي على مشاهد ذات دلالات هامة يجب دراستها والاعتبار بها . ولقد ذكرنا منها خمسة مشاهد هي خلاصة أحداثها ، فلنذكر ما يمكن أن يفهم من كل واحد منها
أولاً : فيما رواه الشيخان عن أبي موسى الأشعري في بيان سبب تسمية هذه الغزوة أو غيرها ، كما قلنا ، بذات الرقاع صورة واضحة عن ما كان يتحمله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قي تبليغ رسالة ربّهم والجهاد في سبيله . لقد أوضحت الصورة أنهم كانوا فقراء لا يجدون حتى الظهر الذي يمتطونه لجهادهم وغزواتهم ،فالستة أو السبعة يتبادلون ركوب بعير واحد في قطع مسلفة بعيدة شاقة ، ولكن الفقر لم يستطع مع ذلك أن يعوقهم عن أداء رسالتهم ،رسالة الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله . فقد تحملوا في سبيل ذلك كل النتائج وكل ألوان المحن ... نقبت أقدامهم من طول سيرها على الوعثاء والقتاد ، وتساقطت أظافرهم مما اصطدمت بالحجارة والصخور ، وتعرّت أقدامهم فلم يجدوا إلا الخرَق يلفونها عليها الواحدة فوق الأخرى !!.. ومع ذلك فما ضعُفوا وما استكانوا واستهانوا بكل ذلك في جنب عظم المسؤولية الإلهية الملقاة على أعناقهم منذ أن أصبحوا مسلمين، فقد كانوا يمتثلون قول الله تعالى :
{ إن اللهَ اشْتَرَى منَ المؤمنينَ أنفُسَهُمْ وأموالَهُمْ بأنّ لّهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتلُونَ في
سَبيل الله فيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ } التوبة .
ثم إنك ترى أن ترى أبا موسى الأشعري رضي الله عنه ،كره من نفسه أن أباح بهذا الخبر بعد أن أفلت من فمه ،عندما سألوه عن سبب تسمية هذه الغزوة بذات الرقاع - وإنما كره ذلك وندم عليه أنه أفشا شيئاً من عمله الذي احتسب أجره عند الله تعالى .
وهذا يدل - كما يقول الإمام النووي ،على أنه يستحب للمسلم أن يخفي أعماله الصالحة وما قد يكابده من المشاق في طاعة الله تعالى ،وأم لا يتعمد إظهار شيء من ذلك إلا لمصلحة ،مثل بيان حكم ذلك الشيء والتنبيه على الاقتداء به ونحو ذلك .وعلى مثل هذا يحمل ما وجد السلف من الإخبار ببعض أعمالهم .
ثانياً : - الطريقة التي صلى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة مع أصحابه في هذه الغزوة هي الأساس الذي قامت عليه مشروعية صلاة الخوف .
ولصلاة الخوف كيفيتان ، إحداهما خاصة بأن يكون العدو في الجهة القبلة والثانية خاصة بأن يكون العدو في غير جهتها ، والكيفية الثانية هي التي صلى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع .فقد حان وقت الصلاة ،وأشتات العدو من حول المسلمين في أكثر من جهة القبلة وحدها ، ويخشى أنهم يراقبون المسلمين من بعد ،حتى إذا رأوهم أدبروا عنهم جميعاً وانشغلوا بصلاتهم غدروا بهم وانحطوا فيهم بسيوفهم.
فبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم مع فرقة من أصحابه ، وإخوانهم يراقبون العدو في جهاته المختلفة ، حتى إذا أتم الرسول صلى الله عليه وسلم من صلاته نصفها ،أي ركعة واحدة ،فارقه من كانوا يصلون خلفه وأسرعوا فأتموا الركعة الثانية وحدهم ،والرسول واقف في صدر ركعته الثانية.ثم ذهبوا ليرابطوا مكان إخوانهم ، حيث جاء هؤلاء فاقتدوا به صلى الله عليه وسلم فصلى بهم الركعة الثانية التي بقيت من صلاته .ثم
قاموا فأتموا وحدهم الركعة الثانية والنبي صلى الله عليه وسلم ينتظرهم جالساً ، ثم سلموا معه .
والذي اقتضي هذه الكيفية من الصلاة مع إمكان أدائهم الصلاة بجماعتين
سببان اثنان :
أولاً : قصد اجتماعهم كلهم على الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم
وتلك فضيلة لا يصار إلى غير ها عند إمكان تحقيقها .
الثاني :- استحباب وحدة الجماعة قدر الإمكان ، فتجزئة القوم أنفسهم إلى عدة جماعات تتوالى لأداء فريضة من الفرائض مكروه بدون ضرورة .
ولم يلاحظ السادة الحنفية إلا السبب الأول لها ، ولذلك ذهبوا إلى أنه لا مسوغ لبقاء مشروعيتها بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم .
ثالثاً : - قصة المشرك الذي أخذ سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نائم تحت الشجرة ....إلخ
قصة ثابتة صحيحة كما رأيت ، وهي تكشف عن مدى رعاية الباري جل جلاله وحفظه لنبيه صلى الله عليه وسلم ،ثم هي تزيدك يقيناً بالخوارق التي أخضعها الله جل جلاله له عليه الصلاة والسلام مما يزيدك تبصراً ويقيناً بشخصيته النبوية ، فقد كان من السهل الطبيعي بالنسبة لذلك المشرك - وقد أخذ السيف ورفعه فوق النبي صلى الله عليه وسلم وهو أعزل في غفلة النوم - أن يهوي به عليه فيقتله ، وإنك لتلمس من ذلك المشرك هذا الاعتداد بنفسه والزهو بالفرصة الذهبية التي أمكنته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ،في قوله : من يمنعك مني ّ؟ !
فما الذي طرأ بعد ذلك حتى عاقه عن القتل ؟ ....إن الذي طرأ هو ما لم يكن في حساب المشرك وتقديره ، ألا وهو عناية الله وحفظه لرسوله ، فقد كانت العناية الإلهية كافية لأن تملأ قلب المشرك بالرعب وأن تقذف في ساعديه تياراً من الرجفة ، فيسقط من يده السيف ثم يجلس متأدباً مطرقاً بين يدي رسول الله .
وأهم ما يجب أن تعلمه من هذه الحادثة أن هذا هو مصداق قوله تعالى :
{ والله يعصمك من النّاس } المائدة .
فليست العصمة المقصودة في الآية ، أن لا يتعرض لأذى أو محنة من قومه ، إذ تلك هي سنة الله في عباده كما قد علمت .وإنما المراد من العصمة أن لا تطول إليه أي يد تحاول اغتياله وقتله لتُغتال فيه الدعوة الإسلامية التي بُعث لتبليغها.
رابعاً : - إنما ذكرنا قصة جابر بن عبدالله وما كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من المحادثة في طريق عودتهما إلى المدينة ، مع أنها لا تتعلق بشيء من أمر الغزوة لما فيها من الصورة الكاملة الدقيقة لخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه ،وما انطوى عليه خلقه الكريم هذا من لطف في المعاشرة ورقة في الحديث وفكاهة في المحاورة ومحبة شديدة لأصحابه.
فإذا تأملنا جيداً في هذه القصة التي سردناها ، علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان متأثراً بالمحنة التي طافت على بيت جابر بن عبد الله .
فقد استشهد والده في أُحد ، فقام هو - وهو أكبر أولاد أبيه - على شأن الأسرة ورعاية الأطفال الكثيرين الذين خلّفهم له والده من ورائه ، وهو على ذلك رقيق الحال ليس له نصيب وافر من الدنيا .
وكأنما استشعر رسول الله صلى الله عليه وسلم في تأخر جابر عن القوم بسبب جمله الضعيف الذي لا يملك غيره ، مظهراً لحالته العامة هذه ( وقد كان من عادته صلى الله عليه وسلم إذا سار مع صحبه في طريق ، أن يتفقد أصحابه كلهم ويطمأن عليهم بين فترة وأخرى ) ، فانتهزها فرصة وتخلف حتى التقى معه وراح يواسيه بأسلوبه الرقيق الفكه الذي رأيت ،في طريق ليس معهما ثالث .
عرض عليه صلى الله عليه وسلم شراء بعيره وهو إنما يريد أن يجعل من ذلك ذريعة ومناسبة لإكرامه ومساعدته على وضعه الذي هو فيه ، ثم سأله عن الزوجة والبيت ،في أسلوب فكه رقيق ،وراح يُطمئن الزوج الجديد ، أنهم إذا وصلوا قريباً من المدينة أقاموا ساعات هناك ،
حتى يتسامع أهل المدينة بمقدمهم ،فتسمع زوجته ،فتصلح له من شأنها ،
وتهيء له البيت بزينته ونمارقه . وينساق معه جابر في الأسلوب نفسه فيقول : (والله يارسول الله مالنا من نمارق! ) فيجيبه عليه الصلاة والسلام قائلاً : ( إنها ستكون )
صورة رائعة ، عن لطف معشره ،وأنس حديثه ،والفكاهة الحلوة في محاورته لأصحابه ،لم يكتب لنا أن نراها ونسعد بها في مجالسه صلى الله عليه وسلم وغزواته وأسفاره ، ولكن ها نحن نستشفها من سيرته وأخباره العطرة فيهزنا الشوق إلى رؤيته التي حُرمناها ومجالسه التي سمعنا بها ولم نرها ، وغزواته التي قرأناها ولم يكن لنا شرف الاشتراك فيها ، اللهم عوضنا عن ذلك كله بلقاء معه في جنان خلدك ،وهيئنا لذلك بتوفيق من لدنك للتمسك بهديه واقتفاء أثره في تحمل كل محنه وضيم
في سبيل دينك وتحقيق شريعتك .
خامساً : - لا بّد من أن يقف المسلم وقفة متأملة طويلة ، أمام خبر ذلك الصحابيين وهما يقومان على الثغر الذي أمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بحراسته ،ليعلم طبيعة الجهاد الإسلامي وكيف كان يمارسه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .
لم يكن الجهاد عملاً حركياً يقوم على أساس المقاومة المجردة - ولم يتصور واحد من أولئك المسلمين هذه الصورة الشوهاء له ولا في لحظة واحدة .
إنما الجهاد - كما علّمه الرسول أصحابه وكما فهمه الصحابة منه - عبادة كبرى يتعلق فيها كيان المسلم كلّه بخالقه جلّ جلاله خاشعاً مستغيثاً متبتلاً
وما ساعة يكون فيها المؤمن أقرب إلى ربّه جلّ جلاله من تلك الساعة التي يستدبر فيها الدنيا ويستقبل بوجهه شطر الموت والاستشهاد.
ولذلك ، كان من الطبيعي جداً بالنسبة لذلك الأنصاري (عباد بن بشر )رضي الله عنه ، أن يشغل شطر حراسته من الليل بركعات خاشعة يقف فيها بين يدي ربّه جلّ جلاله ،وقد انصرفت مشاعره كلها إلى مناجاته بآيات من كتابه الكريم .
وكان من الطبيعي جداً أن لا يبالي بذلك السهم الذي أسرع فانحطّ في جسمه، ولا بالسهم الثاني الذي تبعه ،لأن بشريته كلها إنما كانت في تلك الساعة مطويّة ضمن مشاعره المنصرفة إلى ربّه جلّ جلاله وقد غمرتها لذة المناجاة بين العبد وخالقه.
ولما ارتد شعوره إليه وأخذ يهتم بما قد أصابه ،ولم يكن ذلك لمزيد من الألم بدأ يشعر به ، وإنما للمسؤولية المنوطة به مخافة أن يضيعها بضياع حياته واستمرار سكوته. فكان ذلك هو الذي اضطره إلى أن يلتفت فيوقظ صاحبه ليستلم منه أمانة الثغر الذي أنيط بهما حفظه.
وتأمل يا أخي المسلم في قوله رضي الله عنه : { لولا أن أضيع ثغراً أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه ، لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها} ( أي الصلاة )
تلك هي طبيعة الجهاد الذي تكفل الله لأربابه بالنصر والفوز ، مهما كانت القوى المتألبة عليهم المتجمعة حولهم .
فقارن - ليتقطع منك الكبد حسرة وأسى - بين ذلك الجهاد و ( الجهاد ) الآخر الذي نفخر باسمه وشعاراته اليوم .
قارن - لتقف على مدى عدالة الله في الأرض ، ولتعلم أن الله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون ..
ثم ارفع يديك إلى السماء متوسلاً أن لا يهلكنا الله بما فعل المبطلون ، واجهد أن تسكب قطرات حارة من دمع عينيك فيهما .فلعل في ذل العبودية إذ نتسربل به صادقين أمام الله ، ما يردّ عنا نقمة حقت علينا بتقصيرنا وما جنيناه من سيء الأعمال على نفوسنا ......
**************************