aldps61
03-19-2009, 08:58 PM
أولاً -- يوم الرجيع( في السنة الثالثة )
قدم وفد من قبائل عُضل والقارة على رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر أن أخبار الإسلام قد وصلتهم وأنهم بحاجة إلى من يعلمهم شؤون هذا الدين ،فبعث الرسول صلى الله عليه وسلم نفراً من أصحابه ،وفيهم مرثد بن أبي ،وخالد بن البكير ،وعاصم بن ثابت ،وخبيب بن عدي ،وزيد بن الدثنة وعبدالله بن طارق
وأمرّ عليهم عاصم بن ثابت .
روى البخاري بسنده عن أبي هريرة قال : { فانطلقوا حتى إذا كانوا بين عسفان ومكة - ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان ، فتبعوهم بقريب من مئة رام، فاقتصوا آثارهم ، حتى أتوا منزلاً نزلوه فوجدوا فيه نوى تمر تزودوه من المدينة
فقالوا : هذا تمر يثرب - فتبعوا آثارهم حتى لحقوهم فلما انتهى عاصم وأصحابه
لجؤوا إلى فدفد ، وجاء القوم فأحاطوا بهم فقالوا : لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل رجلاً .فقال عاصم : أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر ، اللهم أخبر عنا نبيك ، فقاتلوهم حتى قتلوا عاصماً في سبعة نفر بالنبل وبقي خبيب وزيد ورجل آخر ، فأعطوهم العهد والميثاق.
فلما أعطوهم العهد والميثاق نزلوا إليهم فلما استمكنوا منهم حلوا أوتار قسيهم
فربطوهم بها فقال الرجل الثالث الذي معهما : هذا أول الغدر ، فأبى أن يصحبهم
فجرروه وعالجوه ،على أن يصحبهم ،فلم يفعل فقتلوه .
وانطلقوا بخبيب وزيد حتى باعوهما بمكة : فاشترى خبيباً بنو الحارث ،وكان خبيب هو الذي قتل الحارث يوم بدر ،فمكث عندهم أسيراً حتى إذا أجمعوا قتله
استعار موسى من بعض بنات الحارث ليستحدّ بها . قالت : فغفلت عن صبيّ لي
فدرج إليه حتى أتاه ،فأجلسه على فخذه ،فلما رأيته فزعت فزعة عرف ذاك مني،
وفي يده الموسى .فقال : أتخشين أن أقتله ؟ ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله تعالى
وكانت تقول : ما رأيت أسيراً قط خيراً من خبيب ، لقد رأيته يأكل من قطف عنب
وما بمكة يومئذ ثمرة ، وإنه لموثق بالحديد ، وما كان إلا رزق رزقه الله .
فخرجوا به من الحرم ليقتلوه ، فقال : دعوني أصلي ركعتين ,ثم انصرف إليهم فقال : لولا أن تروا أن ما بي جزع من الموت لزدت - فكان أول من سنّ الركعتين قبل القتل .ثم قال:
ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي شق كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع
ثم قام إليه عقبة بن الحارث فقتله . وبعثت قريش إلى عاصم ليأتوا بشيء من جسده يعرفونه ،وكان عاصم قتل عظيماً من عظمائهم يوم بدر فبعث الله عليه مثل المظلة من الدّبُر ،فحمته من رسلهم فلم يقدروا منه على شيء } صحيح البخاري..
وزاد الطبري فروى عن أبي كريب قال : { حدثنا جعفر بن عون عن إبراهيم بن إسماعيل قال : وأخبرني جعفر بن عمرو بن أمية عن أبيه عن جده ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه وحده عيناً إلى قريش ،قال : فجئت إلى خشبة خبيب وأنا أتخوف العيون ، فرقيت فيها فحللت خبيباً فوقع إلى الأرض ،فانتبذت غير بعيد ، ثم التفت فلم أر لخبيب رمة فكأنما الأرض ابتلعته ، فلم تُذكر لخبيب رمة حتى الساعة }.
قال ابن إسحاق : { وأما زيد فابتاعه صفوان بن أمية ،فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه ، قال له أبو سفيان : أنشدك بالله يا زيد أتحب أن محمداً الآن عندنا مكانك ، نضرب عنقه وأنك في أهلك ؟ قال : والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي ! فقال أبو سفيان : ما رأيت من الناس أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً } -( انظر سيرة ابن هشام ) .
ثانياً- بئر معونة ( في السنة الرابعة )
قدم عامر بن مالك المشهور بلقب ( ملاعب الأسنة ) على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعرض عليه الإسلام ،ولكنه لم يسلم ولم يظهر تجنباً عن الإسلام ، بل قال : { يا محمد ،لو بعثت رجالاً من أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك،
رجوت أن يستجيبوا لك 0 فقال عليه الصلاة والسلام : إني أخشى عليهم أهل نجد قال عامر : أنا لهم جار فابعثهم فليدعوا إلى أمرك .
فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين رجلاً من أصحابه من خيار المسلمين وكان ذلك على ما رواه ابن إسحاق وابن كثير في صفر على رأس أربعة أشهر من غزوة أحُد .فساروا حتى نزلوا ببئر معونة ،فلما نزلوها بعثوا أحدهم ( حرام بن ملحان ) بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عامر بن الطفيل ، فلما أتاه لم ينظر في كتابه ،وعدا عليه فقتله .
روى البخاري عن أنس بن مالك - أن حرام بن ملحان لما طُعن وانتضح الدم في وجهه صاح : فزت ورب الكعبة -
ثم استصرخ عامر بن الطفيل بني عامر يستعديهم على بقية الدعاة فأبوا أن يجيبوه وقالوا : لن نخفر أبا براء ( عامر بن مالك ) فاستصرخ عليهم قبائل من سليم من عُصيّة ورعل و ذكوان فأجابوه ، وانطلقوا فأحاطوا بالقوم في رحالهم ،فلما رأوهم أخذوا سيوفهم وقاتلوهم ، فقُتل المسلمون عن آخرهم.
وكان في سرح الدعاة اثنان لم يشهدا هذه الموقعة الغادرة ، أحدهما (عمرو بن أمية الضمري ) ولم يعرف النبأ إلا فيما بعد - فأقبلا يدافعان عن إخوانهما فقُتل زميله معهم ، وأفلت هو فرجع إلى المدينة .وفي الطريق لقي رجلين من المشركين ظنهما من بني عامر فقتلهما ، ثم تبين لما وصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم و أخبره الخبر أنهما من بني كلاب وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد أجارهما .فقال عليه الصلاة والسلام : لقد قتلت قتيلين لأدينهما.
وتأثر النبي صلى الله عليه وسلم لمقتل هؤلاء الدعاة الصالحين من أصحابه ، وبقي شهراً يقنت في صلاة الصبح يدعو على قبائل سليم : رعل و ذكوان و بني لحيان وعُصيّة }.( سيرة ابن هشام )
العظات والعبر
في هاتين الحادثتين المؤثرتين دلالات هامة نجملها فيما يلي :
أولاً : يدل كل من حادثة الرجيع وبئر معونة على اشتراك المسلمين كلهم في مسؤولية الدعوة إلى الإسلام وتبصير الناس بحقيقته وأحكامه . فليس أمر الدعوة موكولاً إلى الأنبياء والرسل وحدهم أو إلى خلفائهم والعلماء دون غيرهم .
وإنك لتستشعر مدى أهمية القيام بواجب هذه الدعوة ، من إرسال النبي صلى الله عليه وسلم أولئك القراء الذين بلغت عدتهم سبعين شاباً من خيرة أصحابه صلى الله عليه وسلم ، ولما يمض أمد طويل على مقتل أولئك النفر الستة الذين كان قد بعثهم في ذلك السبيل نفسه ..ولقد استشعر الخوف عليهم ، وذكر ذلك لعامر بن مالك عندما اقترح عليه إرسال وفد لدعوة الناس إلى الدين ولكنه كان يرى أن القيام بأعباء التبليغ أهم من كل شيء ، ولئن لم يمكن تحمل مسؤولية الدعوة والنهوض بها إلا بمثل هذه المغامرة وقبول ما قد ينج عنها ، فلتكن المغامرة ، وليكن ما أراد الله تعالى في سبيل القيام بأمره وتبليغ دعوته .
ثانياً : كنا قد قلنا في ما مضى ،أنه لا يجوز للمسلم المقام في دار الكفر أو الحرب إن لم يمكنه إظهار دينه ، ويكره له ذلك إن أمكنه إظهار دينه والذي يدل عليه هذا المشهد من سيرته صلى الله عليه وسلم أنه يستثنى من ذلك ماإذا كان مقام المسلم في دار الكفر ابتغاء القيام بواجب الدعوة الإسلامية هناك ، فذلك من أنواع الجهاد الذي تتعلق مسؤوليته بالمسلمين كلهم على أساس فرض الكفاية الذي إن قام به البعض قياماً تاماً سقطت مسؤولية عن الباقين ، وإلا اشتركوا كلهم في المأثم
ثالثاً : إذا تجاوزنا ما ينطوي عليه كل من حادثتي الرجيع وبئر معونة من دلالة واضحة على مدى ما كانت تفيض به أفئدة المشركين من غل وحقد على المؤمنين ، حتى أنهم ارتضوا لأنفسهم أحط مظاهر الخيانة والغدر ابتغاء إطفاء غليل أحقادهم على المسلمين - أقول إذا تجاوزنا ذلك - وقفنا على صورة رائعة لعكس هذه الطبيعة تماماً لدى أولئك المسلمين الذين راحوا ضحية تلك الخيانة والأحقاد . فقد رأيت كيف حبس خبيب رضي الله أسيراً في بيت بني الحارث في انتظار ساعة قتله ، وكان قد استعار شفرة ليصلح بها شأنه ويتطهر استعداداً للموت وفي البيت طفل صغير راح يدرج نحوه في غفلة من أمه. ولقد كانت هذه اللحظة ، ففي حساب من يتعلق بالحياة ويفكر في الانتقام ، فرصة رائعة لمساومة أو غدر في مقابل غدر .ولقد كان هذا هو حساب أهل البيت كلهم ،فما إن انتبهت أم الطفل إلى انصرافه نحو خبيب حتى هبت مذعورة لتخلصه من براثن موت مؤكد !. ولكنها وقفت مندهشة عندما رأت طفلها وقد أجلسه خبيب
في حجره يلاطفه كأنه أب شفوق ! ..ونظر إليها وقد ألم بما في نفسها من الخوف ،وقال لها في هدوء المؤمن الحليم : ( أتخشين أن أقتله ؟ ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله ).
فانظر إلى معجزة التربية الإسلامية للإنسان !. خبيب هذا ، وأولئك المشركون الحاقدون الذين راحوا يصنعون له الموت ظلماً وعدواناً ، عرب أنبتتهم أرض واحدة وأظلتهم طبائع وتقاليد واحدة ، ولكن خبيباً اعتنق الإسلام فأخرجه الإسلام إنساناً أخر ، وأولئك عكفوا على ضلالاتهم ، فحسبتهم ضلالاتهم في طبائعهم المتوحشة الغادرة ، فما أعظم ما يفعله الإسلام في الطبيعة الإنسانية من تغيير وتحويل ! ......
رابعاً : - يستدل مما سبق أن للأسير في يد العدو أن يمتنع من قبول الأمان ، ولا يمكّن من نفسه ولو قُتل ، ترفعاً عن أن يجري عليه حكم كافر ، كما فعل عاصم.
فإن أراد الترخص ، فله أن يستأمن ،مترقباً الفرصة مؤ ملاً الخلاص كما فعل خبيب وزيد .
ولكن لو قدر الأسير على الهرب لزمه ذلك في الأصح ، وإن أمكنه إظهار دينه بينهم ،لأن الأسير في يد الكفار مقهور مهان ، فكان من الواجب عليه تخليص نفسه من هوان الأسر ورقه( انظر نهاية المحتاج للرملي ) .
خامساً : - إذا تأملنا في جواب زيد بن الدثنة لأبي سفيان ، قبيل قتله ،علمنا مدى المحبة التي تنطوي عليها أفئدة الصحابة لرسولهم صلى الله عليه وسلم ، ولا ريب أن هذه المحبة من أهم الأسباب التي حببت إلى قلوبهم كل تضحية وبذل في سبيل دين الله تعالى والدفاع عن رسوله .ومهما بلغ المسلم في إيمانه - فإنه بدون مثل هذه المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعتبر ناقص الإيمان .
وإنها لحقيقة صرح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال : { لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين } متفق عليه.
سادساً :- دل ما ذكرناه من أمر خبيب أيام كان أسيراً في مكة ، أن كل ما أمكن أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي ، مع فارق أساسي لابدّ منه -
وهو أن معجزة النبي تكون مقرونة بالتحدي ودعوة النبوة ، أما كرامة الأولياء والصالحين فتأتي عفواً دون أن تقترن بأي نوع من التحدي . وهذا ما جرى عليه جمهور أهل السنة والجماعة .ولا أدلّ عليه من هذا الذي أكرم الله به خبيباً
قبيل قتله ، وهو ثابت كما رأيت في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره.
سابعاً : - قد يتساءل البعض : فما الحكمة في تمكين يد الغدر من هؤلاء الفتية المؤمنين الذي لم يخرجوا إلا استجابة لأمر الله ورسوله ؟ وهلا مكّنهم الله من أعدائهم ليتغلبوا عليهم ؟
والجواب هو : ما كنا قلناه فيما مضى ،من أن الله تعالى تعبّد عباده بتحقيق أمرين اثنين : إقامة المجتمع الإسلامي ، والسعي إلى ذلك في طريق شائكة عير معبّده والحكمة من ذلك أن تتحقق عبودية الإنسان الله تعالى ، وأن يمحّص الصادقون عن المنافقين - وأن يتخذ الله منهم شهداء ، وأن يتجلى المعني التنفيذي للمبايعة التي جرت بين الله وعباده المؤمنين والتي صرح بها قوله تعالى : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويُقتلون..) التوبة ...
وأي معنى كان يبقى للتوقع على صك هذه المعاهدة - لو أن كل ما جاء في مضمونها وهم لا يتحقق ؟ّ! .. بل وأي قيمة تبقى حينئذ لهذا التوقيع حتى يحرز به صاحبه الجنة والسعادة الأبدية الخالدة ..
والمشكلة في أساسها ، إنما تطوف في رأس من قدر هذه الحياة العاجلة أكثر من قدرها الحقيقي وأولاها أكثر مما تستحق من الاهتمام ، وضعف تعلقه في المقابل بالحياة الآخرة وشأنها . وتلك هي آية عدم الإيمان بالله تعالى أو ضعفه في النفس . ومثل هؤلاء الناس لا ينتظر منهم أن يغامروا بروح ولا مال .
أما المؤمنون حقاً فالمشكلة غير متصورة لديهم من أساسها - فلذة الحياة الدنيا في يقينهم ، أقل شأناً من أن تحبس المسلم عن أداء أصغر طاعة يتقرب بها إلى خالقه - وما التضحية بالروح في يقينهم إلا الانطلاقة من سجن الدنيا إلى نعيم الآخرة ، وأنعم بها من غاية هي كل أمل المسلم في حياته التي يعيشها .
وهذا الشعور يتجلى بأوضح صورة في الأبيات التي قالها خبيب عند مقتله ،
وخاصة في آخر بيت منها وهو قوله :
ولست بمبد للعدو تخشعاً ولا جزعاً إني إلى الله مرجعي
قدم وفد من قبائل عُضل والقارة على رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر أن أخبار الإسلام قد وصلتهم وأنهم بحاجة إلى من يعلمهم شؤون هذا الدين ،فبعث الرسول صلى الله عليه وسلم نفراً من أصحابه ،وفيهم مرثد بن أبي ،وخالد بن البكير ،وعاصم بن ثابت ،وخبيب بن عدي ،وزيد بن الدثنة وعبدالله بن طارق
وأمرّ عليهم عاصم بن ثابت .
روى البخاري بسنده عن أبي هريرة قال : { فانطلقوا حتى إذا كانوا بين عسفان ومكة - ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان ، فتبعوهم بقريب من مئة رام، فاقتصوا آثارهم ، حتى أتوا منزلاً نزلوه فوجدوا فيه نوى تمر تزودوه من المدينة
فقالوا : هذا تمر يثرب - فتبعوا آثارهم حتى لحقوهم فلما انتهى عاصم وأصحابه
لجؤوا إلى فدفد ، وجاء القوم فأحاطوا بهم فقالوا : لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل رجلاً .فقال عاصم : أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر ، اللهم أخبر عنا نبيك ، فقاتلوهم حتى قتلوا عاصماً في سبعة نفر بالنبل وبقي خبيب وزيد ورجل آخر ، فأعطوهم العهد والميثاق.
فلما أعطوهم العهد والميثاق نزلوا إليهم فلما استمكنوا منهم حلوا أوتار قسيهم
فربطوهم بها فقال الرجل الثالث الذي معهما : هذا أول الغدر ، فأبى أن يصحبهم
فجرروه وعالجوه ،على أن يصحبهم ،فلم يفعل فقتلوه .
وانطلقوا بخبيب وزيد حتى باعوهما بمكة : فاشترى خبيباً بنو الحارث ،وكان خبيب هو الذي قتل الحارث يوم بدر ،فمكث عندهم أسيراً حتى إذا أجمعوا قتله
استعار موسى من بعض بنات الحارث ليستحدّ بها . قالت : فغفلت عن صبيّ لي
فدرج إليه حتى أتاه ،فأجلسه على فخذه ،فلما رأيته فزعت فزعة عرف ذاك مني،
وفي يده الموسى .فقال : أتخشين أن أقتله ؟ ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله تعالى
وكانت تقول : ما رأيت أسيراً قط خيراً من خبيب ، لقد رأيته يأكل من قطف عنب
وما بمكة يومئذ ثمرة ، وإنه لموثق بالحديد ، وما كان إلا رزق رزقه الله .
فخرجوا به من الحرم ليقتلوه ، فقال : دعوني أصلي ركعتين ,ثم انصرف إليهم فقال : لولا أن تروا أن ما بي جزع من الموت لزدت - فكان أول من سنّ الركعتين قبل القتل .ثم قال:
ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي شق كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع
ثم قام إليه عقبة بن الحارث فقتله . وبعثت قريش إلى عاصم ليأتوا بشيء من جسده يعرفونه ،وكان عاصم قتل عظيماً من عظمائهم يوم بدر فبعث الله عليه مثل المظلة من الدّبُر ،فحمته من رسلهم فلم يقدروا منه على شيء } صحيح البخاري..
وزاد الطبري فروى عن أبي كريب قال : { حدثنا جعفر بن عون عن إبراهيم بن إسماعيل قال : وأخبرني جعفر بن عمرو بن أمية عن أبيه عن جده ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه وحده عيناً إلى قريش ،قال : فجئت إلى خشبة خبيب وأنا أتخوف العيون ، فرقيت فيها فحللت خبيباً فوقع إلى الأرض ،فانتبذت غير بعيد ، ثم التفت فلم أر لخبيب رمة فكأنما الأرض ابتلعته ، فلم تُذكر لخبيب رمة حتى الساعة }.
قال ابن إسحاق : { وأما زيد فابتاعه صفوان بن أمية ،فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه ، قال له أبو سفيان : أنشدك بالله يا زيد أتحب أن محمداً الآن عندنا مكانك ، نضرب عنقه وأنك في أهلك ؟ قال : والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي ! فقال أبو سفيان : ما رأيت من الناس أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً } -( انظر سيرة ابن هشام ) .
ثانياً- بئر معونة ( في السنة الرابعة )
قدم عامر بن مالك المشهور بلقب ( ملاعب الأسنة ) على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعرض عليه الإسلام ،ولكنه لم يسلم ولم يظهر تجنباً عن الإسلام ، بل قال : { يا محمد ،لو بعثت رجالاً من أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك،
رجوت أن يستجيبوا لك 0 فقال عليه الصلاة والسلام : إني أخشى عليهم أهل نجد قال عامر : أنا لهم جار فابعثهم فليدعوا إلى أمرك .
فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين رجلاً من أصحابه من خيار المسلمين وكان ذلك على ما رواه ابن إسحاق وابن كثير في صفر على رأس أربعة أشهر من غزوة أحُد .فساروا حتى نزلوا ببئر معونة ،فلما نزلوها بعثوا أحدهم ( حرام بن ملحان ) بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عامر بن الطفيل ، فلما أتاه لم ينظر في كتابه ،وعدا عليه فقتله .
روى البخاري عن أنس بن مالك - أن حرام بن ملحان لما طُعن وانتضح الدم في وجهه صاح : فزت ورب الكعبة -
ثم استصرخ عامر بن الطفيل بني عامر يستعديهم على بقية الدعاة فأبوا أن يجيبوه وقالوا : لن نخفر أبا براء ( عامر بن مالك ) فاستصرخ عليهم قبائل من سليم من عُصيّة ورعل و ذكوان فأجابوه ، وانطلقوا فأحاطوا بالقوم في رحالهم ،فلما رأوهم أخذوا سيوفهم وقاتلوهم ، فقُتل المسلمون عن آخرهم.
وكان في سرح الدعاة اثنان لم يشهدا هذه الموقعة الغادرة ، أحدهما (عمرو بن أمية الضمري ) ولم يعرف النبأ إلا فيما بعد - فأقبلا يدافعان عن إخوانهما فقُتل زميله معهم ، وأفلت هو فرجع إلى المدينة .وفي الطريق لقي رجلين من المشركين ظنهما من بني عامر فقتلهما ، ثم تبين لما وصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم و أخبره الخبر أنهما من بني كلاب وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد أجارهما .فقال عليه الصلاة والسلام : لقد قتلت قتيلين لأدينهما.
وتأثر النبي صلى الله عليه وسلم لمقتل هؤلاء الدعاة الصالحين من أصحابه ، وبقي شهراً يقنت في صلاة الصبح يدعو على قبائل سليم : رعل و ذكوان و بني لحيان وعُصيّة }.( سيرة ابن هشام )
العظات والعبر
في هاتين الحادثتين المؤثرتين دلالات هامة نجملها فيما يلي :
أولاً : يدل كل من حادثة الرجيع وبئر معونة على اشتراك المسلمين كلهم في مسؤولية الدعوة إلى الإسلام وتبصير الناس بحقيقته وأحكامه . فليس أمر الدعوة موكولاً إلى الأنبياء والرسل وحدهم أو إلى خلفائهم والعلماء دون غيرهم .
وإنك لتستشعر مدى أهمية القيام بواجب هذه الدعوة ، من إرسال النبي صلى الله عليه وسلم أولئك القراء الذين بلغت عدتهم سبعين شاباً من خيرة أصحابه صلى الله عليه وسلم ، ولما يمض أمد طويل على مقتل أولئك النفر الستة الذين كان قد بعثهم في ذلك السبيل نفسه ..ولقد استشعر الخوف عليهم ، وذكر ذلك لعامر بن مالك عندما اقترح عليه إرسال وفد لدعوة الناس إلى الدين ولكنه كان يرى أن القيام بأعباء التبليغ أهم من كل شيء ، ولئن لم يمكن تحمل مسؤولية الدعوة والنهوض بها إلا بمثل هذه المغامرة وقبول ما قد ينج عنها ، فلتكن المغامرة ، وليكن ما أراد الله تعالى في سبيل القيام بأمره وتبليغ دعوته .
ثانياً : كنا قد قلنا في ما مضى ،أنه لا يجوز للمسلم المقام في دار الكفر أو الحرب إن لم يمكنه إظهار دينه ، ويكره له ذلك إن أمكنه إظهار دينه والذي يدل عليه هذا المشهد من سيرته صلى الله عليه وسلم أنه يستثنى من ذلك ماإذا كان مقام المسلم في دار الكفر ابتغاء القيام بواجب الدعوة الإسلامية هناك ، فذلك من أنواع الجهاد الذي تتعلق مسؤوليته بالمسلمين كلهم على أساس فرض الكفاية الذي إن قام به البعض قياماً تاماً سقطت مسؤولية عن الباقين ، وإلا اشتركوا كلهم في المأثم
ثالثاً : إذا تجاوزنا ما ينطوي عليه كل من حادثتي الرجيع وبئر معونة من دلالة واضحة على مدى ما كانت تفيض به أفئدة المشركين من غل وحقد على المؤمنين ، حتى أنهم ارتضوا لأنفسهم أحط مظاهر الخيانة والغدر ابتغاء إطفاء غليل أحقادهم على المسلمين - أقول إذا تجاوزنا ذلك - وقفنا على صورة رائعة لعكس هذه الطبيعة تماماً لدى أولئك المسلمين الذين راحوا ضحية تلك الخيانة والأحقاد . فقد رأيت كيف حبس خبيب رضي الله أسيراً في بيت بني الحارث في انتظار ساعة قتله ، وكان قد استعار شفرة ليصلح بها شأنه ويتطهر استعداداً للموت وفي البيت طفل صغير راح يدرج نحوه في غفلة من أمه. ولقد كانت هذه اللحظة ، ففي حساب من يتعلق بالحياة ويفكر في الانتقام ، فرصة رائعة لمساومة أو غدر في مقابل غدر .ولقد كان هذا هو حساب أهل البيت كلهم ،فما إن انتبهت أم الطفل إلى انصرافه نحو خبيب حتى هبت مذعورة لتخلصه من براثن موت مؤكد !. ولكنها وقفت مندهشة عندما رأت طفلها وقد أجلسه خبيب
في حجره يلاطفه كأنه أب شفوق ! ..ونظر إليها وقد ألم بما في نفسها من الخوف ،وقال لها في هدوء المؤمن الحليم : ( أتخشين أن أقتله ؟ ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله ).
فانظر إلى معجزة التربية الإسلامية للإنسان !. خبيب هذا ، وأولئك المشركون الحاقدون الذين راحوا يصنعون له الموت ظلماً وعدواناً ، عرب أنبتتهم أرض واحدة وأظلتهم طبائع وتقاليد واحدة ، ولكن خبيباً اعتنق الإسلام فأخرجه الإسلام إنساناً أخر ، وأولئك عكفوا على ضلالاتهم ، فحسبتهم ضلالاتهم في طبائعهم المتوحشة الغادرة ، فما أعظم ما يفعله الإسلام في الطبيعة الإنسانية من تغيير وتحويل ! ......
رابعاً : - يستدل مما سبق أن للأسير في يد العدو أن يمتنع من قبول الأمان ، ولا يمكّن من نفسه ولو قُتل ، ترفعاً عن أن يجري عليه حكم كافر ، كما فعل عاصم.
فإن أراد الترخص ، فله أن يستأمن ،مترقباً الفرصة مؤ ملاً الخلاص كما فعل خبيب وزيد .
ولكن لو قدر الأسير على الهرب لزمه ذلك في الأصح ، وإن أمكنه إظهار دينه بينهم ،لأن الأسير في يد الكفار مقهور مهان ، فكان من الواجب عليه تخليص نفسه من هوان الأسر ورقه( انظر نهاية المحتاج للرملي ) .
خامساً : - إذا تأملنا في جواب زيد بن الدثنة لأبي سفيان ، قبيل قتله ،علمنا مدى المحبة التي تنطوي عليها أفئدة الصحابة لرسولهم صلى الله عليه وسلم ، ولا ريب أن هذه المحبة من أهم الأسباب التي حببت إلى قلوبهم كل تضحية وبذل في سبيل دين الله تعالى والدفاع عن رسوله .ومهما بلغ المسلم في إيمانه - فإنه بدون مثل هذه المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعتبر ناقص الإيمان .
وإنها لحقيقة صرح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال : { لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين } متفق عليه.
سادساً :- دل ما ذكرناه من أمر خبيب أيام كان أسيراً في مكة ، أن كل ما أمكن أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي ، مع فارق أساسي لابدّ منه -
وهو أن معجزة النبي تكون مقرونة بالتحدي ودعوة النبوة ، أما كرامة الأولياء والصالحين فتأتي عفواً دون أن تقترن بأي نوع من التحدي . وهذا ما جرى عليه جمهور أهل السنة والجماعة .ولا أدلّ عليه من هذا الذي أكرم الله به خبيباً
قبيل قتله ، وهو ثابت كما رأيت في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره.
سابعاً : - قد يتساءل البعض : فما الحكمة في تمكين يد الغدر من هؤلاء الفتية المؤمنين الذي لم يخرجوا إلا استجابة لأمر الله ورسوله ؟ وهلا مكّنهم الله من أعدائهم ليتغلبوا عليهم ؟
والجواب هو : ما كنا قلناه فيما مضى ،من أن الله تعالى تعبّد عباده بتحقيق أمرين اثنين : إقامة المجتمع الإسلامي ، والسعي إلى ذلك في طريق شائكة عير معبّده والحكمة من ذلك أن تتحقق عبودية الإنسان الله تعالى ، وأن يمحّص الصادقون عن المنافقين - وأن يتخذ الله منهم شهداء ، وأن يتجلى المعني التنفيذي للمبايعة التي جرت بين الله وعباده المؤمنين والتي صرح بها قوله تعالى : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويُقتلون..) التوبة ...
وأي معنى كان يبقى للتوقع على صك هذه المعاهدة - لو أن كل ما جاء في مضمونها وهم لا يتحقق ؟ّ! .. بل وأي قيمة تبقى حينئذ لهذا التوقيع حتى يحرز به صاحبه الجنة والسعادة الأبدية الخالدة ..
والمشكلة في أساسها ، إنما تطوف في رأس من قدر هذه الحياة العاجلة أكثر من قدرها الحقيقي وأولاها أكثر مما تستحق من الاهتمام ، وضعف تعلقه في المقابل بالحياة الآخرة وشأنها . وتلك هي آية عدم الإيمان بالله تعالى أو ضعفه في النفس . ومثل هؤلاء الناس لا ينتظر منهم أن يغامروا بروح ولا مال .
أما المؤمنون حقاً فالمشكلة غير متصورة لديهم من أساسها - فلذة الحياة الدنيا في يقينهم ، أقل شأناً من أن تحبس المسلم عن أداء أصغر طاعة يتقرب بها إلى خالقه - وما التضحية بالروح في يقينهم إلا الانطلاقة من سجن الدنيا إلى نعيم الآخرة ، وأنعم بها من غاية هي كل أمل المسلم في حياته التي يعيشها .
وهذا الشعور يتجلى بأوضح صورة في الأبيات التي قالها خبيب عند مقتله ،
وخاصة في آخر بيت منها وهو قوله :
ولست بمبد للعدو تخشعاً ولا جزعاً إني إلى الله مرجعي