aldps61
03-15-2009, 08:49 PM
سببها أن بقية من زعماء قريش ممن لم يقتلوا في غزوة بدر ، اجتمع رأيهم على الثأر لقتلاهم في بدر ، وأن يستعينوا بعير أبي سفيان وما فيها من أموال لتجهيز جيش قوي لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم . فاجتمعت كلمة قريش على ذلك ، وانضم إليهم غيرهم أيضاً ممن يسّمون بالأحابيش ، واستعانوا بعدد كبير من النسوة كي يمنعن الرجال من الفرار إذا أحدق بهم المسلمون . وخرجوا من مكة وقد بلغوا ثلاثة آلاف مقاتل ..
وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخبر فاستشار أصحابه وخيرهم بين الخروج لملاقاتهم وقتالهم ، والبقاء في المدينة ، فأن دخلوا عليهم فيها قاتلوهم ، فكان رأي بعض شيوخ من المسلمين عدم الخروج من المدينة ، وكان عبد الله بن أبي بن سلول من أصحاب هذا الرأي ، غير أن كثيراً من الصحابة ممن لم يكن لهم شرف القتال في بدر رغبوا في الخروج ، وقالوا : (يا رسول الله اخرج بنا إلى أعدائنا ، لا يرون أنّا جبنّا عنهم وضعفنا ) ...
ولم يزل أصحاب هذا الرأي برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وافقهم على ما أرادوا ، فدخل بيته فلبس درعه وأخذ سلاحه وظن الذين ألحوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج أنهم قد استكرهوه على ما لا يريد فندموا على ما كان منهم ، ولما خرج عليهم قالوا : استكرهناك يا رسول الله ، ولم يكن لنا ذلك ، فأن شئت فاقعد . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته ( أي درعه ) أن يضعها حتى يقاتل ) رواه ابن إسحاق والإمام أحمد
ثم أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة في ألف من أصحابه ، وذلك يوم السبت لسبع ليال خلون من شوال على رأس اثنين وثلاثين شهراً من هجرته عليه الصلاة والسلام ، حتى إذا كانوا بين المدينة وأُحد انخذل عبد الله بن أبي سلول بثلث الجيش - وعامتهم من شيعته وأصحابه - وكرّ راجعاً بهم وهو يقول : ( عصاني وأطاع الولدان ومن لا رأي له ، وما ندري علام نقتل أنفسنا ؟).
وتبعهم عبد الله بن حرام يناشدهم الله أن لا يخذلوا نبيهم ، فلم يستجيبوا لندائه ، وقال زعيمهم : (لو نعلم قتالاً لاتبعناكم ) وروى البخاري رضي الله عنه أن المسلمين اختلفوا في أمر هؤلاء الذين انخذلوا عن المسلمين ، ففرقة منهم تقول نقاتلهم ، وأخرى تقول دعوهم ، فنزل في ذلك قوله تعالى : ( فمالكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا ؟ أتريدون أن تهدوا من أضل الله ) {النساء} ..
واقترح بعض الصحابة الاستعانة باليهود ، بناء على ما بينهم من ميثاق التناصر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :{ لا نستنصر بأهل الشرك على أهل الشرك }.
وعسكر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه - وهم لا يزيدون على سبعة مئة مقاتل - في الشعب من أُحد ، فجعل ظهور المسلمين إلى أُحد واستقبلوا المدينة ، وجعل على الجبل خلف المسلمين خمسين رامياً ، وأمر عليهم عبد الله بن جبير وأوعز إليهم قائلا ً: {قوموا على مصافّكم هذه فاحملوا ظهورنا ،فإن رأيتمونا قد انتصرنا فلا تشركونا ، وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا }..
وألحّ كل من رافع بن خديج وسمرة بن جندب أن يشتركا مع النبي صلى الله عليه وسلم في القتال ، وهما ابنا خمس عشر سنة ، فردهما النبي صلى الله عليه وسلم لصغر سنهما ، فقيل له :{ يا رسول الله إن رافعاً رام ، فأجازه ، فجاء سمرة بن جندب يقول : فأنا والله أصرع رافعاً ، فأجازه هو أيضاً }
وأمسك النبي صلى الله عليه وسلم بسيف فقال :{ من يأخذ هذا السيف بحقه ؟ } فأقبل أبو دجانة قائلاً : أنا أخذه بحقه ، فأعطاه إياه ، فأخرج أبو دجانة عصابة حمراء فعصب بها رأسه {وكان ذلك شأنه عندما كان يريد أن يقاتل حتى الموت } ، ثم راح يتبختر بين الصفوف . فقال رسول الله صلى الله عليه :{ إنها لمشية يبغضها إلا في مثل هذا الموطن }.
ثم أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء لمصعب بن عمير رضي الله عنه وكان الذي يقود ميمنة المشركين خالد بن الوليد ، وميسرتهم عكرمة بن أبي جهل .
فاقتتل الناس ،وحميت الحرب ، وراح المسلمون يحسون المشركين في اندفاع مذهل ، وكان في مقدمة المبارزين والمقاتلين أبو دجانة وحمزة
بن عبد المطلب ، ومصعب بن عمير .
وقتل مصعب بن عمير دون الرسول صلى الله عليه وسلم فأخذ اللواء علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وما هو إلا أن أنزل الله نصره على المسلمين ، فانكشف المشركون منهزمين لا يلوون على شيء ونساؤهم يدعون بالويل . وتبعهم المسلمون يقتلون ويغنمون . فتكلم الرماة الذين كانوا على الجبل في النزول ، واختلفوا فيما بينهم ، فنزل كثير منهم بأن الحرب قد وضعت أوزارها ، وراحوا يأخذون مع أصحابهم الغنائم ، وثبت رئيسهم عبد الله بن جبير مع عدد يسير قائلاً : لا أجاوز أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم . ونظر خالد بن الوليد إلى خلاء الجبل وقلّة أهله ، فكر راجعا بالخيل وتبعه عكرمة ، فحملوا على من بقي الرماة فقتلوهم وأميرهم ، وأخذوا يهجمون على المسلمين من الخلف .
وحينئذٍ انكشف المسلمون وداخلهم الرعب ،وأخذ المسلمون يقتتلون على غير شعار أو هدى ، وأوجع المشركون في المسلمين قتالاً ذريعاً ، حتى خلص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرمي بالحجارة حتى رمي لشقه ، وأصيبت رباعيته ( السّن المجاور للنّاب ) وشجّ في وجهه ، وجعل الدم يسيل على وجهه فيمسحه وهو يقول : ( كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم ؟) ، وجاءت فاطمة رضي الله عنها تغسل عنه الدم وعليّ يسكب الماء بالمجن ،فلما رأت أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة حصير فأحرقته حتى صار رماداّ ثم ألصقته بالجرح فاستمسك .
وأثناء ذلك شاع في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل ،وكانت هذه الشائعة من أشدّ ما أدخل الرعب في قلوب بعض المسلمين ، وهي التي جعلت ضعاف الإيمان يقولون : ( فما مقامنا هنا إذا كان قد قتل الرسول ؟) ، وذهبوا يولون الأدبار ، وهي التي جعلت أنس بن النضر يقول : ( بل ما فائدة حياتكم حياتكم بعد رسول الله صلى عليه وسلم ،ثم أشار إلى بعض المنافقين وإلى ضعاف الإيمان قائلاً : اللهم إني أبرأ إليك مما يقول هؤلاء ،وأعتذر إلأيك مما يقول هؤلاء ، وانطلق فشدّ بسيفه على المشركين حتى قتل ) .
وتجلّى في هذه الأثناء مظهر رائع للتضحية والفداء ممن كانوا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصحابة فراحوا يقدمون أرواحهم رخيصة دون رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل معظمهم .
روى البخاري أنه لما كان يوم أُحد ، انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم ،وأبو طلحة بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم مجوّب عليه (متّرس بنفسه عليه ) بجحفة له (ترس من جلد ) ، وكان أبو طلحة رجلاً رامياً شديد النزع .يشرف النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى القوم ، فيقول أبو طلحة :( بأبي أنت وأمي لا تشرف ، يصيبك سهم من سهام القوم ، نحري دون نحرك .
وترّس أبو دجانة نفسه دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والنبل يتلاحق في ظهره وهو منحنٍ على رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتحول . وترّس زياد بن السكن نفسه دون رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل هو وخمسة من أصحابه ،وكان أخرهم على ما رواه ابن هاشم عمارة بن يزيد بن الكن ، فقاتل دونه عليه الصلاة والسلام حتى أثبتته الجراح ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أدنوه مني،فوسّده قدمه ،فمات وخده على قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ).
ثم أن الحرب هدأت بين الطرفين وانحسر المشركون منصرفين ، وقد زهوا بالنصر الذي أحرزوه ،وفزع الناس لقتلاهم ،وكان فيهم حمزة بن عبد المطلب ، واليمان ، وأنس بن النضر ،ومصعب بن عمير وعدد كبير غيرهم ، وقد تأثر النبي صلى الله عليه وسلم لمقتل عمه تأثراً كبيراً ، وقد مثل به فبقر بطنه وجدع أنفه وأذناه . وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين الراحلين من القتلى في ثوب واحد ثم يقول : ( أيهما أكثر أخذاً للقرآن ؟ ) ، فإذا أُشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد ، وقال : ( أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة . وأمر بدفنهم بدمائهم ، ولم يصل عليهم ولم يغسلوا ) .
وأخذ اليهود والمنافقون يظهرون الشماتة بالمسلمين ،وراح عبد الله بن أبي بن سلول يقول هو وأصحابه للمسلمين : ( لو أطعمتونا ما قتل منكم من قتل ) ، وأخذوا يتسائلون عن النصر يتوهمونه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى آيات من سورة آل عمران تعليقاً على إرجاف اليهود والمنافقين وبياناً لحكمة ما حصل في غزوة أُحد ، وهي تبدأ بقوله تعالى :( وإذا غدوت من أهلك تبوء المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم ) إلى قوله تعالى :( الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا ، قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين ) { آل عمران }.
وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من أُحد مساء السبت ، فبات تلك الليلة في المدينة هو وأصحابه . وبات المسلمون يداوون جرحاتهم . فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح يوم الأحد ، أمر بلالاً أن ينادي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم بطلب العدو ، ولا يخرج معنا إلا من شهد القتال بالأمس ..ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلوائه وهو معقود لم يحل ، فدفعه إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وخرج القوم وهم ما بين مجروح وموهون ، ومشجوج حتى عسكروا بحمراء الأسد ( مكان من المدينة على بعد عشرة أميال ) فأوقد المسلمون هناك نيراناً عظيمة ، حتى ترى من المكان البعيد وتوهم كثرة أصحابها .
ومرّ بهم الخزاعي ( وكان يؤمئذٍ من مشركي خزاعة ) تجاوزهم فمرّ على المشركين ولهم زجل ومرح وزهو بالنصر الذي لاقوه في أحد ،وهم يأمرون بالرجوع إلى المدينة للقضاء على المسلمين ، وصفوان بن أمية ينهاهم . فلما رأى أبو سفيان معبداً قال (ما وراءك يا معبد ؟ فقال : ويحكم ! إن محمداً قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أرَ مثله قط ، يتحرقون عليكم تحرّقاً ، فيهم من الحنق عليكم شيء لم أرَ مثله قط ؟) .. فأدخل الله بذلك رعباّ عظيماً في قلوب المشركين ، وهبوّا والثلاثاء والأربعاء ، ثم رجع إلى المدينة ) .
العبر العظات :
تنطوي غزوة أحد على دروس بالغة الأهمية للمسلمين في كل عصر ،ولكأن الحكمة من وقوعها على الشكل الذي بينّاه ، أن يتكون منها درس تطبيقي علمي ، يعلّم المسلمين كيفية البلوغ إلى النصر في معاركهم مع العدو ، وكيفية التحرز من مزالق الفشل والهزيمة ، فلنفق على هذه الدروس العظيمة ولنتأمل فيها ، الوحدة إثر الأخرى :د
أولاً : يتجلى هنا أيضاً المبدأ الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ به نفسه ،وهو التزام التشاور مع أصحابه في كل أمر يحتمل المشاورة والبحث . ولكنا نقف هنا على فارق واحد لم نجد في المشاورة التي تّمت قبيل غزوة بدر . فقد لا حظنا أنه عليه الصلاة وسلام لم يشأ أن يعود عن موافقته لأصحابه الذين اقترحوا الخروج للقاء العدو خارج المدينة ،بعد أن لبس درعه وأخذ أهبته للقتال ، على الرغم من أنهم ندموا وعادوا عن رأيهم ورجوه البقاء إذا كان يرى ذلك
وربما كان النبي صلى الله عليه وسلام يميل - أو يظهر الميل - عند التشاور إلى البقاء في المدينة .
ولعل الحكمة الجلية في هذا ، أن البحث في الأمر بعد أخذ العدة للقتال ، وبعد ظهور النبي صلى الله عليه وسلام في قومه وأصحابه لابساً دروعه آخذاً سلاحه ، شيء خارج عن حدود ما يقتضيه مبدأ التشاور خصوصاً في القضايا الحربية التي تحتاج - مع المشورة -إلى قدر كبير
من الحزم والعزم ثم إن المعنى الذي قد يتولد عن تقاعسه صلى الله عليه وسلام عن الخروج بعد أن طلع عليهم مستعداً لذلك ، إنما هو الضعف والإضراب في الإرادة وهو كثيراً ما يكون نابعاً من الخوف والحذر اللذين لا معنى لهما ، ولذلك أجابهم النبي صلى الله عليه وسلام
عن كلامهم بعبارة فيها كل الحزم والعزم، دون أن يلتفت إلى لغط القوم وتعاتبهم فيما بينهم ،قال : ( ما ينبغي لنبيّ لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل )
ثانياً : للمنافقين في هذه الغزوة مشهد بارز - ولم لا يكون مشهدهم بارزاً فيما ، وهي إنما انطوت على حكم ومقاصد ، من أهمها تمحيص المؤمنين عن أخلاطهم من المنافقين ؟وأن من رواء ذلك لفوائد كبيرة للمسلمين كانت ذخراً لهم فيما بعد
لقد رأينا كيف انخذل عبد الله بن أبي بن سلول بثلاث مئة من أتباعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلام وأصحابه ،بعد خروجهم من المدينة ، وسبب ذلك في ظاهر ما تذرع به: أنّ النبي صلى الله عليه وسلام إنما أخذ برأي الشبان الأغرار ، ولم يأخذ برأي أمثاله من الشيوخ أرباب الحجى والأحلام غير أن سبب ذلك في الحقيقة وواقع الأمر ،هو أنه لا يريد قتالاً 0لأنه لا يريد أن يعرّض نفسه لمخاوفه ومغباته - وتلك هي أبرز سمات المنافقين :يريدون أن يأخذوا ما في الإسلام من مغانم ، ويبتعدوا عما فيه من مغارم وأتعاب !- وإنما الذي يمسكم على الإسلام أحد شيئين :غنيمة يتوقعونها ، أو مصائب ومحن يتوقونها
ثالثاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشأ أن يستعين بغير المسلمين في هذه الغزوة ، وعلى الرغم من قلة عدد المسلمين ، وقال فيما روى ابن سعد في طبقاته : (لا نستنصر بأهل الشرك ) وقد روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل تبعه في يوم بدر ليقاتل معه : ( أتؤمن بالله ؟ قال لا ، قال : فارجع فلن أستعين بمشرك )
وقد ذهب جمهور كبير من العلماء ، بناء على هذا ، إلى أنه لا يجوز الاستعانة بالكفار في القتال ، وفصل الإمام الشافعي في ذلك ، فقال : (إن رأى الإمام أن الكافر حسن الرأي والأمانة في المسلمين وكانت الحاجة داعية إلى الاستعانة به جاز ، وإلا فلا ) 0
ولعل هذا هو المتفق مع القواعد ومجموع الأدلة ، إذ روي أنه عليه الصلاة والسلام قبل معونة صفوان بن أمية يوم حنين ، والمسألة على ذلك داخلة في إطار ما يسمى بالسياسة الشرعية ، وسنذكر الفرق بين ما فعله الرسول في حنين وما فعله في كل من بدر وأحد ، في مناسبته إن شاء الله 0
رابعاً: ومما يجدر التأمل فيه - حال سمرة بن جندب ورافع بن خديج
وهما طفلان لا يزيد عمر كل منهما على خمس عشرة سنة ، وكيف جاءا يناشدان رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسمح لهما بالاشتراك في القتال ، وأي قتال ؟! قتال قائم على التأهب للموت ، لا تجد فيه أي معنى من التعادل بين الفريقين : المسلمون وعددهم لايزيد على سبع مئة ، والمشركون وهم يتجاوزون ثلاثة ألاف مقاتل
والعجيب حقاً أن يقف بعض محترفي الغزو الفكري على مثل هذه الظاهرة ، فيذهبوا في تحليلها إلى العرب كانوا أمة تعيش في ظل الحروب والغزوات الدائمة - فكانوا ينشؤون في أجوائها وظروفها ، ولذلك كانوا ينظرون إليها ( شيباً وشباناً وأطفالاً ) نظرة طبيعية لا تسبب لهم قدراً بالغاً من المخاوف .
لا ريب أن أرباب هذا التحليل يغمضون أعينهم في إصرار عجيب ، أثناء هذا الكلام عن تخاذل أمثال عبد الله بن أبي سلول مع ثلاثة مئة من أصحابه ،تحت وطأة الخوف من عواقب القتال والرغبة في الجنوح إلى السلامة والأمن . وعن تخاذل أولئك الآخرين الذين استعذبوا ظل المدينة وثمارها ومياهها وسط حرارة الصيف ، وأعرضوا عن نداء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج والقتال قائلين : لا تنفروا في الحر - بل وعن هزيمة المشركين في غزوة بدر ، على الرغم من ضخامة عددهم وقلة المسلمين -ووقوع الرعب في أفئدتهم ،وهم هم العرب الذين نشؤوا في ظلال الحروب ورضعوا ألبانها واستهانوا بصعابها.
من الصعوبة البالغة للمنصف أن يتهرب عما تحكم به البداهة الواضحة من أن سرّ هذا الإقدام على الموت من مثل هؤلاء الأطفال ، إنما هو الإيمان العظيم الذي استحوذ على القلب ، والذي ترتبت عليه محبة عارمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم .فحيثما وجد الإيمان ووجدت هذه المحبة - ظهر هذا الإقدام والاستبسال وحيثما ضعف الإيمان وضعفت المحبة في القلب انقلب الإقدام إحجاماً والاستبسال كسلاً وتقاعساً.
خامساً : -إذا تأملت حال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو ينظم صفوف أصحابه ويرتب أجنحتهم ،ويضع الحامية اللازمة في مؤخرة المسلمين ،ويأمر الرماة أن لا يغادروا أماكنهم مهما وجدوا من أمر إخوانهم المقاتلين حتى يتلقوا الأوامر منه صلى الله عليه وسلم ،
نقول : إذا تأملت ذلك اتضحت حقيقة بارزة، ولاحت لك من ورائها ظاهرة هامة أخرى .
أما الحقيقة البارزة ، فهي البراعة العسكرية التي تتصف بها قيادته صلى الله عليه وسلم في الحروب ،فقد كان في مقدمة المخططين لفنون القتال وطرائقه ،ولا ريب أن الله تعالى قد جهزه بعبقرية نادرة في هذا المجال .ولكننا نقول : إن هذه العبقرية والبراعة إنما يأتي كل منهما من وراء نبوته ورسالته السماوية - فمركز النبوة والرسالة هو الذي اقتضاه صلى الله عليه وسلم أن يكون عبقرياً بارعاً في فنون الحرب وغيرها ، كما اقتضاه أن يكون معصوماً بعيداً عن كل انحراف وزلل0
وأما الظاهرة التي تلوح للمتأمل من خلال توصياته الدقيقة هذه لأصحابه عامة - وللرماة خاصة فهي ظاهرة ذات علاقة وثيقة بما قد تم بعد ذلك من خروج بعض أولئك الرماة على أوامره صلى الله عليه وسلم .فكأن النبي صلى الله عليه وسلم قد استشف بفراسة النبوة أو بوحي من الله تعالى هذا الذي قد حدث فيما بعد ، فراح يؤكد التوصيات والأوامر ، وكأنه في ذلك يُجري مع أصحابه مناورة حية مع عدوّ لهم هو النفس وأهواؤها وما تنطوي عليه من طمع في المال والغنائم ، والمناورة مهما كانت نتيجتها ، تفيد فائدة عظيمة -وربما كانت النتيجة السلبية أدعى للاستفادة من النتيجة الإيجابية.
سادساً: - أبو دجانة - الذي تناول السيف من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم بحقه ،أخذه وراح يتبختر بين الصفوف ،فما أنكر عليه رسول الله وإنما قال : ( إن هذه مشية يكرهها الله إلا في مثل هذا الموضع ) وهذا يدل على أن كل مظاهر الكبر المحرمة في الأحوال العامة- تزول حرمتها في حالات الحرب .فمن مظاهر الكبر المحرمة أن يسير المسلم في الأرض مرحاً متبختراً - ولكن ذلك في ميدان القتال أمر حسن وليس بمكروه .ومن مظاهر الكبر المحرمة تزيين البيوت أو الأواني والأقداح بالذهب أو الفضة .غير أن تزيين آلات الحرب وأسلحتها بالفضة غير ممنوع .فمظهر الكبر هنا إنما هو في حقيقته افتخار بعزة الإسلام على أعدائه .ثم هو معنى من معاني الحرب النفسية التي ينبغي أن لا تفوت المسلمين أهميتها.
سابعاً: - إذا تأملنا مدة الحرب التي استمرت بين المسلمين وأعدائهم في هذه الغزوة وجدناها تنقسم إلى شطرين:
الشطر الأول : -وفيه التزم المسلمون أماكنهم وأوامرهم التي كانوا قد تلقوها من قائدهم عليه الصلاة والسلام -فما الذي كان من ثمرة ذلك ؟ لقد سارع النصر إلى المسلمين ،وسارعت الهزيمة إلى صفوف المشركين ،وما هو إلا أن اكتسح الرعب أفئدة الآلاف الثلاثة فانحسروا عن أماكنهم وأخذوا يولون الأدبار ، وهذا الشطر هو الذي علقت عليه
الآية الكريمة في قوله تعالى : (ولقد صدقكم الله وعدهُ إذ تحسونهم بإذنه ).آل عمران .
الشطر الثاني: -وفيه أخذ المسلمون ينطلقون خلف المشركين ليجهزوا على من يدركونه منهم- وليأخذوا الغنائم والأسلاب ،وحينئذ نظر الرماة من فوق الجبل الذي كانوا يتمركزون فيه ، إلى إخوانهم وهم يضعون السيوف في أعدائهم اللائذين بالفرار ويعودون بالأموال والغنائم ، فرغب بعضهم أن يشتركوا معهم في الغنيمة - وخيلت إليهم هذه الرغبة أن الفترة الزمنية للأوامر التي تلقوها من رسول الله صلى الله عليه وسلم قد انتهت ، فهم في حل منها وهم في غنى عن انتظار إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم بمغادرة أماكنهم وهو اجتهاد خالفهم فيه بعض زملائهم وزفي مقدمتهم أميرهم عبد الله بن جبير ، ولكن أصحاب هذا الاجتهاد نزلوا وانطلقوا يشاركون في أخذ الغنائم . فما الذي كان من نتيجة ذلك ؟
لقد كان ـن انقلب الرعب الذي داهم أفئدة المشركين إلى استبسال جديد !... وكان أن تفتحت أسباب الحيلة والمكر لدى خالد بن الوليد الذي كان يولي هارباً ، فنظر حوله متأملاً ، فوجد الجبل المحصّن قد خلا من حماته وحراسه ، فلمعت الفكرة العسكرية في رأٍسه ، وما هو إلا أن استدار إلى الجبل مع من معه من المشركين ، فقتلوا من بقي ممن لم ينزل وأوجعوا المسلمين رامياً بالسهام من خلفهم .. وجاء الرعب هذه المرة ليغزو أفئدة المسلمين كما رأينا .وهذا الشطر من المعركة هو الذي علقت عليه الآية الكريمة في قوله تعالى :(حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر ، وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون ، منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ،هم صرفكم عنهم ليبتليكم )
آل عمران
وانظر !... كم كان وبال هذه الخطيئة جسيماً ، وكم كانت نتيجتها عامة!...
لقد عادت خطيئة أفراد قليلين في جيش المسلمين - بالوبال عليهم جميعاً ،بحيث لم ينج حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ،من نتائجها
وتلك هي سنة الله في الكون ،لم يمنعها من الاستمرار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم موجود في ذلك الجيش ،وأنه أحب الخلق إلى ربه جل جلاله.
فتأمل في نسبة خطيئة أولئك الأفراد، إلى أخطاء المسلمين المتنوعة اليوم - والمتعلقة بشتى نواحي حياتنا العامة والخاصة .تأمل هذا لتتصور مدى لطف الله بالمسلمين إذ لا يهلكهم بما تكسب أيدهم ، وبتقاعسهم حتى عن أداء واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاجتماع في كلمة واحدة على ذلك.
وإذا تأملت هذا علمت الجواب عن سؤال بعضهم اليوم ،عن الحكمة من أن الشعوب الإسلامية تظل مغلوبة على أمرها - أمام الدول الباغية الأخرى ، على الرغم من أن هؤلاء كفرة وأولئك مسلمين.
ثامناً : -لقد رأينا أن النبي صلى الله عليه وسلم أوذي كثيراً في هذه الفترة - فوقع لشقه ،وشجّ رأسه ،وكُسرت رباعيته ،وساح الدم غزيراً في وجهه ،وكل ذلك جزء من نتائج تلك الخطيئة ...خطيئة أولئك المسلمين في الخروج على أوامر القائد .ولكن ما الحكمة في أن يشيع خبر مقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفوف المسلمين ؟!
والجواب : أن ارتباط المسلمين برسول الله صلى الله عليه وسلم ووجوده فيما بينهم كان له من القوة بحيث لم يكونوا يتصورون فراقه
ولم يكونوا يتخيلون قدرة لهم على التماسك من بعده ،فكان أمر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً لا يخطر لهم في بال ، وكأنهم كانوا يُسقطون حساب ذلك من أذهانهم ، ولا ريب أنهم لو استيقظوا من غفلتهم هذه على خبر وفاته الحقيقة ، لصدّع الخبر أفئدتهم ولزعزع
كيانهم الإيماني بل لقّوضه في نفوس كثير منهم.
فكان من الحكمة الباهرة أن تشيع هذه الشائعة ، تجربة درسية بين تلك الدروس العسكرية العظيمة ، كي يستفيق المسلمون من ورائها إلى الحقيقة التي ينبغي أن يوطنوا أنفسهم لها منذ الساعة - وأن لا يرتدوا على أعقابهم إذا وجدوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اختفى مما بينهم.
ومن أجل بيان هذا الدرس الجليل نزلت الآية تعليقاً على ما أصاب كثيراً من المسلمين من ضعف وتراجع لدى سماعهم نبأ مقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم .وذلك إذ يقول الله تعالى :
( وما محمد إلا رسول ،قد خلت من قبله الرسل، أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ؟ ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً ، وسيجزي الله الشاكرين ) آل عمران.
ولقد اتضح الأثر الإيجابي لهذا الدرس ، يوم أن لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلاً بالرفيق الأعلى ، فقد كانت شائعة أحُد هذه مع ما نزل بسببها من القرآن - هي التي أيقظت المسلمين ونبهتهم إلى الحقيقة ، فودعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقلوبهم الحزينة ، ثم رجعوا إلى الأمانة التي تركها بين أيديهم ، أمانة الدعوة والجهاد في سبيل الله ، فنهضوا بها أقوياء بأيمانهم أشداء في عقيدتهم وتوكلهم على الله تعالى .
تاسعاً:ولنتأمل في وقع الموت على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم من حوله يحمونه بأجسادهم من نبال المشركين وضرباتهم ،يتساقطون الواحد منهم إثر الآخر تحت وابل السهام ، وهم في نشوة عارمة وحرص حريص على حفظ حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا يبالون بغير ذلك !..فما هو مصدر هذه التضحية العجيبة ؟.
إنه الإيمان بالله ورسوله أولاً ، ثم محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثانياً ، فهما معاً سبب هذه التضحية الرائعة العجيبة . والمسلم يحتاج إليهما معاً لا يكفيه أن يدعي الإيمان بما ينبغي الإيمان به من أمور العقيدة ، حتى يمتلئ قلبه بمحبة الله ورسوله أيضاً ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين )
وبيان ذلك أن الله عز وجل قد غرس في الإنسان عقلاً وقلباً . أما الأول فلكي يفكر به فيؤمن بما يجب الإيمان به . وأما الثاني فلكي يستعمله في محبة من أمر الله بمحبته وبغض من أمر ببغضه . وإذا فاض القلب بمحبة الله ورسوله والصالحين من عباده فسيمتلئ ولا بد بمحبة الشهوات والأهواء والمحرمات . وإذا فاض القلب بمحبة الشهوات والأهواء فهيهات أن يصبح الاعتقاد وحده حاملاً لصاحبه على أي عمل من أعمال التضحية أو الفداء .
هذه المحبة بل هذا الهوى المستحوذ على قلوب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي جعلهم يمدون نحورهم دون نحر رسول الله ويعانقون الموت في سيبل حفظ حياته عليه الصلاة والسلام .وكم في غزوة أحُد من المشاهد الرائعة التي تكشف عن أثر هذه المحبة إذ تغمر قلب صاحبها .
روى ابن هشام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه : { من رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع أفي الأحياء هو أم في الأموات ؟ فقال رجل من الأنصار : أنا أنظر لك يا رسول الله ما فعل سعد .فتظر فإذا هو جريح في القتلى وبه رمق فقال له : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أنظر أفي الأحياء أنت أم في الأموات !..
قال : أنا في الأموات - فأبلغ رسول الله عني السلام وقل له : إن السعد بن الربيع يقول لك : جزاك الله عنا خير ما جزى نبياً عن أمته ، وأبلغ قومك عني السلام وقل لهم : إن سعد بن الربيع يقول لكم :إنه لا عذر لكم عند الله إن خلُص إلى نبيكم صلى الله عليه وسلم وفيكم عين تطرف
قال الأنصاري : فلم أبرح حتى مات } .
ويوم تمتلئ أفئدة المسلمين في عصرنا هذا بنحو من هذه المحبة ، بحيث تبعدهم قيلاً عن شهواتهم وأنانيتهم ، وتتغلب عليها - أقول : يوم يحدث هذا في أفئدة المسلمين فإنهم يصبحون خلقاً آخر جديداً - وسينتزعون انتصارهم من بين شدقي الموت وسيتغلبون على أعدائهم
مهما كانت العقبات والسدود.
وإذا سألت عن السبيل إلى مثل هذه المحبة - فاعلم أنها في كثرة الذكر
وكثرة الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم - وفي كثرة التأمل
والتفكر في آلاء الله ونعمة عليك -وفي سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخلاقه وشمائله ، وهذا كله بعد الاستقامة على العبادات في خشية وحضور ، والتبتل إلى الله عز وجل بين الحين والآخر.
عاشراً : - وقد رأينا فيما يرويه البخاري رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بدفن قتلى المسلمين بدمائهم ولم يصلّ عليهم
وجمع بين الرجلين في قبر واحد ، وقد استدل من ذلك العلماء أن الشهيد في معركة الجهاد لا يغسل ولا يصلى عليه ،بل يدفن بدمائه .قال الشافعي رضي الله عنه : جاءت الأحاديث من وجوه متواترة أنه لم يصل عليهم ، وأما ما روي أنه صلى الله عليه وسلم صلى عليهم عشرة عشرة ،وفي كل عشرة حمزة ، حتى صلى عليه سبعين مرة فضعيف وخطأ ( راجع مغني المحتاج ) .كما استدلوا بذلك أيضاُ على أنه يجوز عند الضرورة الجمع بين أكثر من واحد في القبر ، أما بدون ضرورة فلا يجوز.
حادي عشر : - وإذا تأملنا فيما أقدم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه فور عودتهم إلى المدينة من الخروج ثانية للحاق بالمشركين - اتضح لنا درس معركة أحُد اتضاحاً كاملاً، وتبين لنا كل من نتيجتيها : السلبية والإيجابية ،وظهر لنا بما لا يدع مجالاً للتوهم أن النصر إنما يكون مع الصبر وإطاعة أوامر القائد الصالح واستهداف القصد الديني المجرد.
فقد رأينا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكد يؤذّن في الناس للخروج مرة أخرى لطلب العدوّ- حتى تجمع أولئك الذين كانوا معه بالأمس ،من بعد ما أصابهم القرح وأنهكتهم الجروح و الآلام ،ولم يسترح أحد منهم بعد في بيته أو يفرغ للنظر في حاله وجسمه ،وانطلقوا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتغون المشركين الذين لم تخمد بعد في رؤوسهم جذوة النشوة بالنصر .ولم يكن فيهم هذه المرة من يطمع في غنيمة أو عرض دنيوي ، وإنما هو التطلع إلى النصر أو الاستشهاد في سبيل الله
وهم يسوقون بين يدي ذلك جراحاتهم الدامية ،وقروحهم المؤلمة .
فما الذي كان من نتيجة ذلك ؟
لا نشوة الظفر أو لذة الانتصار ربطت على قلوب المشركين ليتمموا نصرهم والتغلب على خصومهم ، ولا وقع الهزيمة و آلام الجروح الكثيفة في المسلمين حال شيء من ذلك دون إقدامهم وانتصارهم.
وكيف كان السبيل ؟ ....
لقد كان السبيل إلى ذلك آية إلهية خارقة لتتمم الدرس والموعظة للمسلمين ، وقع الرعب فجأة في قلوب المشركين وتصوروا كما أخبرهم صاحبهم الذي كان قد لمح المسلمين عن بعد - أن محمداً صلى الله عليه وسلم وصحبه قد جاؤوا هذه المرة ومعهم الموت المؤكد لينثروه فيما بينهم- فارتدوا على أعقابهم بعد أن كانوا متجهين صوب المدينة ، وانطلقوا سراعاً إلى مكة لا يلوون على شيء !..
أما كيف داخلهم هذا الرعب الغريب من المسلمين ،وهم الذين كسروا شوكتهم ووضعوا السيف فيهم قبل ساعات فقط من الزمن ، فمردّ ذلك إلى الإرادة الإلهية التي جعلت من هذه الموقعة كلها درساً بليغاً للمسلمين ، جمع بين كلا مظهر به الإيجابي والسلبي في آن واحد.
وفي هذا الختام الأخير المتمم لموعظة أحُد نزل قوله تعالى :
( الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح ،للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم ،الذين قال لهم إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ، فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم ) آل عمران ..........
..........
وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخبر فاستشار أصحابه وخيرهم بين الخروج لملاقاتهم وقتالهم ، والبقاء في المدينة ، فأن دخلوا عليهم فيها قاتلوهم ، فكان رأي بعض شيوخ من المسلمين عدم الخروج من المدينة ، وكان عبد الله بن أبي بن سلول من أصحاب هذا الرأي ، غير أن كثيراً من الصحابة ممن لم يكن لهم شرف القتال في بدر رغبوا في الخروج ، وقالوا : (يا رسول الله اخرج بنا إلى أعدائنا ، لا يرون أنّا جبنّا عنهم وضعفنا ) ...
ولم يزل أصحاب هذا الرأي برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وافقهم على ما أرادوا ، فدخل بيته فلبس درعه وأخذ سلاحه وظن الذين ألحوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج أنهم قد استكرهوه على ما لا يريد فندموا على ما كان منهم ، ولما خرج عليهم قالوا : استكرهناك يا رسول الله ، ولم يكن لنا ذلك ، فأن شئت فاقعد . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته ( أي درعه ) أن يضعها حتى يقاتل ) رواه ابن إسحاق والإمام أحمد
ثم أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة في ألف من أصحابه ، وذلك يوم السبت لسبع ليال خلون من شوال على رأس اثنين وثلاثين شهراً من هجرته عليه الصلاة والسلام ، حتى إذا كانوا بين المدينة وأُحد انخذل عبد الله بن أبي سلول بثلث الجيش - وعامتهم من شيعته وأصحابه - وكرّ راجعاً بهم وهو يقول : ( عصاني وأطاع الولدان ومن لا رأي له ، وما ندري علام نقتل أنفسنا ؟).
وتبعهم عبد الله بن حرام يناشدهم الله أن لا يخذلوا نبيهم ، فلم يستجيبوا لندائه ، وقال زعيمهم : (لو نعلم قتالاً لاتبعناكم ) وروى البخاري رضي الله عنه أن المسلمين اختلفوا في أمر هؤلاء الذين انخذلوا عن المسلمين ، ففرقة منهم تقول نقاتلهم ، وأخرى تقول دعوهم ، فنزل في ذلك قوله تعالى : ( فمالكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا ؟ أتريدون أن تهدوا من أضل الله ) {النساء} ..
واقترح بعض الصحابة الاستعانة باليهود ، بناء على ما بينهم من ميثاق التناصر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :{ لا نستنصر بأهل الشرك على أهل الشرك }.
وعسكر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه - وهم لا يزيدون على سبعة مئة مقاتل - في الشعب من أُحد ، فجعل ظهور المسلمين إلى أُحد واستقبلوا المدينة ، وجعل على الجبل خلف المسلمين خمسين رامياً ، وأمر عليهم عبد الله بن جبير وأوعز إليهم قائلا ً: {قوموا على مصافّكم هذه فاحملوا ظهورنا ،فإن رأيتمونا قد انتصرنا فلا تشركونا ، وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا }..
وألحّ كل من رافع بن خديج وسمرة بن جندب أن يشتركا مع النبي صلى الله عليه وسلم في القتال ، وهما ابنا خمس عشر سنة ، فردهما النبي صلى الله عليه وسلم لصغر سنهما ، فقيل له :{ يا رسول الله إن رافعاً رام ، فأجازه ، فجاء سمرة بن جندب يقول : فأنا والله أصرع رافعاً ، فأجازه هو أيضاً }
وأمسك النبي صلى الله عليه وسلم بسيف فقال :{ من يأخذ هذا السيف بحقه ؟ } فأقبل أبو دجانة قائلاً : أنا أخذه بحقه ، فأعطاه إياه ، فأخرج أبو دجانة عصابة حمراء فعصب بها رأسه {وكان ذلك شأنه عندما كان يريد أن يقاتل حتى الموت } ، ثم راح يتبختر بين الصفوف . فقال رسول الله صلى الله عليه :{ إنها لمشية يبغضها إلا في مثل هذا الموطن }.
ثم أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء لمصعب بن عمير رضي الله عنه وكان الذي يقود ميمنة المشركين خالد بن الوليد ، وميسرتهم عكرمة بن أبي جهل .
فاقتتل الناس ،وحميت الحرب ، وراح المسلمون يحسون المشركين في اندفاع مذهل ، وكان في مقدمة المبارزين والمقاتلين أبو دجانة وحمزة
بن عبد المطلب ، ومصعب بن عمير .
وقتل مصعب بن عمير دون الرسول صلى الله عليه وسلم فأخذ اللواء علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وما هو إلا أن أنزل الله نصره على المسلمين ، فانكشف المشركون منهزمين لا يلوون على شيء ونساؤهم يدعون بالويل . وتبعهم المسلمون يقتلون ويغنمون . فتكلم الرماة الذين كانوا على الجبل في النزول ، واختلفوا فيما بينهم ، فنزل كثير منهم بأن الحرب قد وضعت أوزارها ، وراحوا يأخذون مع أصحابهم الغنائم ، وثبت رئيسهم عبد الله بن جبير مع عدد يسير قائلاً : لا أجاوز أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم . ونظر خالد بن الوليد إلى خلاء الجبل وقلّة أهله ، فكر راجعا بالخيل وتبعه عكرمة ، فحملوا على من بقي الرماة فقتلوهم وأميرهم ، وأخذوا يهجمون على المسلمين من الخلف .
وحينئذٍ انكشف المسلمون وداخلهم الرعب ،وأخذ المسلمون يقتتلون على غير شعار أو هدى ، وأوجع المشركون في المسلمين قتالاً ذريعاً ، حتى خلص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرمي بالحجارة حتى رمي لشقه ، وأصيبت رباعيته ( السّن المجاور للنّاب ) وشجّ في وجهه ، وجعل الدم يسيل على وجهه فيمسحه وهو يقول : ( كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم ؟) ، وجاءت فاطمة رضي الله عنها تغسل عنه الدم وعليّ يسكب الماء بالمجن ،فلما رأت أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة حصير فأحرقته حتى صار رماداّ ثم ألصقته بالجرح فاستمسك .
وأثناء ذلك شاع في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل ،وكانت هذه الشائعة من أشدّ ما أدخل الرعب في قلوب بعض المسلمين ، وهي التي جعلت ضعاف الإيمان يقولون : ( فما مقامنا هنا إذا كان قد قتل الرسول ؟) ، وذهبوا يولون الأدبار ، وهي التي جعلت أنس بن النضر يقول : ( بل ما فائدة حياتكم حياتكم بعد رسول الله صلى عليه وسلم ،ثم أشار إلى بعض المنافقين وإلى ضعاف الإيمان قائلاً : اللهم إني أبرأ إليك مما يقول هؤلاء ،وأعتذر إلأيك مما يقول هؤلاء ، وانطلق فشدّ بسيفه على المشركين حتى قتل ) .
وتجلّى في هذه الأثناء مظهر رائع للتضحية والفداء ممن كانوا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصحابة فراحوا يقدمون أرواحهم رخيصة دون رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل معظمهم .
روى البخاري أنه لما كان يوم أُحد ، انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم ،وأبو طلحة بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم مجوّب عليه (متّرس بنفسه عليه ) بجحفة له (ترس من جلد ) ، وكان أبو طلحة رجلاً رامياً شديد النزع .يشرف النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى القوم ، فيقول أبو طلحة :( بأبي أنت وأمي لا تشرف ، يصيبك سهم من سهام القوم ، نحري دون نحرك .
وترّس أبو دجانة نفسه دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والنبل يتلاحق في ظهره وهو منحنٍ على رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتحول . وترّس زياد بن السكن نفسه دون رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل هو وخمسة من أصحابه ،وكان أخرهم على ما رواه ابن هاشم عمارة بن يزيد بن الكن ، فقاتل دونه عليه الصلاة والسلام حتى أثبتته الجراح ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أدنوه مني،فوسّده قدمه ،فمات وخده على قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ).
ثم أن الحرب هدأت بين الطرفين وانحسر المشركون منصرفين ، وقد زهوا بالنصر الذي أحرزوه ،وفزع الناس لقتلاهم ،وكان فيهم حمزة بن عبد المطلب ، واليمان ، وأنس بن النضر ،ومصعب بن عمير وعدد كبير غيرهم ، وقد تأثر النبي صلى الله عليه وسلم لمقتل عمه تأثراً كبيراً ، وقد مثل به فبقر بطنه وجدع أنفه وأذناه . وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين الراحلين من القتلى في ثوب واحد ثم يقول : ( أيهما أكثر أخذاً للقرآن ؟ ) ، فإذا أُشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد ، وقال : ( أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة . وأمر بدفنهم بدمائهم ، ولم يصل عليهم ولم يغسلوا ) .
وأخذ اليهود والمنافقون يظهرون الشماتة بالمسلمين ،وراح عبد الله بن أبي بن سلول يقول هو وأصحابه للمسلمين : ( لو أطعمتونا ما قتل منكم من قتل ) ، وأخذوا يتسائلون عن النصر يتوهمونه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى آيات من سورة آل عمران تعليقاً على إرجاف اليهود والمنافقين وبياناً لحكمة ما حصل في غزوة أُحد ، وهي تبدأ بقوله تعالى :( وإذا غدوت من أهلك تبوء المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم ) إلى قوله تعالى :( الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا ، قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين ) { آل عمران }.
وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من أُحد مساء السبت ، فبات تلك الليلة في المدينة هو وأصحابه . وبات المسلمون يداوون جرحاتهم . فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح يوم الأحد ، أمر بلالاً أن ينادي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم بطلب العدو ، ولا يخرج معنا إلا من شهد القتال بالأمس ..ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلوائه وهو معقود لم يحل ، فدفعه إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وخرج القوم وهم ما بين مجروح وموهون ، ومشجوج حتى عسكروا بحمراء الأسد ( مكان من المدينة على بعد عشرة أميال ) فأوقد المسلمون هناك نيراناً عظيمة ، حتى ترى من المكان البعيد وتوهم كثرة أصحابها .
ومرّ بهم الخزاعي ( وكان يؤمئذٍ من مشركي خزاعة ) تجاوزهم فمرّ على المشركين ولهم زجل ومرح وزهو بالنصر الذي لاقوه في أحد ،وهم يأمرون بالرجوع إلى المدينة للقضاء على المسلمين ، وصفوان بن أمية ينهاهم . فلما رأى أبو سفيان معبداً قال (ما وراءك يا معبد ؟ فقال : ويحكم ! إن محمداً قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أرَ مثله قط ، يتحرقون عليكم تحرّقاً ، فيهم من الحنق عليكم شيء لم أرَ مثله قط ؟) .. فأدخل الله بذلك رعباّ عظيماً في قلوب المشركين ، وهبوّا والثلاثاء والأربعاء ، ثم رجع إلى المدينة ) .
العبر العظات :
تنطوي غزوة أحد على دروس بالغة الأهمية للمسلمين في كل عصر ،ولكأن الحكمة من وقوعها على الشكل الذي بينّاه ، أن يتكون منها درس تطبيقي علمي ، يعلّم المسلمين كيفية البلوغ إلى النصر في معاركهم مع العدو ، وكيفية التحرز من مزالق الفشل والهزيمة ، فلنفق على هذه الدروس العظيمة ولنتأمل فيها ، الوحدة إثر الأخرى :د
أولاً : يتجلى هنا أيضاً المبدأ الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ به نفسه ،وهو التزام التشاور مع أصحابه في كل أمر يحتمل المشاورة والبحث . ولكنا نقف هنا على فارق واحد لم نجد في المشاورة التي تّمت قبيل غزوة بدر . فقد لا حظنا أنه عليه الصلاة وسلام لم يشأ أن يعود عن موافقته لأصحابه الذين اقترحوا الخروج للقاء العدو خارج المدينة ،بعد أن لبس درعه وأخذ أهبته للقتال ، على الرغم من أنهم ندموا وعادوا عن رأيهم ورجوه البقاء إذا كان يرى ذلك
وربما كان النبي صلى الله عليه وسلام يميل - أو يظهر الميل - عند التشاور إلى البقاء في المدينة .
ولعل الحكمة الجلية في هذا ، أن البحث في الأمر بعد أخذ العدة للقتال ، وبعد ظهور النبي صلى الله عليه وسلام في قومه وأصحابه لابساً دروعه آخذاً سلاحه ، شيء خارج عن حدود ما يقتضيه مبدأ التشاور خصوصاً في القضايا الحربية التي تحتاج - مع المشورة -إلى قدر كبير
من الحزم والعزم ثم إن المعنى الذي قد يتولد عن تقاعسه صلى الله عليه وسلام عن الخروج بعد أن طلع عليهم مستعداً لذلك ، إنما هو الضعف والإضراب في الإرادة وهو كثيراً ما يكون نابعاً من الخوف والحذر اللذين لا معنى لهما ، ولذلك أجابهم النبي صلى الله عليه وسلام
عن كلامهم بعبارة فيها كل الحزم والعزم، دون أن يلتفت إلى لغط القوم وتعاتبهم فيما بينهم ،قال : ( ما ينبغي لنبيّ لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل )
ثانياً : للمنافقين في هذه الغزوة مشهد بارز - ولم لا يكون مشهدهم بارزاً فيما ، وهي إنما انطوت على حكم ومقاصد ، من أهمها تمحيص المؤمنين عن أخلاطهم من المنافقين ؟وأن من رواء ذلك لفوائد كبيرة للمسلمين كانت ذخراً لهم فيما بعد
لقد رأينا كيف انخذل عبد الله بن أبي بن سلول بثلاث مئة من أتباعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلام وأصحابه ،بعد خروجهم من المدينة ، وسبب ذلك في ظاهر ما تذرع به: أنّ النبي صلى الله عليه وسلام إنما أخذ برأي الشبان الأغرار ، ولم يأخذ برأي أمثاله من الشيوخ أرباب الحجى والأحلام غير أن سبب ذلك في الحقيقة وواقع الأمر ،هو أنه لا يريد قتالاً 0لأنه لا يريد أن يعرّض نفسه لمخاوفه ومغباته - وتلك هي أبرز سمات المنافقين :يريدون أن يأخذوا ما في الإسلام من مغانم ، ويبتعدوا عما فيه من مغارم وأتعاب !- وإنما الذي يمسكم على الإسلام أحد شيئين :غنيمة يتوقعونها ، أو مصائب ومحن يتوقونها
ثالثاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشأ أن يستعين بغير المسلمين في هذه الغزوة ، وعلى الرغم من قلة عدد المسلمين ، وقال فيما روى ابن سعد في طبقاته : (لا نستنصر بأهل الشرك ) وقد روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل تبعه في يوم بدر ليقاتل معه : ( أتؤمن بالله ؟ قال لا ، قال : فارجع فلن أستعين بمشرك )
وقد ذهب جمهور كبير من العلماء ، بناء على هذا ، إلى أنه لا يجوز الاستعانة بالكفار في القتال ، وفصل الإمام الشافعي في ذلك ، فقال : (إن رأى الإمام أن الكافر حسن الرأي والأمانة في المسلمين وكانت الحاجة داعية إلى الاستعانة به جاز ، وإلا فلا ) 0
ولعل هذا هو المتفق مع القواعد ومجموع الأدلة ، إذ روي أنه عليه الصلاة والسلام قبل معونة صفوان بن أمية يوم حنين ، والمسألة على ذلك داخلة في إطار ما يسمى بالسياسة الشرعية ، وسنذكر الفرق بين ما فعله الرسول في حنين وما فعله في كل من بدر وأحد ، في مناسبته إن شاء الله 0
رابعاً: ومما يجدر التأمل فيه - حال سمرة بن جندب ورافع بن خديج
وهما طفلان لا يزيد عمر كل منهما على خمس عشرة سنة ، وكيف جاءا يناشدان رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسمح لهما بالاشتراك في القتال ، وأي قتال ؟! قتال قائم على التأهب للموت ، لا تجد فيه أي معنى من التعادل بين الفريقين : المسلمون وعددهم لايزيد على سبع مئة ، والمشركون وهم يتجاوزون ثلاثة ألاف مقاتل
والعجيب حقاً أن يقف بعض محترفي الغزو الفكري على مثل هذه الظاهرة ، فيذهبوا في تحليلها إلى العرب كانوا أمة تعيش في ظل الحروب والغزوات الدائمة - فكانوا ينشؤون في أجوائها وظروفها ، ولذلك كانوا ينظرون إليها ( شيباً وشباناً وأطفالاً ) نظرة طبيعية لا تسبب لهم قدراً بالغاً من المخاوف .
لا ريب أن أرباب هذا التحليل يغمضون أعينهم في إصرار عجيب ، أثناء هذا الكلام عن تخاذل أمثال عبد الله بن أبي سلول مع ثلاثة مئة من أصحابه ،تحت وطأة الخوف من عواقب القتال والرغبة في الجنوح إلى السلامة والأمن . وعن تخاذل أولئك الآخرين الذين استعذبوا ظل المدينة وثمارها ومياهها وسط حرارة الصيف ، وأعرضوا عن نداء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج والقتال قائلين : لا تنفروا في الحر - بل وعن هزيمة المشركين في غزوة بدر ، على الرغم من ضخامة عددهم وقلة المسلمين -ووقوع الرعب في أفئدتهم ،وهم هم العرب الذين نشؤوا في ظلال الحروب ورضعوا ألبانها واستهانوا بصعابها.
من الصعوبة البالغة للمنصف أن يتهرب عما تحكم به البداهة الواضحة من أن سرّ هذا الإقدام على الموت من مثل هؤلاء الأطفال ، إنما هو الإيمان العظيم الذي استحوذ على القلب ، والذي ترتبت عليه محبة عارمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم .فحيثما وجد الإيمان ووجدت هذه المحبة - ظهر هذا الإقدام والاستبسال وحيثما ضعف الإيمان وضعفت المحبة في القلب انقلب الإقدام إحجاماً والاستبسال كسلاً وتقاعساً.
خامساً : -إذا تأملت حال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو ينظم صفوف أصحابه ويرتب أجنحتهم ،ويضع الحامية اللازمة في مؤخرة المسلمين ،ويأمر الرماة أن لا يغادروا أماكنهم مهما وجدوا من أمر إخوانهم المقاتلين حتى يتلقوا الأوامر منه صلى الله عليه وسلم ،
نقول : إذا تأملت ذلك اتضحت حقيقة بارزة، ولاحت لك من ورائها ظاهرة هامة أخرى .
أما الحقيقة البارزة ، فهي البراعة العسكرية التي تتصف بها قيادته صلى الله عليه وسلم في الحروب ،فقد كان في مقدمة المخططين لفنون القتال وطرائقه ،ولا ريب أن الله تعالى قد جهزه بعبقرية نادرة في هذا المجال .ولكننا نقول : إن هذه العبقرية والبراعة إنما يأتي كل منهما من وراء نبوته ورسالته السماوية - فمركز النبوة والرسالة هو الذي اقتضاه صلى الله عليه وسلم أن يكون عبقرياً بارعاً في فنون الحرب وغيرها ، كما اقتضاه أن يكون معصوماً بعيداً عن كل انحراف وزلل0
وأما الظاهرة التي تلوح للمتأمل من خلال توصياته الدقيقة هذه لأصحابه عامة - وللرماة خاصة فهي ظاهرة ذات علاقة وثيقة بما قد تم بعد ذلك من خروج بعض أولئك الرماة على أوامره صلى الله عليه وسلم .فكأن النبي صلى الله عليه وسلم قد استشف بفراسة النبوة أو بوحي من الله تعالى هذا الذي قد حدث فيما بعد ، فراح يؤكد التوصيات والأوامر ، وكأنه في ذلك يُجري مع أصحابه مناورة حية مع عدوّ لهم هو النفس وأهواؤها وما تنطوي عليه من طمع في المال والغنائم ، والمناورة مهما كانت نتيجتها ، تفيد فائدة عظيمة -وربما كانت النتيجة السلبية أدعى للاستفادة من النتيجة الإيجابية.
سادساً: - أبو دجانة - الذي تناول السيف من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم بحقه ،أخذه وراح يتبختر بين الصفوف ،فما أنكر عليه رسول الله وإنما قال : ( إن هذه مشية يكرهها الله إلا في مثل هذا الموضع ) وهذا يدل على أن كل مظاهر الكبر المحرمة في الأحوال العامة- تزول حرمتها في حالات الحرب .فمن مظاهر الكبر المحرمة أن يسير المسلم في الأرض مرحاً متبختراً - ولكن ذلك في ميدان القتال أمر حسن وليس بمكروه .ومن مظاهر الكبر المحرمة تزيين البيوت أو الأواني والأقداح بالذهب أو الفضة .غير أن تزيين آلات الحرب وأسلحتها بالفضة غير ممنوع .فمظهر الكبر هنا إنما هو في حقيقته افتخار بعزة الإسلام على أعدائه .ثم هو معنى من معاني الحرب النفسية التي ينبغي أن لا تفوت المسلمين أهميتها.
سابعاً: - إذا تأملنا مدة الحرب التي استمرت بين المسلمين وأعدائهم في هذه الغزوة وجدناها تنقسم إلى شطرين:
الشطر الأول : -وفيه التزم المسلمون أماكنهم وأوامرهم التي كانوا قد تلقوها من قائدهم عليه الصلاة والسلام -فما الذي كان من ثمرة ذلك ؟ لقد سارع النصر إلى المسلمين ،وسارعت الهزيمة إلى صفوف المشركين ،وما هو إلا أن اكتسح الرعب أفئدة الآلاف الثلاثة فانحسروا عن أماكنهم وأخذوا يولون الأدبار ، وهذا الشطر هو الذي علقت عليه
الآية الكريمة في قوله تعالى : (ولقد صدقكم الله وعدهُ إذ تحسونهم بإذنه ).آل عمران .
الشطر الثاني: -وفيه أخذ المسلمون ينطلقون خلف المشركين ليجهزوا على من يدركونه منهم- وليأخذوا الغنائم والأسلاب ،وحينئذ نظر الرماة من فوق الجبل الذي كانوا يتمركزون فيه ، إلى إخوانهم وهم يضعون السيوف في أعدائهم اللائذين بالفرار ويعودون بالأموال والغنائم ، فرغب بعضهم أن يشتركوا معهم في الغنيمة - وخيلت إليهم هذه الرغبة أن الفترة الزمنية للأوامر التي تلقوها من رسول الله صلى الله عليه وسلم قد انتهت ، فهم في حل منها وهم في غنى عن انتظار إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم بمغادرة أماكنهم وهو اجتهاد خالفهم فيه بعض زملائهم وزفي مقدمتهم أميرهم عبد الله بن جبير ، ولكن أصحاب هذا الاجتهاد نزلوا وانطلقوا يشاركون في أخذ الغنائم . فما الذي كان من نتيجة ذلك ؟
لقد كان ـن انقلب الرعب الذي داهم أفئدة المشركين إلى استبسال جديد !... وكان أن تفتحت أسباب الحيلة والمكر لدى خالد بن الوليد الذي كان يولي هارباً ، فنظر حوله متأملاً ، فوجد الجبل المحصّن قد خلا من حماته وحراسه ، فلمعت الفكرة العسكرية في رأٍسه ، وما هو إلا أن استدار إلى الجبل مع من معه من المشركين ، فقتلوا من بقي ممن لم ينزل وأوجعوا المسلمين رامياً بالسهام من خلفهم .. وجاء الرعب هذه المرة ليغزو أفئدة المسلمين كما رأينا .وهذا الشطر من المعركة هو الذي علقت عليه الآية الكريمة في قوله تعالى :(حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر ، وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون ، منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ،هم صرفكم عنهم ليبتليكم )
آل عمران
وانظر !... كم كان وبال هذه الخطيئة جسيماً ، وكم كانت نتيجتها عامة!...
لقد عادت خطيئة أفراد قليلين في جيش المسلمين - بالوبال عليهم جميعاً ،بحيث لم ينج حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ،من نتائجها
وتلك هي سنة الله في الكون ،لم يمنعها من الاستمرار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم موجود في ذلك الجيش ،وأنه أحب الخلق إلى ربه جل جلاله.
فتأمل في نسبة خطيئة أولئك الأفراد، إلى أخطاء المسلمين المتنوعة اليوم - والمتعلقة بشتى نواحي حياتنا العامة والخاصة .تأمل هذا لتتصور مدى لطف الله بالمسلمين إذ لا يهلكهم بما تكسب أيدهم ، وبتقاعسهم حتى عن أداء واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاجتماع في كلمة واحدة على ذلك.
وإذا تأملت هذا علمت الجواب عن سؤال بعضهم اليوم ،عن الحكمة من أن الشعوب الإسلامية تظل مغلوبة على أمرها - أمام الدول الباغية الأخرى ، على الرغم من أن هؤلاء كفرة وأولئك مسلمين.
ثامناً : -لقد رأينا أن النبي صلى الله عليه وسلم أوذي كثيراً في هذه الفترة - فوقع لشقه ،وشجّ رأسه ،وكُسرت رباعيته ،وساح الدم غزيراً في وجهه ،وكل ذلك جزء من نتائج تلك الخطيئة ...خطيئة أولئك المسلمين في الخروج على أوامر القائد .ولكن ما الحكمة في أن يشيع خبر مقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفوف المسلمين ؟!
والجواب : أن ارتباط المسلمين برسول الله صلى الله عليه وسلم ووجوده فيما بينهم كان له من القوة بحيث لم يكونوا يتصورون فراقه
ولم يكونوا يتخيلون قدرة لهم على التماسك من بعده ،فكان أمر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً لا يخطر لهم في بال ، وكأنهم كانوا يُسقطون حساب ذلك من أذهانهم ، ولا ريب أنهم لو استيقظوا من غفلتهم هذه على خبر وفاته الحقيقة ، لصدّع الخبر أفئدتهم ولزعزع
كيانهم الإيماني بل لقّوضه في نفوس كثير منهم.
فكان من الحكمة الباهرة أن تشيع هذه الشائعة ، تجربة درسية بين تلك الدروس العسكرية العظيمة ، كي يستفيق المسلمون من ورائها إلى الحقيقة التي ينبغي أن يوطنوا أنفسهم لها منذ الساعة - وأن لا يرتدوا على أعقابهم إذا وجدوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اختفى مما بينهم.
ومن أجل بيان هذا الدرس الجليل نزلت الآية تعليقاً على ما أصاب كثيراً من المسلمين من ضعف وتراجع لدى سماعهم نبأ مقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم .وذلك إذ يقول الله تعالى :
( وما محمد إلا رسول ،قد خلت من قبله الرسل، أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ؟ ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً ، وسيجزي الله الشاكرين ) آل عمران.
ولقد اتضح الأثر الإيجابي لهذا الدرس ، يوم أن لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلاً بالرفيق الأعلى ، فقد كانت شائعة أحُد هذه مع ما نزل بسببها من القرآن - هي التي أيقظت المسلمين ونبهتهم إلى الحقيقة ، فودعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقلوبهم الحزينة ، ثم رجعوا إلى الأمانة التي تركها بين أيديهم ، أمانة الدعوة والجهاد في سبيل الله ، فنهضوا بها أقوياء بأيمانهم أشداء في عقيدتهم وتوكلهم على الله تعالى .
تاسعاً:ولنتأمل في وقع الموت على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم من حوله يحمونه بأجسادهم من نبال المشركين وضرباتهم ،يتساقطون الواحد منهم إثر الآخر تحت وابل السهام ، وهم في نشوة عارمة وحرص حريص على حفظ حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا يبالون بغير ذلك !..فما هو مصدر هذه التضحية العجيبة ؟.
إنه الإيمان بالله ورسوله أولاً ، ثم محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثانياً ، فهما معاً سبب هذه التضحية الرائعة العجيبة . والمسلم يحتاج إليهما معاً لا يكفيه أن يدعي الإيمان بما ينبغي الإيمان به من أمور العقيدة ، حتى يمتلئ قلبه بمحبة الله ورسوله أيضاً ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين )
وبيان ذلك أن الله عز وجل قد غرس في الإنسان عقلاً وقلباً . أما الأول فلكي يفكر به فيؤمن بما يجب الإيمان به . وأما الثاني فلكي يستعمله في محبة من أمر الله بمحبته وبغض من أمر ببغضه . وإذا فاض القلب بمحبة الله ورسوله والصالحين من عباده فسيمتلئ ولا بد بمحبة الشهوات والأهواء والمحرمات . وإذا فاض القلب بمحبة الشهوات والأهواء فهيهات أن يصبح الاعتقاد وحده حاملاً لصاحبه على أي عمل من أعمال التضحية أو الفداء .
هذه المحبة بل هذا الهوى المستحوذ على قلوب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي جعلهم يمدون نحورهم دون نحر رسول الله ويعانقون الموت في سيبل حفظ حياته عليه الصلاة والسلام .وكم في غزوة أحُد من المشاهد الرائعة التي تكشف عن أثر هذه المحبة إذ تغمر قلب صاحبها .
روى ابن هشام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه : { من رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع أفي الأحياء هو أم في الأموات ؟ فقال رجل من الأنصار : أنا أنظر لك يا رسول الله ما فعل سعد .فتظر فإذا هو جريح في القتلى وبه رمق فقال له : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أنظر أفي الأحياء أنت أم في الأموات !..
قال : أنا في الأموات - فأبلغ رسول الله عني السلام وقل له : إن السعد بن الربيع يقول لك : جزاك الله عنا خير ما جزى نبياً عن أمته ، وأبلغ قومك عني السلام وقل لهم : إن سعد بن الربيع يقول لكم :إنه لا عذر لكم عند الله إن خلُص إلى نبيكم صلى الله عليه وسلم وفيكم عين تطرف
قال الأنصاري : فلم أبرح حتى مات } .
ويوم تمتلئ أفئدة المسلمين في عصرنا هذا بنحو من هذه المحبة ، بحيث تبعدهم قيلاً عن شهواتهم وأنانيتهم ، وتتغلب عليها - أقول : يوم يحدث هذا في أفئدة المسلمين فإنهم يصبحون خلقاً آخر جديداً - وسينتزعون انتصارهم من بين شدقي الموت وسيتغلبون على أعدائهم
مهما كانت العقبات والسدود.
وإذا سألت عن السبيل إلى مثل هذه المحبة - فاعلم أنها في كثرة الذكر
وكثرة الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم - وفي كثرة التأمل
والتفكر في آلاء الله ونعمة عليك -وفي سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخلاقه وشمائله ، وهذا كله بعد الاستقامة على العبادات في خشية وحضور ، والتبتل إلى الله عز وجل بين الحين والآخر.
عاشراً : - وقد رأينا فيما يرويه البخاري رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بدفن قتلى المسلمين بدمائهم ولم يصلّ عليهم
وجمع بين الرجلين في قبر واحد ، وقد استدل من ذلك العلماء أن الشهيد في معركة الجهاد لا يغسل ولا يصلى عليه ،بل يدفن بدمائه .قال الشافعي رضي الله عنه : جاءت الأحاديث من وجوه متواترة أنه لم يصل عليهم ، وأما ما روي أنه صلى الله عليه وسلم صلى عليهم عشرة عشرة ،وفي كل عشرة حمزة ، حتى صلى عليه سبعين مرة فضعيف وخطأ ( راجع مغني المحتاج ) .كما استدلوا بذلك أيضاُ على أنه يجوز عند الضرورة الجمع بين أكثر من واحد في القبر ، أما بدون ضرورة فلا يجوز.
حادي عشر : - وإذا تأملنا فيما أقدم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه فور عودتهم إلى المدينة من الخروج ثانية للحاق بالمشركين - اتضح لنا درس معركة أحُد اتضاحاً كاملاً، وتبين لنا كل من نتيجتيها : السلبية والإيجابية ،وظهر لنا بما لا يدع مجالاً للتوهم أن النصر إنما يكون مع الصبر وإطاعة أوامر القائد الصالح واستهداف القصد الديني المجرد.
فقد رأينا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكد يؤذّن في الناس للخروج مرة أخرى لطلب العدوّ- حتى تجمع أولئك الذين كانوا معه بالأمس ،من بعد ما أصابهم القرح وأنهكتهم الجروح و الآلام ،ولم يسترح أحد منهم بعد في بيته أو يفرغ للنظر في حاله وجسمه ،وانطلقوا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتغون المشركين الذين لم تخمد بعد في رؤوسهم جذوة النشوة بالنصر .ولم يكن فيهم هذه المرة من يطمع في غنيمة أو عرض دنيوي ، وإنما هو التطلع إلى النصر أو الاستشهاد في سبيل الله
وهم يسوقون بين يدي ذلك جراحاتهم الدامية ،وقروحهم المؤلمة .
فما الذي كان من نتيجة ذلك ؟
لا نشوة الظفر أو لذة الانتصار ربطت على قلوب المشركين ليتمموا نصرهم والتغلب على خصومهم ، ولا وقع الهزيمة و آلام الجروح الكثيفة في المسلمين حال شيء من ذلك دون إقدامهم وانتصارهم.
وكيف كان السبيل ؟ ....
لقد كان السبيل إلى ذلك آية إلهية خارقة لتتمم الدرس والموعظة للمسلمين ، وقع الرعب فجأة في قلوب المشركين وتصوروا كما أخبرهم صاحبهم الذي كان قد لمح المسلمين عن بعد - أن محمداً صلى الله عليه وسلم وصحبه قد جاؤوا هذه المرة ومعهم الموت المؤكد لينثروه فيما بينهم- فارتدوا على أعقابهم بعد أن كانوا متجهين صوب المدينة ، وانطلقوا سراعاً إلى مكة لا يلوون على شيء !..
أما كيف داخلهم هذا الرعب الغريب من المسلمين ،وهم الذين كسروا شوكتهم ووضعوا السيف فيهم قبل ساعات فقط من الزمن ، فمردّ ذلك إلى الإرادة الإلهية التي جعلت من هذه الموقعة كلها درساً بليغاً للمسلمين ، جمع بين كلا مظهر به الإيجابي والسلبي في آن واحد.
وفي هذا الختام الأخير المتمم لموعظة أحُد نزل قوله تعالى :
( الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح ،للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم ،الذين قال لهم إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ، فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم ) آل عمران ..........
..........