aldps61
03-07-2009, 06:21 PM
الأساس الأول ( بناء المسجد )
لقد كانت هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة - تعني نشأة أول دار إسلام إذ ذاك على وجه الأرض - وقد كان ذلك إيذاناً بظهور الدولة الإسلامية بإشراف منشئها الأول محمد عليه الصلاة والسلام .
ولذا فقد كان أول عمل قام به الرسول صلى الله عليه وسلم -أن أقام الأسس الهامة لهذه الدولة ولقد كانت هذه الأسس ممثلة في هذه الأعمال الثلاثة التالية
أولاً : بناء المسجد
ثانياً : المؤاخاة بين المسلمين عامة والمهاجرين والأنصار خاصة .
ثالثا: كتابة وثيقة ( دستور ) حددت نظام حياة المسلمين فيما بينهم وأوضحت علاقتهم
مع غيرهم بصورة عامة واليهود خاصة.
أولاً ..بناء المسجد
قلنا فيما مضى : إن ناقته صلى الله عليه وسلم بركت في موضع كان لغلامين يتيمين من الأنصار - وكان أسعد بن زرارة قد اتخذه مصلى قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم
إلى المدينة -فكان يصلّي بأصحابه فيه .فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبنى ذلك
الموضع مسجداً ودعا الغلامين -وكانا في كفالة أسعد بن زرارة رضي الله عنه - فسام رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه فقالا : بل نهبه لك يا رسول الله -فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ابتاعه منهما .
وكان فيه شجر غرقد ونخل وقبور قديمة لبعض المشركين - فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم -بالقبور فنبشت وبالنخيل والشجر فقطعت - وصفت في قبلة المسجد وجعل طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مئة ذراع وفي الجانبين مثل ذلك أو دونه -ثم بنوه باللبن
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يباشر البناء مع أصحابه وينقل معهم الحجارة بنفسه
وجعل قبلته إلى بيت المقدس -وجعل عمده الجذوع وسقفه بالجريد وقيل له : ألا نسقفه ؟
فقال : عريش كعريش موسى : خشيبات وثمام - نبت ضعيف قصير -الشأن أعجل من ذلك ( طبقات ابن سعد ) أما أرضه فقد مفروشة بالرمال والحصباء .
وروى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي حيث أدركته الصلاة ويصلي في مرابض الغنم - قال : ثم إنه أمر ببناء المسجد ، فأرسل إلى ملأ من بني النجار فجاؤوا -فقال : يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا فقالوا : لا والله لا نطلب
ثمنه إلا إلى الله ،فقال أنس : فكان فيه ماأقول لكم : كانت فيه خرب وكان فيه نخل .فأمر
رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المشركين فنبشت ثم بالخرب فسويت وبالنخل فقطع
قال : فصفوا النخل قبلة المسجد قال :وجعلوا عضاديته حجارة وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون ورسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول : اللهم لا خير إلا خير الآخرة فانصر الأنصار والمهاجرة .
وقد ظل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الشكل دون أي زيادة أو تغير فيه مدة خلافة أبي بكر رضي الله عنه ، ثم زاد فيه عمر رضي الله عنه بعض التحسين .ولكنه بناه على بنائه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم باللبن والجريد وأعاد عمده خشباً .ثم غيره عثمان رضي الله عنه ، فزاد فيه زيادة كبيرة وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة ( الجص )
الدلائل والعبر
نأخذ من هذا الذي ذكرناه دلائل هامة
1--- مدى أهمية المسجد في المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية
فقد أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمجرد وصوله إلى المدينة المنورة واستقراره فيها، على إقامة مجتمع إسلامي راسخ متماسك -يتألف من هؤلاء المسلمين -الأنصار والمهاجرين الذين جمعتهم المدينة المنورة .فكان أول خطوة قام بها في سبيل هذا الأمر
بناء المسجد .ولا غرو ولا عجب فإن إقامة المسجد أول وأهم ركيزة في بناء المجتمع الإسلامي -ذلك أن المجتمع المسلم يكتسب صفة الرسوخ والتماسك بالتزام نظام الإسلام
وعقيدته وآدابه .وإنما ينبع ذلك كله من روح المسجد ووحيه .
إن نظام الإسلام وآدابه شيوع آصرة الأخوة والمحبة بين المسلمين -ولكن شيوع هذه الآصرة لا يتم إلا في المجسد ،فما لم يتلاق المسلمون يومياً على مرات متعددة في بيت من بيوت الله ، وقد تساقطت مما بينهم فوارق الجاه والمال والاعتبار - لا يمكن لروح التآلف والتآخي أن تؤلف بينهم .
إن نظام الإسلام وآدابه - أن تشيع روح المساواة والعدل فيما بين المسلمين في مختلف شؤونهم وأحوالهم .ولكن شيوع هذه الروح لا يمكن أن يتم ما لم يتلاق المسلمون كل يوم صفاً واحداً بين يدي الله عز وجل وقد وقفوا على صعيد مشترك من العبودية له - وتعلقت
قلوبهم بربهم الواحد جل جلاله ومهما انصرف كل مسلم إلى بيته يعبد الله ويركع له ويسجد دون وجود ظاهرة الاشتراك والاجتماع في العبادة - فإن معنى العدالة والمساواة لن يتغلب في المجتمع على معاني الأثرة والتعالي والأنانية .
وإن نظام الإسلام وآدابه - أن ينصهر أشتات المسلمين في بوتقة من الوحدة الراسخة يجمعهم عليها حبل الله الذي هو حكمه وشرعه -ولكن ما لم تقم في أنحاء المجتمع مساجد
يجتمع فيها المسلمون على تعلم حكم الله وشريعته ليتمسكوا بها عن معرفة وعلم - فإن وحدتهم تؤول إلى شتات وسرعان ما تفرقهم عن بعضهم الشهوات والأهواء .
فمن أجل تحقيق هذه المعاني كلها في مجتمع المسلمين ودولتهم الجديدة - أسرع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل كل شيء فبادر إلى بناء المسجد.
2---حكم التعامل مع من لم يبلغوا سن الرشد من الأطفال والأيتام :
استدل بعض الفقهاء وهم الحنفية بهذا الحديث على صحة تصرف غير البالغ ( إعلام الساجد ) ووجه الدلالة على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى المربد من الغلامين اليتيمين بعد أن ساومهما -ولو لم يصح تصرفهما لما اشترى منهما.
غير أن الذين ذهبوا إلى عدم صحة تصرف غير البالغ سن الرشد -وهم جمهور الفقهاء- استدلوا بقوله تعالى : ( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده ) الأنعام
أما حديث شراء المربد فيجاب عنه بجوابين :
أولهما .. أنه جاء في رواية ابن عيينة أن النبي صلى الله عليه وسلم كلم عمهما اللذين كانا في حجره وكفالته وابتاعه منهما بواسطته ( فتح الباري بشرح البخاري ) فلا حجة فيه لما ذهب إليه الحنفية .
ثانيهما :.. أن النبي صلى الله عليه وسلم ولاية في مثل هذه الأمور -وأنه عليه الصلاة والسلام إنما اشترى الأرض منهما بوصف كونه ولياً عاماً لجميع المسلمين -لا يوصف كونه فرداً منهم ...
3:...جواز نبش القبور الدارسة ،واتخاذ موضعها مسجداً إذا نظفت وطابت أرضها .:
ذكر الإمام النووي تعليقاً على هذا الحديث فقال : فيه جواز نبش القبور الدارسة وأنه إذا أزيل ترابها المختلط بصديدهم ودمائهم جازت الصلاة في تلك الأرض - وجواز اتخاذ موضعها مسجداً إذا طيبت أرضه .
كما أن الحديث يدل على أن الأرض التي دفن فيها الموتى ودرست - يجوز بيعها وأنها باقية على ملك صاحبها وورثته من بعده إذا لم توقف . وقد قال علماء السيرة عن تلك القبور التي كانت في المربد أنها كانت قبوراً قديمة دارسة - فلا يتأتى فيها تصور الصديد والدم ، ومع ذلك فقد نبشت وأزيل ما فيها من بقايا.
قلنا : ومحل جواز نبش القبور الدارسة واتخاذ أرضها مسجداً ،إذا لم تكن الأرض وقفاً ،
أما إذا كانت كذلك فلا يجوز تحويلها إلى شيء آخر غير ما وقفت له .
4--- حكم تشييد المساجد ونقشها وزخرفتها .....
والتشييد أن تقام عمارة المسجد بالحجارة وشبهها مما يزيد في قوة بنائه ومتانة سقفه وأركانه -والنقش والزخرفة ما جاوز أصل البناء من شتى أنواع الزينة .
فأما التشييد فقد أجازه واستحسنه العلماء عامة - بدليل ما فعله عمر وعثمان رضي الله عنهما من إعادة بناء مسجده عليه الصلاة والسلام - وهو وإن كان شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم - إلا أن عدم فعله لم يدل على المفهوم المخالف .أي المنع من التشييد والتقوية - إذ لا يتعلق بهما وصف يخل بالحكمة التي من أجلها شرع بناء المساجد
بل إن في ذلك زيادة في العناية والاهتمام بشعائر الله تعالى .واستدل العلماء أيضاُ على ذلك
بقوله تعالى : ( إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ) التوبة
والعمارة إنما تكون بالتشييد وتقوية البناء والعناية به .
وأما النقش والزخرفة - فقد أجمع العلماء على كراهتهما ثم هم في ذلك بين محرم ومكره كراهة تنزيه ، غير أن الذين قالوا بالحرمة والذين قالوا بالكراهة اتفقوا على أنه يحرم صرف المال الموقوف لعمارة المساجد على شيء من الزخرفة والنقش -أما إذا كان المال المصروف على ذلك من الباني نفسه فيرد الخلاف فيه - وقد ذكر الزركشي نقلاً عن الأمام البغوي أنه لا يجوز نقش المسجد من غلة الوقف - ويغرم القيم إن فعله -فلو فعله رجل بماله كره لأنه يشغل قلب المصلين .
والفرق بين عموم التشييد وخصوص الزخرفة والنقش واضح.
فالأول كما ذكرنا لا يترتب عليه وصف أو معنى يخل بالحكمة التي من أجلها شرع بناء المسجد .أما الزخرفة والنقش فإن كلاّ منهما يترتب عليه معنى يخل بالحكمة - إذ من شأته صرف قلوب المصلين عن الخشوع والتدبر وشغلها بمظاهر الدنيا ،على حين يقصد من الدخول في المسجد الهرب من التصورات الدنيوية وتفريغ البال من زينتها ومغرياتها.
وهذا ما نبه إليه عمر رضي الله عنه .فقد روى البخاري في صحيحه أنه أمر ببناء مسجد فقال : ( أكن الناس من المطر وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس )
وقد اختلف العلماء في كتابة آية من القرآن في قبلة المسجد هل هي داخلة في النقش الممنوع أم لا ؟ يقول الزركشي في كتابه إعلام الساجد : ( ويكره أن يكتب في قبلة المسجد آية من القرآن أو شيئاً منه ، قال مالك وجوزه بعض العلماء ، وقال : لا بأس به - لما روي من فعل عثمان ذلك بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكر ذلك عليه ..
ومما ذكرناه يتبين لك خطأ ما يعمد إليه كثير ممن يهتمون بتعمير المساجد وتشييدها اليوم
حيث ينصرفون بكل جهودهم إلى التفنن في تزيينها ونقشها وإضفاء مختلف مظاهر الأبهة عليها - حتى أن الداخل إليها لا يكاد يستشعر أي معنى من ذل العبودية لله عز وجل
وإنما يستشعر ما ينطق به لسان حالها من الافتخار بما ارتقى إليه فن الهندسة المعمارية وفنون الزخرفة العربية .
ومن أسوأ نتائج هذا التلاعب الشيطاني ببسطاء المسلمين -أن الفقراء لم يعودوا يستطيعون أن يتهربوا من مظاهر الإغراء الدنيوي إلى أي جهة - لقد كان في المساجد ما يعزي الفقير بفقره ويخرجه من جو الدنيا وزخرفها إلى الآخرة وفضلها - فأصبحوا يجدون حتى في مظهر هذه المساجد ما يذكرهم بزخارف الدنيا التي حرموها ويشعرهم بنكد الفقر وأوضاره.
فيالله ماأسوأ ما وقع فيه المسلمون من هجران لحقائق إسلامهم وانشغال بمظاهر كاذبة ظاهرها الدين وباطنها الدنيا بكل ما فيها من شهوات وأهواء.
الأساس الثاني ( الأخوة بين المسلمين )
ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم آخى بين أصحابه من المهاجرين والأنصار ،آخى بينهم على الحق والمساواة ، وعلى أن يتوارثوا بينهم بعد الممات ، بحيث يكون أثر الأخوة الإسلامية في ذلك أقوى من أثر قرابة الرحم .
فجعل جعفر بن أبي طالب ومعاذ بن جبل أخوين ، وجعل حمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة أخوين ، وجعل أبا بكر الصديق رضي الله عنه وخارجة بن زهير أخوين ، وعكر بن الخطاب وعتبان بن مالك أخوين ، وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن ربيع أخوين ... وهكذا ....
ثم ربط النبي صلى الله عليه وسلم هذا التآخي بين أفراد الصحابة بنطاق عام من الأخوة والموالاة ، كما سنجد فيما بعد .
وقد قامت هذه الأخوة على أسس مادية أيضاً وكان حكم التوارث فيما بينهم من بعض الظواهر المادية . وظلت حقوق هذا الإخاء
مقدمة على حقوق القرابة إلى موقعة بدر الكبرى ،حيث نزل في أعقابها قوله تعالى :(وأولو الأرْحام بعضُهُمْ أَولى ببَعْضٍ في كتاب الله أنّ الله بكلّ شيءٍ عليمٌ ) [ الأنفال ] ، فنسخت هذه الآية ما كان قبلها وانقطع أثر المؤاخاة الإسلامية في الميراث ، ورجع كل إنسان في ذلك إلى نسبه وذوي رحمه ، أصبح المؤمنون كلهم إخوة .
روى البخاري عن ابن عباس قال : (كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم فلما نزلت ( ولكل جعلنا موالي ) نسخت ثم قال :( والذين عقدت أيمانكم ) النساء - أي من النصر والرفادة والنصيحة . وقد ذهب الميراث ( رواه البخاري في كتاب التفسير )
الدلائل والعبر :
وهذا هو الأساس الثاني الذي اعتمده رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل بناء المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية .وإن أهمية هذا الأساس تظهر في الجوانب التالية :
أولاً --- إن أي دولة لا يمكن أن تنهض وتقوم إلا على أساس من وحدة الأمة وتساندها ولا يمكن لكل من الوحدة والتساند أن يتم بغير عامل التآخي والمحبة المتبادلة .فكل جماعة لا تؤلف بينها آصرة المودة والتآخي الحقيقة - لايمكن أن تتحد حول مبدأ ما ، وما لم يكن الاتحاد حقيقة قائمة في الأمة أو الجماعة فلا يمكن أن تتألف منها دولة.
على أن التآخي أيضاً لا بد أن يكون مسبوقاً بعقيدة يتم اللقاء عليها والإيمان بها فالتآخي بين شخصين يؤمن كل منهما بفكرة أو عقيدة مخالفة للأخرى - خرافة ووهم خصوصاً إذا كانت تلك الفكرة أو العقيدة مما يحمل صاحبها على سلوك معين في الحياة العملية .
ومن أجل ذلك - فقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أساس الأخوة التي جمع عليها أفئدة أصحابه ، العقيدة الإسلامية التي جاءهم بها من عند الله تعالى والتي تضع الناس كلهم في مصاف العبودية الخالصة لله تعالى دون الاعتبار لأي فارق إلا فارق التقوى والعمل الصالح -إذ ليس من المتوقع أن يسود الإخاء والتعاون والإيثار بين أناس شتتهم العقائد والأفكار المختلفة فأصبح كل منهم ملكاً لأنانيته وأثرته وأهوائه .
ثانياً ---- إن المجتمع -أي مجتمع - إنما يختلف عن مجموعة ما الناس منتثرة متفككة ،
بشيء واحد ،هو قيام مبدأ التعاون ولتناصر فيما بين أشخاص هذا المجتمع ،وفي كل نواحي الحياة ومقوماتها، فإن كان هذا التعاون ولتناصر قائمين طبق ميزان العدل والمساواة فيما بينهم ،فذالك هو المجتمع العادل السليم ،وإن كانا قائمين على الحيف والظلم ،فذلك هو المجتمع الظالموالمنحرف0
وإذا كان المجتمع السليم إنما يقوم على أساس من العدالة في الاستفادة من أسباب الحياة والرزق - فما الذي يضمن سلامة هذه العدالة وتطبيقها على خير وجه ؟
أن الضمانة الطبيعية والفطرية الأولى لذلك ، إنما هي التآخي والتآلف - يليها بعد ذلك ضمانة السلطة والقانون .
فمهما أرادت السلطة أن تحقق مبادئ العدالة بين الأفراد ، فإنها لا تتحقق ما لم تقم على
أساس من التآخي والمحبة فيما بينهم .بل إن هذه المبادئ لا تعدو أن تكون حينئذ مصدر
أحقاد وضغائن تشيع بين أفراد ذلك المجتمع ،ومن شأن الأحقاد والضغائن أن تحمل في طيها بذور الظلم والطغيان في أشد الصور والأشكال .
من أجل هذا - اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من حقيقة التآخي الذي أقامه بين المهاجرين والأنصار أساسا لمبادئ العدالة الاجتماعية التي قام على تطبيقها أعظم وأروع نظام اجتماعي في العالم .ولقد تدرجت مبادئ هذه العدالة فيما بعد بشكل أحكام وقوانين شرعية ملزمة -ولكنها كلها إنما تأسست وقامت على تلك الأرضية - الأولى ، ألا وهي الأخوة الإسلامية ولولا هذه الأخوة العظيمة ، التي تأسست بدورها على حقيقة العقيدة الإسلامية ،لما كان لتلك المبادئ أي أثر تطبيقي وإيجابي في شدّ أزر المجتمع الإسلامي ودعم كيانه.
ثالثاً : ----المعنى التفسيري الذي صاحب شعار التآخي :
لم يكن ما أقامه الرسول صلى الله عليه وسلم بين أصحابه من مبدأ التآخي مجرد شعار في كلمة أجراها على ألسنتهم - وإنما كان حقيقة عملية تتصل بواقع الحياة وبكل أوجه العلاقات القائمة بين الأنصار والمهاجرين .
ولذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الأخوة مسؤولية محققة فيما بينهم على خير وجه - وحسبنا دليلاً على ذلك ما قام به سعد بن الربيع الذي كان قد آخى الرسول
صلى الله عليه وسلم بينه وبين عبد الرحمن بن عوف ، إذ عرض على عبد الرحمن بن عوف أن يشركه في بيته وأهله وماله في قسمة متساوية ، ولكن عبد الرحمن بن عوف
شكره وطلب منه أن يرشده إلى سوق المدينة ليشتغل فيها - ولم يكن سعد بن الربيع منفرداً عن غيره من الأنصار فيما عرضه على أخيه كما قد يظن ،بل كان هذا شأن عامة الصحابة في علاقتهم وتعاونهم بعضهم مع بعض .خصوصاً بعد الهجرة وبعد أن آخى النبي صلى الله عليه وسلم فيما بينهم .
ولذلك أيضاً - جعل الله سبحانه وتعالى حق الميراث منوطاً بهذا التآخي ،دون حقوق القرابة والرحم .فقد كان من حكمة هذا التشريع أن تتجلى الأخوة الإسلامية حقيقة محسوسة في أذهان المسلمين -وأن يعلموا أن ما بين المسلمين من التآخي والمحبة ليس شعاراً وكلاماً مجردين -وإنما عي حقيقة قائمة ذات نتائج اجتماعية محسوسة يتكون منها أهم الأسس اللازمة لنظام العدالة الاجتماعية .
أما حكمة نسخ التوارث على أساس هذه الأخوة ،فيما بعد ، فهي أن نظام الميراث الذي استقر أخيراً - إنما هو نفسه قائم على أخوة الإسلام بين المتوارثين ، إذ لا توارث بين ذوي دينين مختلفين ، إلا أن الفترة الأولى من الهجرة وضعت كلاّ من الأنصار والمهاجرين
أمام مسؤولية خاصة من التعاون والتناصر والمؤانسة - بسبب مفارقة المهاجرين لأهلهم وتركهم ديارهم وأموالهم في مكة ونزولهم ضيوفاً على إخوانهم الأنصار في المدينة -فكان ما أقامه الرسول صلى الله عليه وسلم من التآخي بين أفراد المهاجرين والأنصار ضمانة لتحقيق هذه المسؤولية .ولقد كان مقتضى هذه المسؤولية أن يكون هذا
التآخي أقوى في حقيقته وأثرة من أخوة الرحم المجردة .
فلما استقر أمر المهاجرين في المدينة وتمكن الإسلام فيها - وغدت الروح الإسلامية هي وحدها العصب الطبيعي للمجتمع الجديد في المدينة -أصبح من المناسب انتزاع القالب الذي كان قد صب فيه نظام العلاقة بين المهاجرين والأنصار إثر التقائهم في المدينة ،إذ لا يخشى على هذا النظام بعد اليوم من التفكك والتميع في ظل الأخوة الإسلامية العامة وما يترتب عليها من المسؤوليات المختلفة .ولا ضير حينئذ أن يعود تأثير قرابة الرحم بين المسلمين من حيث كونها مؤثراً زائداً على قرابة الإسلام وأخوته .
ثم إن هذا التآخي الذي عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار كان مسبوقاً بمؤاخاة أخرى أقامها النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين في مكة .قال ابن عبد البر : ( كانت المؤاخاة مرتين مرة بين المهاجرين خاصة وذلك بمكة ومرة بين المهاجرين والأنصار ) --( انظر فتح الباري )........
وهذا يؤكد لنا أن مناط الأخوة وأساسها إنما هو رابطة الإسلام - غير أنها احتاجت إلى تجديد وتأكيد بعد الهجرةبسبب ظروفها وبسبب اجتماع المهاجرين والأنصار في دار واحدة .فهي ليست في الحقيقة شيئاً آخر غير الأخوة القائمة على أساس جامعة الإسلام ووحدة العقيدة ، وإنما هي تأكيد لها عن طريق التطبيق....
الأساس الثالث
كتابة وثيقة بين المسلمين وغيرهم
وهذا الأساس هو ما قام به النبي عليه الصلاة والسلام مما يتعلق بالقيمة الدستورية للدولة الجديدة .روى ابن هشام أن النبي عليه الصلاة والسلام لم تمضى له سوى مدة قليلة في المدينة حتى اجتمع له إسلام عامة أهل المدينة من العرب -ولم يبق دار من دور الأنصار إلا أسلم أهلها عدا أفراداً من قبيلة الأوس - فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاباً بين المهاجرين والأنصار وادع فيه اليهود وعاهدهم ، وأقرهم على دينهم وأموالهم وشرط لهم واشترط عليهم .
وقد ذكر ابن إسحاق هذا الكتاب بدون إسناد - وذكره ابن خيثمة فأسنده : حدثنا أحمد بن جناب أبو الوليد ،ثنا عيسى بن يونس ،ثنا كثير بن عبد الله بن عمرو المزني عن أبيه عن جده أن رسول الله عليه الصلاة والسلام كتب كتاباً بين المهاجرين والأنصار -فذكر نحو ما ذكره ابن إسحاق ( انظر عيون الأثر لابن سيد الناس ) - وذكره الإمام أحمد في مسنده فرواه عن سريج قال : حدثنا عباد عن حجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب كتاباً بين المهاجرين والأنصار ........إلخ ( انظر مسند أحمد . شرح البنا )
- -لن نأتي بنص الكتاب كله -فهو طويل - ولكن نجتزئ منه البنود الهامة بنصوصها الواردة في كتابه عليه الصلاة والسلام - كي نقف من ورائها على مدى القيمة الدستورية للمجتمع الإسلامي ودولته الناشئة في المدينة .
وهذه هي البنود مرتبة حسب ترتيبها في نص الكتاب نفسه :
1--- المسلمون من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أمة واحدة من دون الناس .
2--هؤلاء المسلمون جميعاً على اختلاف قبائلهم يتعاقلون بينهم ويفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين .
3--إن المؤمنين لا يتركون مُفرحاً بينهم أن يعطوه في فداء أو عقل ( المفرح أي المثقل بالديون الكثير العيال .)
4-- إن المؤمنين المتقين -على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين ، وأن أيدهم عليه جميعاً ولو كان ولد أحدهم ...( الدسيعة : العظيمة ،وهي في الأصل ما يخرج من حلق البعير إذا رغا .)
5-- لا يقتل مؤمن مؤمناً في كافر - ولا ينصر كافراً على مؤمن
6-- إن سلم المؤمنين واحدة -لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم .
7-- ذمة الله واحدة -يجير عليهم أدناهم ، والمؤمنون بعضهم موالي بعض دون الناس .
8--- لا يحل لمؤمن أقرّ بما في الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثاً أو أن يؤويه ، أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة لا يؤخذ منه صرف ولا عدل
9-- اليهود ينفقون مع اليهود ما داموا محاربين .
10---يهود بني عوف أمة مع المؤمنين - لليهود دينهم - وللمسلمين دينهم إلا من ظلم وأثم فإنه لا يهلك إلا نفسه وأهل بيته .
11---إن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم .وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة .
12--كل ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده ، فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد رسول الله .
13-- من خرج من المدينة أمن ومن قعد آمن ، إلا من ظلم و أثم .
14--- إن الله على أصدق ما في الصحيفة وأبره ،وإن الله جار لمن برّ واتقى.
الدلائل والعبر ...
لهذه الوثيقة دلالات هامه تتعلق بمختلف الأحكام التنظيمية للمجتمع الإسلامي .
ونلخصها فيما يلي:
1-- إن كلمة ( الدستور ) هي أقرب إطلاق مناسب في اصطلاح العصر الحديث على هذه الوثيقة - وهي إذا كانت بمثابة إعلان دستور فإنه شمل جميع ما يمكن أن يعالجه أي دستور حديث يعنى بوضع الخطوط الكلية الواضحة لنظام الدولة في الداخل والخارج ؛ أي فيما يتعلق بعلاقة أفراد بعضهم مع بعض ،وفيما يتعلق بعلاقة الدولة مع الآخرين.
وحسبنا هذا الدستور الذي وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بوحي من ربه واستكتبه أصحابه ،ثم جعله الأساس المتفق عليه فيما بين المسلمين وجيرانهم اليهود . حسبنا ذلك دليلاً على أن المجتمع الإسلامي قام منذ أول نشأته على أسس دستورية تامة وأن الدولة الإسلامية قامت - منذ أول بزوغ فجرها - على أتم ما قد تحتاجه الدولة من المقومات الدستورية والإدارية.وظاهر أن هذه المقومات ، أساس لابد منه لتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في المجتمع . إذ هي في مجموعها إنما تقوم على فكرة وحدة الأمة الإسلامية وما يتعلق بها من البنود التنظيمية الأخرى - ولا يمكن أن نجد أرضية يستقر عليها حكم الإسلام وتشريعه ما لم يقم هذا التنظيم الدستوري الذي أوجده رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على إنه في الوقت نفسه جزء من الأحكام الشرعية نفسها.
ومن هنا تسقط دعاوى أولئك الذين يغمضون أبصارهم وبصائرهم عن هذه الحقيقة البديهية -ثم يزعمون أن الإسلام ليس إلا ديناً قوامه ما بين الإنسان وربه ،وليس له من مقومات الدولة والتنظيم الدستوري شيء . وهي أحبولة عتيقة ، كان يقصد منها محترفو الغزو الفكري وأرقاء الاستعمار -أن يقيدوا بها الإسلام كي لا ينطلق فيعمل عمله في المجتمعات الإسلامية ولا يصبح له شأن قد يتغلب به على المجتمعات المنحرفة الأخرى .
إذ الوسيلة إلى ذلك محصورة في أن يكون الإسلام ديناً لا دولة - وعبادات مجردة - لا تشريعاً وقوانين وحتى لو كان الإسلام ديناً ودولة في الواقع -فينبغي أن ينقلب فيصبح غير صالح لذلك ولو بأكاذيب القول .
غير أن هذه الأحبولة تقطعت سريعاً -لسوء حظ أولئك المحترفين وأصبح الحديث عنها من لغو القول ومكشوف الحقد والضغائن .
ولكن مهما يكن ،فينبغي أن نقول -ونحن بصدد تحليل هذه البنود العظيمة :( إن مولد المجتمع الإسلامي نفسه إنما كان ضمن هيكل متكامل للدولة -وما تنزلت تشريعاته إلا ضمن قوالب من التنظيم الاجتماعي المتناسق من جميع جهاته وأطرافه - وهذه الوثيقة أكبر شاهد على ذلك ).
وهذا مع غض النظر عن قيمة الأحكام التشريعية نفسها من حيث إنها قطع وأجزاء إذا ضُمّت إلى بعضها تكوّن منها تنظيم متكامل لبناء دستوري وإداري عظيم .
2---إن هذه الوثيقة تدل على مدى العدالة التي اتسمت بها معاملة النبي صلى الله عليه وسلم لليهود ،ولقد كان بالإمكان أن تؤتي هذه المسألة العادلة ثمارها فيما بين المسلمين واليهود - لو لم تتغلب على اليهود طبيعتهم من حب للمكر والغدر والخديعة -فما هي إلا فترة وجيزة حتى ضاقوا ذرعاً بما تضمنته بنود هذه الوثيقة التي التزموا بها - فخرجوا على الرسول والمسلمين بألوان من الغدر والخيانة سنفصل الحديث عنها في مكانها المناسب إن شاء الله ،فكان المسلمون بذلك في حل مما التزموا به تجاههم ..
3-- دلت هذه الوثيقة على أحكام هامة في الشريعة الإسلامية نذكر منها ما يلي :
أولاً ---يدلنا البند الأول منها على أن الإسلام هو وحده الذي يؤلف وحدة المسلمين وهو وحده الذي يجعل منهم أمة واحدة - وعلى أن جميع الفوارق والمميزات فيما بينهم تذوب وتضمحل ضمن نطاق هذه الوحدة الشاملة ، نفهم هذا جلياً واضحاً من قوله عليه الصلاة والسلام :( المسلمون من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم 0 أمة واحدة من دون الناس ) وهو أول أساس لا بد منه لإقامة مجتمع إسلامي متماسك سليم .
ثانياً :-- يدلنا البند الثاني والثالث على أن من أهم سمات المجتمع الإسلامي ظهور معنى التكافل والتضامن فيما بين المسلمين بأجلى صورة وأشكاله ، فهم جميعاً مسؤولون عن بعضهم في شؤون دنياهم وآخرتهم .وإن عامة أحكام الشريعة الإسلامية إنما تقوم على أساس هذه المسؤولية- وتحدد الطرق التنفيذية لمبدأ التكافل والتضامن فيما بين المسلمين
ثالثاً :---يدل البند السابع على مدى الدقة في المساواة بين المسلمين لا من حيث أنها شعار براق المزينة والعرض- بل من حيث أنها ركن من الأركان الشرعية الهامة للمجتمع الإسلامي ، يجب تطبيقه بأدق وجه وأتم صورة - وحسبك مظهراً لتطبيق هذه المساواة بين المسلمين ما قرره النبي صلى الله عليه وسلم في هذا البند بقوله : ( ذمة الله واحدة ، يجير عليهم أدناهم ) ومعنى ذلك أن ذمة المسلم أياً كان محترمة - وجواره محفوظ لا ينبغي أن يجار عليه فيه ،فمن أدخل من المسلمين أحداً في جواره - فليس لغيره حاكماً أو محكوماً أن ينتهك حرمة جواره هذا ، والمرأة المسلمة لا تختلف في هذا عن الرجل إطلاقاً
فلجوارها -أيا كانت -من الحرمة ما لا يستطيع أي إنسان مهما علت رتبته وبلغت منزلته -وذلك بإجماع عامة العلماء ،وأئمة المذاهب - غير أنه يشترط لذلك شروط معينة ذكرها الفقهاء كأن لا تكون إجارة تضر بالمسلمين كإجارة جاسوس - وأن تكون لعد محصور ،وأن تكون لمدة محدودة بحيث لا تزيد على أربعة أشهر .( راجع مغني المحتاج )
روى الشيخان وغيرهما أن أم هانئ بنت أبي طالب ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح فقالت :( يا رسول الله زعم ابن أمي علي أنه قاتل رجلاً أجرته : فلان ابن هبيرة - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ ) .
وتستطيع أن تتأمل هذا فتعلم مدى الرفعة التي نالتها المرأة في حمى الإسلام وظله -وكيف أنها نالت كل حقوقها الإنسانية والاجتماعية كما نالها الرجل سواء بسواء مما لم يحدث نظيره في أمة من الأمم.
غير أن المهم أن تعلم الفرق بين هذه المساواة الإنسانية الرائعة التي أرستها شريعة الإسلام -والمظاهر التقليدية لها مما ينادي به عشاق المدينة الحديثة اليوم .تلك شريعة من المساواة الدقيقة القائمة على الفطرة الإنسانية الأصيلة -يتوخى منها سعادة الناس كلهم نساء ورجالاً ،أفراد وجماعات .وهذه نزوات حيوانية أصيلة - يتوخى من ورائها اتخاذ المرأة مادة تسلية ورفاهية للرجل على أوسع نطاق ممكن - دون أي نظر إلى شيء آخر ..
رابعاً:-- يدلنا البند الثاني عشر على أن الحكم العدل الذي لا يجوز للمسلمين أن يهرعوا إلى غيره -في سائر خصوماتهم وخلافاتهم وشؤونهم إنما هو شريعة الله تعالى وحكمه - وهو ما تضمنه كتاب الله تعالى وسنة رسوله .ومهما بحثوا عن الحلول لمشكلاتهم في غير هذا المصدر فهم آثمون ،معرضون أنفسهم للشقاء في الدنيا وعذاب الله تعالى في الآخرة.
تلك هي أربعة أحكام انطوت عليها هذه الوثيقة التي أقام عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم الدولة الإسلامية في المدينة المنورة - وجعلها منهاجاً لسلوك المسلمين في مجتمعهم الجديد - وإن فيها لأحكاماً هامة أخرى لا تخفى لدى التأمل والنظر فيها.
ومن تطبيق هذه الوثيقة والاهتداء بما فيها ،والتمسك بأحكامها - قامت تلك الدولة على أمتن ركن وأقوى أساس -ثم انتشرت قوية راسخة في شرق العالم وغربه تقدم للناس أروع ما عرفته الإنسانية من مظاهر الحضارة والمدينة الصحيحة ..............
لقد كانت هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة - تعني نشأة أول دار إسلام إذ ذاك على وجه الأرض - وقد كان ذلك إيذاناً بظهور الدولة الإسلامية بإشراف منشئها الأول محمد عليه الصلاة والسلام .
ولذا فقد كان أول عمل قام به الرسول صلى الله عليه وسلم -أن أقام الأسس الهامة لهذه الدولة ولقد كانت هذه الأسس ممثلة في هذه الأعمال الثلاثة التالية
أولاً : بناء المسجد
ثانياً : المؤاخاة بين المسلمين عامة والمهاجرين والأنصار خاصة .
ثالثا: كتابة وثيقة ( دستور ) حددت نظام حياة المسلمين فيما بينهم وأوضحت علاقتهم
مع غيرهم بصورة عامة واليهود خاصة.
أولاً ..بناء المسجد
قلنا فيما مضى : إن ناقته صلى الله عليه وسلم بركت في موضع كان لغلامين يتيمين من الأنصار - وكان أسعد بن زرارة قد اتخذه مصلى قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم
إلى المدينة -فكان يصلّي بأصحابه فيه .فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبنى ذلك
الموضع مسجداً ودعا الغلامين -وكانا في كفالة أسعد بن زرارة رضي الله عنه - فسام رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه فقالا : بل نهبه لك يا رسول الله -فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ابتاعه منهما .
وكان فيه شجر غرقد ونخل وقبور قديمة لبعض المشركين - فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم -بالقبور فنبشت وبالنخيل والشجر فقطعت - وصفت في قبلة المسجد وجعل طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مئة ذراع وفي الجانبين مثل ذلك أو دونه -ثم بنوه باللبن
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يباشر البناء مع أصحابه وينقل معهم الحجارة بنفسه
وجعل قبلته إلى بيت المقدس -وجعل عمده الجذوع وسقفه بالجريد وقيل له : ألا نسقفه ؟
فقال : عريش كعريش موسى : خشيبات وثمام - نبت ضعيف قصير -الشأن أعجل من ذلك ( طبقات ابن سعد ) أما أرضه فقد مفروشة بالرمال والحصباء .
وروى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي حيث أدركته الصلاة ويصلي في مرابض الغنم - قال : ثم إنه أمر ببناء المسجد ، فأرسل إلى ملأ من بني النجار فجاؤوا -فقال : يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا فقالوا : لا والله لا نطلب
ثمنه إلا إلى الله ،فقال أنس : فكان فيه ماأقول لكم : كانت فيه خرب وكان فيه نخل .فأمر
رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المشركين فنبشت ثم بالخرب فسويت وبالنخل فقطع
قال : فصفوا النخل قبلة المسجد قال :وجعلوا عضاديته حجارة وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون ورسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول : اللهم لا خير إلا خير الآخرة فانصر الأنصار والمهاجرة .
وقد ظل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الشكل دون أي زيادة أو تغير فيه مدة خلافة أبي بكر رضي الله عنه ، ثم زاد فيه عمر رضي الله عنه بعض التحسين .ولكنه بناه على بنائه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم باللبن والجريد وأعاد عمده خشباً .ثم غيره عثمان رضي الله عنه ، فزاد فيه زيادة كبيرة وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة ( الجص )
الدلائل والعبر
نأخذ من هذا الذي ذكرناه دلائل هامة
1--- مدى أهمية المسجد في المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية
فقد أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمجرد وصوله إلى المدينة المنورة واستقراره فيها، على إقامة مجتمع إسلامي راسخ متماسك -يتألف من هؤلاء المسلمين -الأنصار والمهاجرين الذين جمعتهم المدينة المنورة .فكان أول خطوة قام بها في سبيل هذا الأمر
بناء المسجد .ولا غرو ولا عجب فإن إقامة المسجد أول وأهم ركيزة في بناء المجتمع الإسلامي -ذلك أن المجتمع المسلم يكتسب صفة الرسوخ والتماسك بالتزام نظام الإسلام
وعقيدته وآدابه .وإنما ينبع ذلك كله من روح المسجد ووحيه .
إن نظام الإسلام وآدابه شيوع آصرة الأخوة والمحبة بين المسلمين -ولكن شيوع هذه الآصرة لا يتم إلا في المجسد ،فما لم يتلاق المسلمون يومياً على مرات متعددة في بيت من بيوت الله ، وقد تساقطت مما بينهم فوارق الجاه والمال والاعتبار - لا يمكن لروح التآلف والتآخي أن تؤلف بينهم .
إن نظام الإسلام وآدابه - أن تشيع روح المساواة والعدل فيما بين المسلمين في مختلف شؤونهم وأحوالهم .ولكن شيوع هذه الروح لا يمكن أن يتم ما لم يتلاق المسلمون كل يوم صفاً واحداً بين يدي الله عز وجل وقد وقفوا على صعيد مشترك من العبودية له - وتعلقت
قلوبهم بربهم الواحد جل جلاله ومهما انصرف كل مسلم إلى بيته يعبد الله ويركع له ويسجد دون وجود ظاهرة الاشتراك والاجتماع في العبادة - فإن معنى العدالة والمساواة لن يتغلب في المجتمع على معاني الأثرة والتعالي والأنانية .
وإن نظام الإسلام وآدابه - أن ينصهر أشتات المسلمين في بوتقة من الوحدة الراسخة يجمعهم عليها حبل الله الذي هو حكمه وشرعه -ولكن ما لم تقم في أنحاء المجتمع مساجد
يجتمع فيها المسلمون على تعلم حكم الله وشريعته ليتمسكوا بها عن معرفة وعلم - فإن وحدتهم تؤول إلى شتات وسرعان ما تفرقهم عن بعضهم الشهوات والأهواء .
فمن أجل تحقيق هذه المعاني كلها في مجتمع المسلمين ودولتهم الجديدة - أسرع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل كل شيء فبادر إلى بناء المسجد.
2---حكم التعامل مع من لم يبلغوا سن الرشد من الأطفال والأيتام :
استدل بعض الفقهاء وهم الحنفية بهذا الحديث على صحة تصرف غير البالغ ( إعلام الساجد ) ووجه الدلالة على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى المربد من الغلامين اليتيمين بعد أن ساومهما -ولو لم يصح تصرفهما لما اشترى منهما.
غير أن الذين ذهبوا إلى عدم صحة تصرف غير البالغ سن الرشد -وهم جمهور الفقهاء- استدلوا بقوله تعالى : ( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده ) الأنعام
أما حديث شراء المربد فيجاب عنه بجوابين :
أولهما .. أنه جاء في رواية ابن عيينة أن النبي صلى الله عليه وسلم كلم عمهما اللذين كانا في حجره وكفالته وابتاعه منهما بواسطته ( فتح الباري بشرح البخاري ) فلا حجة فيه لما ذهب إليه الحنفية .
ثانيهما :.. أن النبي صلى الله عليه وسلم ولاية في مثل هذه الأمور -وأنه عليه الصلاة والسلام إنما اشترى الأرض منهما بوصف كونه ولياً عاماً لجميع المسلمين -لا يوصف كونه فرداً منهم ...
3:...جواز نبش القبور الدارسة ،واتخاذ موضعها مسجداً إذا نظفت وطابت أرضها .:
ذكر الإمام النووي تعليقاً على هذا الحديث فقال : فيه جواز نبش القبور الدارسة وأنه إذا أزيل ترابها المختلط بصديدهم ودمائهم جازت الصلاة في تلك الأرض - وجواز اتخاذ موضعها مسجداً إذا طيبت أرضه .
كما أن الحديث يدل على أن الأرض التي دفن فيها الموتى ودرست - يجوز بيعها وأنها باقية على ملك صاحبها وورثته من بعده إذا لم توقف . وقد قال علماء السيرة عن تلك القبور التي كانت في المربد أنها كانت قبوراً قديمة دارسة - فلا يتأتى فيها تصور الصديد والدم ، ومع ذلك فقد نبشت وأزيل ما فيها من بقايا.
قلنا : ومحل جواز نبش القبور الدارسة واتخاذ أرضها مسجداً ،إذا لم تكن الأرض وقفاً ،
أما إذا كانت كذلك فلا يجوز تحويلها إلى شيء آخر غير ما وقفت له .
4--- حكم تشييد المساجد ونقشها وزخرفتها .....
والتشييد أن تقام عمارة المسجد بالحجارة وشبهها مما يزيد في قوة بنائه ومتانة سقفه وأركانه -والنقش والزخرفة ما جاوز أصل البناء من شتى أنواع الزينة .
فأما التشييد فقد أجازه واستحسنه العلماء عامة - بدليل ما فعله عمر وعثمان رضي الله عنهما من إعادة بناء مسجده عليه الصلاة والسلام - وهو وإن كان شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم - إلا أن عدم فعله لم يدل على المفهوم المخالف .أي المنع من التشييد والتقوية - إذ لا يتعلق بهما وصف يخل بالحكمة التي من أجلها شرع بناء المساجد
بل إن في ذلك زيادة في العناية والاهتمام بشعائر الله تعالى .واستدل العلماء أيضاُ على ذلك
بقوله تعالى : ( إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ) التوبة
والعمارة إنما تكون بالتشييد وتقوية البناء والعناية به .
وأما النقش والزخرفة - فقد أجمع العلماء على كراهتهما ثم هم في ذلك بين محرم ومكره كراهة تنزيه ، غير أن الذين قالوا بالحرمة والذين قالوا بالكراهة اتفقوا على أنه يحرم صرف المال الموقوف لعمارة المساجد على شيء من الزخرفة والنقش -أما إذا كان المال المصروف على ذلك من الباني نفسه فيرد الخلاف فيه - وقد ذكر الزركشي نقلاً عن الأمام البغوي أنه لا يجوز نقش المسجد من غلة الوقف - ويغرم القيم إن فعله -فلو فعله رجل بماله كره لأنه يشغل قلب المصلين .
والفرق بين عموم التشييد وخصوص الزخرفة والنقش واضح.
فالأول كما ذكرنا لا يترتب عليه وصف أو معنى يخل بالحكمة التي من أجلها شرع بناء المسجد .أما الزخرفة والنقش فإن كلاّ منهما يترتب عليه معنى يخل بالحكمة - إذ من شأته صرف قلوب المصلين عن الخشوع والتدبر وشغلها بمظاهر الدنيا ،على حين يقصد من الدخول في المسجد الهرب من التصورات الدنيوية وتفريغ البال من زينتها ومغرياتها.
وهذا ما نبه إليه عمر رضي الله عنه .فقد روى البخاري في صحيحه أنه أمر ببناء مسجد فقال : ( أكن الناس من المطر وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس )
وقد اختلف العلماء في كتابة آية من القرآن في قبلة المسجد هل هي داخلة في النقش الممنوع أم لا ؟ يقول الزركشي في كتابه إعلام الساجد : ( ويكره أن يكتب في قبلة المسجد آية من القرآن أو شيئاً منه ، قال مالك وجوزه بعض العلماء ، وقال : لا بأس به - لما روي من فعل عثمان ذلك بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكر ذلك عليه ..
ومما ذكرناه يتبين لك خطأ ما يعمد إليه كثير ممن يهتمون بتعمير المساجد وتشييدها اليوم
حيث ينصرفون بكل جهودهم إلى التفنن في تزيينها ونقشها وإضفاء مختلف مظاهر الأبهة عليها - حتى أن الداخل إليها لا يكاد يستشعر أي معنى من ذل العبودية لله عز وجل
وإنما يستشعر ما ينطق به لسان حالها من الافتخار بما ارتقى إليه فن الهندسة المعمارية وفنون الزخرفة العربية .
ومن أسوأ نتائج هذا التلاعب الشيطاني ببسطاء المسلمين -أن الفقراء لم يعودوا يستطيعون أن يتهربوا من مظاهر الإغراء الدنيوي إلى أي جهة - لقد كان في المساجد ما يعزي الفقير بفقره ويخرجه من جو الدنيا وزخرفها إلى الآخرة وفضلها - فأصبحوا يجدون حتى في مظهر هذه المساجد ما يذكرهم بزخارف الدنيا التي حرموها ويشعرهم بنكد الفقر وأوضاره.
فيالله ماأسوأ ما وقع فيه المسلمون من هجران لحقائق إسلامهم وانشغال بمظاهر كاذبة ظاهرها الدين وباطنها الدنيا بكل ما فيها من شهوات وأهواء.
الأساس الثاني ( الأخوة بين المسلمين )
ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم آخى بين أصحابه من المهاجرين والأنصار ،آخى بينهم على الحق والمساواة ، وعلى أن يتوارثوا بينهم بعد الممات ، بحيث يكون أثر الأخوة الإسلامية في ذلك أقوى من أثر قرابة الرحم .
فجعل جعفر بن أبي طالب ومعاذ بن جبل أخوين ، وجعل حمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة أخوين ، وجعل أبا بكر الصديق رضي الله عنه وخارجة بن زهير أخوين ، وعكر بن الخطاب وعتبان بن مالك أخوين ، وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن ربيع أخوين ... وهكذا ....
ثم ربط النبي صلى الله عليه وسلم هذا التآخي بين أفراد الصحابة بنطاق عام من الأخوة والموالاة ، كما سنجد فيما بعد .
وقد قامت هذه الأخوة على أسس مادية أيضاً وكان حكم التوارث فيما بينهم من بعض الظواهر المادية . وظلت حقوق هذا الإخاء
مقدمة على حقوق القرابة إلى موقعة بدر الكبرى ،حيث نزل في أعقابها قوله تعالى :(وأولو الأرْحام بعضُهُمْ أَولى ببَعْضٍ في كتاب الله أنّ الله بكلّ شيءٍ عليمٌ ) [ الأنفال ] ، فنسخت هذه الآية ما كان قبلها وانقطع أثر المؤاخاة الإسلامية في الميراث ، ورجع كل إنسان في ذلك إلى نسبه وذوي رحمه ، أصبح المؤمنون كلهم إخوة .
روى البخاري عن ابن عباس قال : (كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم فلما نزلت ( ولكل جعلنا موالي ) نسخت ثم قال :( والذين عقدت أيمانكم ) النساء - أي من النصر والرفادة والنصيحة . وقد ذهب الميراث ( رواه البخاري في كتاب التفسير )
الدلائل والعبر :
وهذا هو الأساس الثاني الذي اعتمده رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل بناء المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية .وإن أهمية هذا الأساس تظهر في الجوانب التالية :
أولاً --- إن أي دولة لا يمكن أن تنهض وتقوم إلا على أساس من وحدة الأمة وتساندها ولا يمكن لكل من الوحدة والتساند أن يتم بغير عامل التآخي والمحبة المتبادلة .فكل جماعة لا تؤلف بينها آصرة المودة والتآخي الحقيقة - لايمكن أن تتحد حول مبدأ ما ، وما لم يكن الاتحاد حقيقة قائمة في الأمة أو الجماعة فلا يمكن أن تتألف منها دولة.
على أن التآخي أيضاً لا بد أن يكون مسبوقاً بعقيدة يتم اللقاء عليها والإيمان بها فالتآخي بين شخصين يؤمن كل منهما بفكرة أو عقيدة مخالفة للأخرى - خرافة ووهم خصوصاً إذا كانت تلك الفكرة أو العقيدة مما يحمل صاحبها على سلوك معين في الحياة العملية .
ومن أجل ذلك - فقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أساس الأخوة التي جمع عليها أفئدة أصحابه ، العقيدة الإسلامية التي جاءهم بها من عند الله تعالى والتي تضع الناس كلهم في مصاف العبودية الخالصة لله تعالى دون الاعتبار لأي فارق إلا فارق التقوى والعمل الصالح -إذ ليس من المتوقع أن يسود الإخاء والتعاون والإيثار بين أناس شتتهم العقائد والأفكار المختلفة فأصبح كل منهم ملكاً لأنانيته وأثرته وأهوائه .
ثانياً ---- إن المجتمع -أي مجتمع - إنما يختلف عن مجموعة ما الناس منتثرة متفككة ،
بشيء واحد ،هو قيام مبدأ التعاون ولتناصر فيما بين أشخاص هذا المجتمع ،وفي كل نواحي الحياة ومقوماتها، فإن كان هذا التعاون ولتناصر قائمين طبق ميزان العدل والمساواة فيما بينهم ،فذالك هو المجتمع العادل السليم ،وإن كانا قائمين على الحيف والظلم ،فذلك هو المجتمع الظالموالمنحرف0
وإذا كان المجتمع السليم إنما يقوم على أساس من العدالة في الاستفادة من أسباب الحياة والرزق - فما الذي يضمن سلامة هذه العدالة وتطبيقها على خير وجه ؟
أن الضمانة الطبيعية والفطرية الأولى لذلك ، إنما هي التآخي والتآلف - يليها بعد ذلك ضمانة السلطة والقانون .
فمهما أرادت السلطة أن تحقق مبادئ العدالة بين الأفراد ، فإنها لا تتحقق ما لم تقم على
أساس من التآخي والمحبة فيما بينهم .بل إن هذه المبادئ لا تعدو أن تكون حينئذ مصدر
أحقاد وضغائن تشيع بين أفراد ذلك المجتمع ،ومن شأن الأحقاد والضغائن أن تحمل في طيها بذور الظلم والطغيان في أشد الصور والأشكال .
من أجل هذا - اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من حقيقة التآخي الذي أقامه بين المهاجرين والأنصار أساسا لمبادئ العدالة الاجتماعية التي قام على تطبيقها أعظم وأروع نظام اجتماعي في العالم .ولقد تدرجت مبادئ هذه العدالة فيما بعد بشكل أحكام وقوانين شرعية ملزمة -ولكنها كلها إنما تأسست وقامت على تلك الأرضية - الأولى ، ألا وهي الأخوة الإسلامية ولولا هذه الأخوة العظيمة ، التي تأسست بدورها على حقيقة العقيدة الإسلامية ،لما كان لتلك المبادئ أي أثر تطبيقي وإيجابي في شدّ أزر المجتمع الإسلامي ودعم كيانه.
ثالثاً : ----المعنى التفسيري الذي صاحب شعار التآخي :
لم يكن ما أقامه الرسول صلى الله عليه وسلم بين أصحابه من مبدأ التآخي مجرد شعار في كلمة أجراها على ألسنتهم - وإنما كان حقيقة عملية تتصل بواقع الحياة وبكل أوجه العلاقات القائمة بين الأنصار والمهاجرين .
ولذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الأخوة مسؤولية محققة فيما بينهم على خير وجه - وحسبنا دليلاً على ذلك ما قام به سعد بن الربيع الذي كان قد آخى الرسول
صلى الله عليه وسلم بينه وبين عبد الرحمن بن عوف ، إذ عرض على عبد الرحمن بن عوف أن يشركه في بيته وأهله وماله في قسمة متساوية ، ولكن عبد الرحمن بن عوف
شكره وطلب منه أن يرشده إلى سوق المدينة ليشتغل فيها - ولم يكن سعد بن الربيع منفرداً عن غيره من الأنصار فيما عرضه على أخيه كما قد يظن ،بل كان هذا شأن عامة الصحابة في علاقتهم وتعاونهم بعضهم مع بعض .خصوصاً بعد الهجرة وبعد أن آخى النبي صلى الله عليه وسلم فيما بينهم .
ولذلك أيضاً - جعل الله سبحانه وتعالى حق الميراث منوطاً بهذا التآخي ،دون حقوق القرابة والرحم .فقد كان من حكمة هذا التشريع أن تتجلى الأخوة الإسلامية حقيقة محسوسة في أذهان المسلمين -وأن يعلموا أن ما بين المسلمين من التآخي والمحبة ليس شعاراً وكلاماً مجردين -وإنما عي حقيقة قائمة ذات نتائج اجتماعية محسوسة يتكون منها أهم الأسس اللازمة لنظام العدالة الاجتماعية .
أما حكمة نسخ التوارث على أساس هذه الأخوة ،فيما بعد ، فهي أن نظام الميراث الذي استقر أخيراً - إنما هو نفسه قائم على أخوة الإسلام بين المتوارثين ، إذ لا توارث بين ذوي دينين مختلفين ، إلا أن الفترة الأولى من الهجرة وضعت كلاّ من الأنصار والمهاجرين
أمام مسؤولية خاصة من التعاون والتناصر والمؤانسة - بسبب مفارقة المهاجرين لأهلهم وتركهم ديارهم وأموالهم في مكة ونزولهم ضيوفاً على إخوانهم الأنصار في المدينة -فكان ما أقامه الرسول صلى الله عليه وسلم من التآخي بين أفراد المهاجرين والأنصار ضمانة لتحقيق هذه المسؤولية .ولقد كان مقتضى هذه المسؤولية أن يكون هذا
التآخي أقوى في حقيقته وأثرة من أخوة الرحم المجردة .
فلما استقر أمر المهاجرين في المدينة وتمكن الإسلام فيها - وغدت الروح الإسلامية هي وحدها العصب الطبيعي للمجتمع الجديد في المدينة -أصبح من المناسب انتزاع القالب الذي كان قد صب فيه نظام العلاقة بين المهاجرين والأنصار إثر التقائهم في المدينة ،إذ لا يخشى على هذا النظام بعد اليوم من التفكك والتميع في ظل الأخوة الإسلامية العامة وما يترتب عليها من المسؤوليات المختلفة .ولا ضير حينئذ أن يعود تأثير قرابة الرحم بين المسلمين من حيث كونها مؤثراً زائداً على قرابة الإسلام وأخوته .
ثم إن هذا التآخي الذي عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار كان مسبوقاً بمؤاخاة أخرى أقامها النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين في مكة .قال ابن عبد البر : ( كانت المؤاخاة مرتين مرة بين المهاجرين خاصة وذلك بمكة ومرة بين المهاجرين والأنصار ) --( انظر فتح الباري )........
وهذا يؤكد لنا أن مناط الأخوة وأساسها إنما هو رابطة الإسلام - غير أنها احتاجت إلى تجديد وتأكيد بعد الهجرةبسبب ظروفها وبسبب اجتماع المهاجرين والأنصار في دار واحدة .فهي ليست في الحقيقة شيئاً آخر غير الأخوة القائمة على أساس جامعة الإسلام ووحدة العقيدة ، وإنما هي تأكيد لها عن طريق التطبيق....
الأساس الثالث
كتابة وثيقة بين المسلمين وغيرهم
وهذا الأساس هو ما قام به النبي عليه الصلاة والسلام مما يتعلق بالقيمة الدستورية للدولة الجديدة .روى ابن هشام أن النبي عليه الصلاة والسلام لم تمضى له سوى مدة قليلة في المدينة حتى اجتمع له إسلام عامة أهل المدينة من العرب -ولم يبق دار من دور الأنصار إلا أسلم أهلها عدا أفراداً من قبيلة الأوس - فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاباً بين المهاجرين والأنصار وادع فيه اليهود وعاهدهم ، وأقرهم على دينهم وأموالهم وشرط لهم واشترط عليهم .
وقد ذكر ابن إسحاق هذا الكتاب بدون إسناد - وذكره ابن خيثمة فأسنده : حدثنا أحمد بن جناب أبو الوليد ،ثنا عيسى بن يونس ،ثنا كثير بن عبد الله بن عمرو المزني عن أبيه عن جده أن رسول الله عليه الصلاة والسلام كتب كتاباً بين المهاجرين والأنصار -فذكر نحو ما ذكره ابن إسحاق ( انظر عيون الأثر لابن سيد الناس ) - وذكره الإمام أحمد في مسنده فرواه عن سريج قال : حدثنا عباد عن حجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب كتاباً بين المهاجرين والأنصار ........إلخ ( انظر مسند أحمد . شرح البنا )
- -لن نأتي بنص الكتاب كله -فهو طويل - ولكن نجتزئ منه البنود الهامة بنصوصها الواردة في كتابه عليه الصلاة والسلام - كي نقف من ورائها على مدى القيمة الدستورية للمجتمع الإسلامي ودولته الناشئة في المدينة .
وهذه هي البنود مرتبة حسب ترتيبها في نص الكتاب نفسه :
1--- المسلمون من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أمة واحدة من دون الناس .
2--هؤلاء المسلمون جميعاً على اختلاف قبائلهم يتعاقلون بينهم ويفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين .
3--إن المؤمنين لا يتركون مُفرحاً بينهم أن يعطوه في فداء أو عقل ( المفرح أي المثقل بالديون الكثير العيال .)
4-- إن المؤمنين المتقين -على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين ، وأن أيدهم عليه جميعاً ولو كان ولد أحدهم ...( الدسيعة : العظيمة ،وهي في الأصل ما يخرج من حلق البعير إذا رغا .)
5-- لا يقتل مؤمن مؤمناً في كافر - ولا ينصر كافراً على مؤمن
6-- إن سلم المؤمنين واحدة -لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم .
7-- ذمة الله واحدة -يجير عليهم أدناهم ، والمؤمنون بعضهم موالي بعض دون الناس .
8--- لا يحل لمؤمن أقرّ بما في الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثاً أو أن يؤويه ، أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة لا يؤخذ منه صرف ولا عدل
9-- اليهود ينفقون مع اليهود ما داموا محاربين .
10---يهود بني عوف أمة مع المؤمنين - لليهود دينهم - وللمسلمين دينهم إلا من ظلم وأثم فإنه لا يهلك إلا نفسه وأهل بيته .
11---إن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم .وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة .
12--كل ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده ، فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد رسول الله .
13-- من خرج من المدينة أمن ومن قعد آمن ، إلا من ظلم و أثم .
14--- إن الله على أصدق ما في الصحيفة وأبره ،وإن الله جار لمن برّ واتقى.
الدلائل والعبر ...
لهذه الوثيقة دلالات هامه تتعلق بمختلف الأحكام التنظيمية للمجتمع الإسلامي .
ونلخصها فيما يلي:
1-- إن كلمة ( الدستور ) هي أقرب إطلاق مناسب في اصطلاح العصر الحديث على هذه الوثيقة - وهي إذا كانت بمثابة إعلان دستور فإنه شمل جميع ما يمكن أن يعالجه أي دستور حديث يعنى بوضع الخطوط الكلية الواضحة لنظام الدولة في الداخل والخارج ؛ أي فيما يتعلق بعلاقة أفراد بعضهم مع بعض ،وفيما يتعلق بعلاقة الدولة مع الآخرين.
وحسبنا هذا الدستور الذي وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بوحي من ربه واستكتبه أصحابه ،ثم جعله الأساس المتفق عليه فيما بين المسلمين وجيرانهم اليهود . حسبنا ذلك دليلاً على أن المجتمع الإسلامي قام منذ أول نشأته على أسس دستورية تامة وأن الدولة الإسلامية قامت - منذ أول بزوغ فجرها - على أتم ما قد تحتاجه الدولة من المقومات الدستورية والإدارية.وظاهر أن هذه المقومات ، أساس لابد منه لتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في المجتمع . إذ هي في مجموعها إنما تقوم على فكرة وحدة الأمة الإسلامية وما يتعلق بها من البنود التنظيمية الأخرى - ولا يمكن أن نجد أرضية يستقر عليها حكم الإسلام وتشريعه ما لم يقم هذا التنظيم الدستوري الذي أوجده رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على إنه في الوقت نفسه جزء من الأحكام الشرعية نفسها.
ومن هنا تسقط دعاوى أولئك الذين يغمضون أبصارهم وبصائرهم عن هذه الحقيقة البديهية -ثم يزعمون أن الإسلام ليس إلا ديناً قوامه ما بين الإنسان وربه ،وليس له من مقومات الدولة والتنظيم الدستوري شيء . وهي أحبولة عتيقة ، كان يقصد منها محترفو الغزو الفكري وأرقاء الاستعمار -أن يقيدوا بها الإسلام كي لا ينطلق فيعمل عمله في المجتمعات الإسلامية ولا يصبح له شأن قد يتغلب به على المجتمعات المنحرفة الأخرى .
إذ الوسيلة إلى ذلك محصورة في أن يكون الإسلام ديناً لا دولة - وعبادات مجردة - لا تشريعاً وقوانين وحتى لو كان الإسلام ديناً ودولة في الواقع -فينبغي أن ينقلب فيصبح غير صالح لذلك ولو بأكاذيب القول .
غير أن هذه الأحبولة تقطعت سريعاً -لسوء حظ أولئك المحترفين وأصبح الحديث عنها من لغو القول ومكشوف الحقد والضغائن .
ولكن مهما يكن ،فينبغي أن نقول -ونحن بصدد تحليل هذه البنود العظيمة :( إن مولد المجتمع الإسلامي نفسه إنما كان ضمن هيكل متكامل للدولة -وما تنزلت تشريعاته إلا ضمن قوالب من التنظيم الاجتماعي المتناسق من جميع جهاته وأطرافه - وهذه الوثيقة أكبر شاهد على ذلك ).
وهذا مع غض النظر عن قيمة الأحكام التشريعية نفسها من حيث إنها قطع وأجزاء إذا ضُمّت إلى بعضها تكوّن منها تنظيم متكامل لبناء دستوري وإداري عظيم .
2---إن هذه الوثيقة تدل على مدى العدالة التي اتسمت بها معاملة النبي صلى الله عليه وسلم لليهود ،ولقد كان بالإمكان أن تؤتي هذه المسألة العادلة ثمارها فيما بين المسلمين واليهود - لو لم تتغلب على اليهود طبيعتهم من حب للمكر والغدر والخديعة -فما هي إلا فترة وجيزة حتى ضاقوا ذرعاً بما تضمنته بنود هذه الوثيقة التي التزموا بها - فخرجوا على الرسول والمسلمين بألوان من الغدر والخيانة سنفصل الحديث عنها في مكانها المناسب إن شاء الله ،فكان المسلمون بذلك في حل مما التزموا به تجاههم ..
3-- دلت هذه الوثيقة على أحكام هامة في الشريعة الإسلامية نذكر منها ما يلي :
أولاً ---يدلنا البند الأول منها على أن الإسلام هو وحده الذي يؤلف وحدة المسلمين وهو وحده الذي يجعل منهم أمة واحدة - وعلى أن جميع الفوارق والمميزات فيما بينهم تذوب وتضمحل ضمن نطاق هذه الوحدة الشاملة ، نفهم هذا جلياً واضحاً من قوله عليه الصلاة والسلام :( المسلمون من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم 0 أمة واحدة من دون الناس ) وهو أول أساس لا بد منه لإقامة مجتمع إسلامي متماسك سليم .
ثانياً :-- يدلنا البند الثاني والثالث على أن من أهم سمات المجتمع الإسلامي ظهور معنى التكافل والتضامن فيما بين المسلمين بأجلى صورة وأشكاله ، فهم جميعاً مسؤولون عن بعضهم في شؤون دنياهم وآخرتهم .وإن عامة أحكام الشريعة الإسلامية إنما تقوم على أساس هذه المسؤولية- وتحدد الطرق التنفيذية لمبدأ التكافل والتضامن فيما بين المسلمين
ثالثاً :---يدل البند السابع على مدى الدقة في المساواة بين المسلمين لا من حيث أنها شعار براق المزينة والعرض- بل من حيث أنها ركن من الأركان الشرعية الهامة للمجتمع الإسلامي ، يجب تطبيقه بأدق وجه وأتم صورة - وحسبك مظهراً لتطبيق هذه المساواة بين المسلمين ما قرره النبي صلى الله عليه وسلم في هذا البند بقوله : ( ذمة الله واحدة ، يجير عليهم أدناهم ) ومعنى ذلك أن ذمة المسلم أياً كان محترمة - وجواره محفوظ لا ينبغي أن يجار عليه فيه ،فمن أدخل من المسلمين أحداً في جواره - فليس لغيره حاكماً أو محكوماً أن ينتهك حرمة جواره هذا ، والمرأة المسلمة لا تختلف في هذا عن الرجل إطلاقاً
فلجوارها -أيا كانت -من الحرمة ما لا يستطيع أي إنسان مهما علت رتبته وبلغت منزلته -وذلك بإجماع عامة العلماء ،وأئمة المذاهب - غير أنه يشترط لذلك شروط معينة ذكرها الفقهاء كأن لا تكون إجارة تضر بالمسلمين كإجارة جاسوس - وأن تكون لعد محصور ،وأن تكون لمدة محدودة بحيث لا تزيد على أربعة أشهر .( راجع مغني المحتاج )
روى الشيخان وغيرهما أن أم هانئ بنت أبي طالب ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح فقالت :( يا رسول الله زعم ابن أمي علي أنه قاتل رجلاً أجرته : فلان ابن هبيرة - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ ) .
وتستطيع أن تتأمل هذا فتعلم مدى الرفعة التي نالتها المرأة في حمى الإسلام وظله -وكيف أنها نالت كل حقوقها الإنسانية والاجتماعية كما نالها الرجل سواء بسواء مما لم يحدث نظيره في أمة من الأمم.
غير أن المهم أن تعلم الفرق بين هذه المساواة الإنسانية الرائعة التي أرستها شريعة الإسلام -والمظاهر التقليدية لها مما ينادي به عشاق المدينة الحديثة اليوم .تلك شريعة من المساواة الدقيقة القائمة على الفطرة الإنسانية الأصيلة -يتوخى منها سعادة الناس كلهم نساء ورجالاً ،أفراد وجماعات .وهذه نزوات حيوانية أصيلة - يتوخى من ورائها اتخاذ المرأة مادة تسلية ورفاهية للرجل على أوسع نطاق ممكن - دون أي نظر إلى شيء آخر ..
رابعاً:-- يدلنا البند الثاني عشر على أن الحكم العدل الذي لا يجوز للمسلمين أن يهرعوا إلى غيره -في سائر خصوماتهم وخلافاتهم وشؤونهم إنما هو شريعة الله تعالى وحكمه - وهو ما تضمنه كتاب الله تعالى وسنة رسوله .ومهما بحثوا عن الحلول لمشكلاتهم في غير هذا المصدر فهم آثمون ،معرضون أنفسهم للشقاء في الدنيا وعذاب الله تعالى في الآخرة.
تلك هي أربعة أحكام انطوت عليها هذه الوثيقة التي أقام عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم الدولة الإسلامية في المدينة المنورة - وجعلها منهاجاً لسلوك المسلمين في مجتمعهم الجديد - وإن فيها لأحكاماً هامة أخرى لا تخفى لدى التأمل والنظر فيها.
ومن تطبيق هذه الوثيقة والاهتداء بما فيها ،والتمسك بأحكامها - قامت تلك الدولة على أمتن ركن وأقوى أساس -ثم انتشرت قوية راسخة في شرق العالم وغربه تقدم للناس أروع ما عرفته الإنسانية من مظاهر الحضارة والمدينة الصحيحة ..............