aldps61
02-10-2009, 11:44 PM
أما نسبه صلى الله عيه وسلم فهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ، ويدعى شيبة الحمد ، ابن هاشم بن عبد مناف واسمه المغيرة ،ابن قصيّ ويسمى زيداً ،ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان..
فهذا القدر المتفق عليه من نسبة الشريف صلى الله عليه وسلم ،أما ما فوق ذلك
فمختلف فيه ،لا يُعتمد عليه في شيء .غير أن مما لا خلاف فيه أن عدنان من ولد
إسماعيل نبي الله ابن إبراهيم خليل الله عليهما الصلاة والسلام ، وأن الله عز وجل قد اختاره من أزكى القبائل وأفضل البطون وأطهر الأصلاب ،فما تسلل شيء من أدران الجاهلية إلى شيء من نسبه.
روى مسلم بسنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشاً من كنانة واصطفى هاشماً من قريش واصطفاني من بني هاشم ...
وأما ولادته صلى الله عليه وسلم فقد كانت عام الفيل ،أي العام الذي حاول فيه أبرهة الأشرم غزو مكة وهدم الكعبة فرده الله عن ذلك بالآية الباهرة التي وصفها القرآن ،وكانت على الأرجح يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول .وقد ولد يتيماً ،فقد مات أبوه عبد الله وأمه حامل به لشهرين فحسب فعُني به جده عبد المطلب واسترضع له -على عادة العرب إذ ذاك -امرأة من بني سعد بن بكر يقال لها حليمة بنت أبي ذؤيب.
وقد أجمع رواة السيرة أن بادية بني سعد كانت تعاني إذ ذاك سنة مجدبة قد جفّ فيها الضرع ويبس الزرع ،فما هو إلا أن صار محمد صلى الله عليه وسلم في منزل حليمة واستكان إلى حجرها وثديها حتى عادت منازل حليمة من حول خبائها ممرعة مخضرة فكانت أغنا مها تروح منها عائدة إلى الدار شباعاً ممتلئة الضرع.
وقد حصلت أثناء وجوده صلى الله عليه وسلم في بادية بني سعد(حادثة شق الصدر )التي رواها مسلم، ثم أعيد بعدها إلى أمه وقد تم له من العمر خمس سنوات.ولما أصبح له من العمر ست سنوات ماتت أمه آمنه ،وما أن تحول الرسول إلى كفالة جده عبد المطلب حتى وافته هو الآخر منيته فمات وقد تم للنبي صلى الله عليه وسلم ثماني سنوات فكفله عمه أبو طالب
العبر والعظات:..........
يؤخذ من هذا المقطع من سيرته صلى الله عليه وسلم مبادئ وعظات هامة نجملها فيما يلي:...
فيما أوضحناه من نسبه الشريف صلى الله عليه وسلم ،دلالة واضحة على أن الله سبحانه وتعالى ميز العرب على سائر الناس ،وفضل قريشاً على سائر القبائل الأخرى.تجد هذه الدلالة واضحه في الحديث الشريف الذي رويناه عن مسلم ،وقد وردت بمعناه أحاديث كثيرة أخرى فمن ذلك ما رواه الترميذي أنه صلى الله عليه وسلم قام على المنبر فقال: من أنا ؟فقالوا :أنت رسول الله عليك السلام ،فقال : أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ،إن الله خلق الخلق ثم جعلهم فرقتين فجعلني في خير فرقة ثم جعل القبائل فجعلني في خير قبيلة ،ثم جعلهم بيوتاً فجعلني في خيرهم بيتاً وخيرهم نفساً.واعلم أن مقتضى محبة رسول الله ،محبة القوم الذين ظهر فيهم والقبيلة التي ولد فيها ،لا من حيث الأفراد والجنس بل من حيث الحقيقة المجردة .ذلك لأن الحقيقة العربية القرشية ،قد شرف كل منها -ولا ريب با نتساب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها.ولا ينافي ذلك ما قد يلحق من سوء بكل من قد انحرف من العرب أو القرشيين عن صراط الله عز وجل ،وانحط عن مستوى الكرامة الإسلامية التي اختارها الله لعباده ،لان هذا الانحراف أو الانحطاط من شأنه أن يودي بما كان من نسيه بينه وبين الرسول صلى الله عليه وسلم ويلغيها من الاعتبار.
2--ليس من قبيل المصادفة أن يولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتيماً،ثم لا يلبث أن يفقد جده أيضاً ،فينشأ النشأة الأولى من حياة بعيداً عن تربية الأب ورعايته محروماً من عاطفة الأم وحنوها.لقد اختار الله عز وجل لنبيه هذه النشأة لحكم باهرة ،لعل من أهمها أن لا يكون للمبطلين سبيل إلى إدخال الريبة في القلوب أو إيهام الناس بأن محمداً صلى الله عليه وسلم إنما رضع لبان دعوته ورسالته التي نادى بها منذ صباه ،بإرشاد وتوجيه من أبيه وجده ،ولم لا ؟ وإن جده عبد المطلب كان صدراً في قومه فلقد كانت إليه الرفادة والسقاية.
ومن الطبيعي أن يربي الجد حفيده أو الأب ابنه على ما يحفظ لديه هذا الميراث
لقد اقتضت حكمة الله عز وجل أن لا يكون للمبطلين من سبيل إلى مثل هذه الريبة
فنشأ رسوله بعيداً عن تربية أبيه وأمه وجده وحتى فترة طفولته الأولى ،فقد شاء الله عز وجل أن يقضيها في بادية بني سعد بعيداً عن أسرته كلها ،و لما توفي جده
وانتقل إلى كفالة عمه أبي طالب الذي امتدت حياته إلى ما قبل الهجرة بثلاث سنوات،كان من تتمة هذه الدلالة أن لا يسلم عمه ،حتى لايتوهم أن لعمه مدخلاً في دعوته ،وأن المسألة مسألة قبيلة وأسرة وزعامة ومنصب..
وهكذا أرادت حكمة الله أن ينشأ رسوله يتيماً تتولاه عناية الله وحدها بعيداً عن الذراع التي تمعن في تدليله والمال الذي يزيد في تنعيمه ،حتى لا تميل به نفسه إلى مجد المال والجاه وحتى لا يتأثر بما حوله من معنى الصدارة والزعامة ،فتلتبس على الناس قداسة النبوة بجاه الدنيا ،وحتى لا يحسبوه يصطنع الأول ابتغاء الوصول إلى الثاني.
يدل ما اتفق عليه رواة السيرة النبوية من أن منازل حليمة السعدية عادت ممرعه مخضرة بعد أن كانت مجدبة قاحلة ،وعاد الدرّ حافلاً في ضرع ناقتها الكبيرة المسنة بعد أن كان يابساً لا يتندى بقطرة لبن ،يدل ذلك على علوّ شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفعة مرتبته عند ربّه حتى عندما كان طفلاً صغيراً كغيره من الأطفال .فقد كان من أبرز مظاهر إكرام الله له أن أكرم بسببه بيت حليمة السعدية التي تشرفت بإرضاعه .وليس في ذلك من غرابه ولا عجب ،فقد علمتنا شريعتنا الإسلامية أن نستسقي عند انحباس المطر ببركة الصالحين من الناس ومن أهل بيت محمد صلى الله عليه وسلم رجاء استجابة الله لدعائنا .فكيف إذا تشرف المكان برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو طفل رضيع قد استكان إلى حجر حليمة والتقم ثديها ؟ إن من الجدير أن تكون سببيته لا خضرار الأرض المجدية من حوله أبلغ من سببية قطر السماء وينابيع الأرض وما دام الكل بيد الله
وهو وحده مسبب الأسباب جميعها فأجدر برسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون في مقدمة أسباب البركة والإكرام الإلهي ذلك أنه رحمة الله إلى الناس بصريح تبيانه سبحانه وتعالى (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ..) الأنبياء
تعد حادثة شق الصدر التي حصلت له عليه الصلاة والسلام أثناء وجوده في مضارب بني سعد من إرهاصات النبوة ودلائل اختيار الله لأمر جليل ،وقد رويت هذه الحادثة بطرق صحيحة وعن كثير من الصحابة منهم أنس بن مالك فيما يرويه مسلم في صحيحة :(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل وهو يلعب مع الغمان فأخذه فصرعه ،فشق عن قلبه فاستخرجه،فاستخرج منه علقة فقال :هذا حظ الشيطان منك ،ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ،ثم أعاده إلى مكانه ...وجاء الغلمان يسعون إلى أمه -مرضعته ينادون :إن محمداً قد قتل ، فاستقبلوه
وهو ممتقع اللون )...
وليست الحكمة من هذه الحادثة -والله أعلم -استئصال غدة الشر في جسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ،إذ لو كان الشر منبعه غدة في الجسم أو علقة في بعض أنحائه ،لأمكن أن يصبح الشرير خيرا بعملية جراحية.ولكن يبدو أن ّالحكمة هي إعلان أمر الرسول صلى الله عليه وسلم وتهيؤه للعصمة والوحي منذ صغره بوسائل مادية ،ليكون ذلك أقرب إلى إيمان الناس به وتصديقهم برسالته.إنها إذن عملية تطهير معنوي ولكنها اتخذت هذا الشكل المادي الحسي ،ليكون فيه ذلك الإعلان الإلهي بين أسماع الناس وأبصارهم.
وأياً كانت الحكمة فلا ينبغي -وقد ثبت الخير ثبوتاً صحيحاً محاولة البحث عن مخارج لنخرج منها بهذا الحديث عن ظاهرة وحقيقته إلى التأويل الممجوجة البعيدة المتكلفة .ولن تجد من مسوغ لمن يحاول هذا -على الرغم من ثبوت الخبر وصحته -إلا ضعف ينبغي أن نعلم بأن ميزان قبولنا للخير إنما هو صدق الرواية وصحتها فإذا ثبتت الرواية ثبوتاً بيّناً فلا مناص من قبوله موضوعاً على الرأس
وميزاننا لفهمه حينئذ دلالات اللغة العربية وأحكامها .والأصل في الكلام الحقيقة ولو أنه جاز لكل باحث وقارئ أن يصرف الكلام عن حقيقته إلى مختلف الدلالات المجازية ليتخير من بينها ما يروق له لا نشلّت قيمة اللغة وفقدت دلالتها وتاه الناس في مفاهيمها.
ثم فيم البحث عن التأويل ومحاولة استنكار الحقيقة ؟
أما إن ذلك لا يأتي إلا من ضعف في الإيمان بالله ،ثم من ضعف في اليقين بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصدق رسالته ،وإلا فما أسهل اليقين بكل ما صح نقله سواء عرفت الحكمة والعلة أم لم تعرف..
فهذا القدر المتفق عليه من نسبة الشريف صلى الله عليه وسلم ،أما ما فوق ذلك
فمختلف فيه ،لا يُعتمد عليه في شيء .غير أن مما لا خلاف فيه أن عدنان من ولد
إسماعيل نبي الله ابن إبراهيم خليل الله عليهما الصلاة والسلام ، وأن الله عز وجل قد اختاره من أزكى القبائل وأفضل البطون وأطهر الأصلاب ،فما تسلل شيء من أدران الجاهلية إلى شيء من نسبه.
روى مسلم بسنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشاً من كنانة واصطفى هاشماً من قريش واصطفاني من بني هاشم ...
وأما ولادته صلى الله عليه وسلم فقد كانت عام الفيل ،أي العام الذي حاول فيه أبرهة الأشرم غزو مكة وهدم الكعبة فرده الله عن ذلك بالآية الباهرة التي وصفها القرآن ،وكانت على الأرجح يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول .وقد ولد يتيماً ،فقد مات أبوه عبد الله وأمه حامل به لشهرين فحسب فعُني به جده عبد المطلب واسترضع له -على عادة العرب إذ ذاك -امرأة من بني سعد بن بكر يقال لها حليمة بنت أبي ذؤيب.
وقد أجمع رواة السيرة أن بادية بني سعد كانت تعاني إذ ذاك سنة مجدبة قد جفّ فيها الضرع ويبس الزرع ،فما هو إلا أن صار محمد صلى الله عليه وسلم في منزل حليمة واستكان إلى حجرها وثديها حتى عادت منازل حليمة من حول خبائها ممرعة مخضرة فكانت أغنا مها تروح منها عائدة إلى الدار شباعاً ممتلئة الضرع.
وقد حصلت أثناء وجوده صلى الله عليه وسلم في بادية بني سعد(حادثة شق الصدر )التي رواها مسلم، ثم أعيد بعدها إلى أمه وقد تم له من العمر خمس سنوات.ولما أصبح له من العمر ست سنوات ماتت أمه آمنه ،وما أن تحول الرسول إلى كفالة جده عبد المطلب حتى وافته هو الآخر منيته فمات وقد تم للنبي صلى الله عليه وسلم ثماني سنوات فكفله عمه أبو طالب
العبر والعظات:..........
يؤخذ من هذا المقطع من سيرته صلى الله عليه وسلم مبادئ وعظات هامة نجملها فيما يلي:...
فيما أوضحناه من نسبه الشريف صلى الله عليه وسلم ،دلالة واضحة على أن الله سبحانه وتعالى ميز العرب على سائر الناس ،وفضل قريشاً على سائر القبائل الأخرى.تجد هذه الدلالة واضحه في الحديث الشريف الذي رويناه عن مسلم ،وقد وردت بمعناه أحاديث كثيرة أخرى فمن ذلك ما رواه الترميذي أنه صلى الله عليه وسلم قام على المنبر فقال: من أنا ؟فقالوا :أنت رسول الله عليك السلام ،فقال : أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ،إن الله خلق الخلق ثم جعلهم فرقتين فجعلني في خير فرقة ثم جعل القبائل فجعلني في خير قبيلة ،ثم جعلهم بيوتاً فجعلني في خيرهم بيتاً وخيرهم نفساً.واعلم أن مقتضى محبة رسول الله ،محبة القوم الذين ظهر فيهم والقبيلة التي ولد فيها ،لا من حيث الأفراد والجنس بل من حيث الحقيقة المجردة .ذلك لأن الحقيقة العربية القرشية ،قد شرف كل منها -ولا ريب با نتساب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها.ولا ينافي ذلك ما قد يلحق من سوء بكل من قد انحرف من العرب أو القرشيين عن صراط الله عز وجل ،وانحط عن مستوى الكرامة الإسلامية التي اختارها الله لعباده ،لان هذا الانحراف أو الانحطاط من شأنه أن يودي بما كان من نسيه بينه وبين الرسول صلى الله عليه وسلم ويلغيها من الاعتبار.
2--ليس من قبيل المصادفة أن يولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتيماً،ثم لا يلبث أن يفقد جده أيضاً ،فينشأ النشأة الأولى من حياة بعيداً عن تربية الأب ورعايته محروماً من عاطفة الأم وحنوها.لقد اختار الله عز وجل لنبيه هذه النشأة لحكم باهرة ،لعل من أهمها أن لا يكون للمبطلين سبيل إلى إدخال الريبة في القلوب أو إيهام الناس بأن محمداً صلى الله عليه وسلم إنما رضع لبان دعوته ورسالته التي نادى بها منذ صباه ،بإرشاد وتوجيه من أبيه وجده ،ولم لا ؟ وإن جده عبد المطلب كان صدراً في قومه فلقد كانت إليه الرفادة والسقاية.
ومن الطبيعي أن يربي الجد حفيده أو الأب ابنه على ما يحفظ لديه هذا الميراث
لقد اقتضت حكمة الله عز وجل أن لا يكون للمبطلين من سبيل إلى مثل هذه الريبة
فنشأ رسوله بعيداً عن تربية أبيه وأمه وجده وحتى فترة طفولته الأولى ،فقد شاء الله عز وجل أن يقضيها في بادية بني سعد بعيداً عن أسرته كلها ،و لما توفي جده
وانتقل إلى كفالة عمه أبي طالب الذي امتدت حياته إلى ما قبل الهجرة بثلاث سنوات،كان من تتمة هذه الدلالة أن لا يسلم عمه ،حتى لايتوهم أن لعمه مدخلاً في دعوته ،وأن المسألة مسألة قبيلة وأسرة وزعامة ومنصب..
وهكذا أرادت حكمة الله أن ينشأ رسوله يتيماً تتولاه عناية الله وحدها بعيداً عن الذراع التي تمعن في تدليله والمال الذي يزيد في تنعيمه ،حتى لا تميل به نفسه إلى مجد المال والجاه وحتى لا يتأثر بما حوله من معنى الصدارة والزعامة ،فتلتبس على الناس قداسة النبوة بجاه الدنيا ،وحتى لا يحسبوه يصطنع الأول ابتغاء الوصول إلى الثاني.
يدل ما اتفق عليه رواة السيرة النبوية من أن منازل حليمة السعدية عادت ممرعه مخضرة بعد أن كانت مجدبة قاحلة ،وعاد الدرّ حافلاً في ضرع ناقتها الكبيرة المسنة بعد أن كان يابساً لا يتندى بقطرة لبن ،يدل ذلك على علوّ شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفعة مرتبته عند ربّه حتى عندما كان طفلاً صغيراً كغيره من الأطفال .فقد كان من أبرز مظاهر إكرام الله له أن أكرم بسببه بيت حليمة السعدية التي تشرفت بإرضاعه .وليس في ذلك من غرابه ولا عجب ،فقد علمتنا شريعتنا الإسلامية أن نستسقي عند انحباس المطر ببركة الصالحين من الناس ومن أهل بيت محمد صلى الله عليه وسلم رجاء استجابة الله لدعائنا .فكيف إذا تشرف المكان برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو طفل رضيع قد استكان إلى حجر حليمة والتقم ثديها ؟ إن من الجدير أن تكون سببيته لا خضرار الأرض المجدية من حوله أبلغ من سببية قطر السماء وينابيع الأرض وما دام الكل بيد الله
وهو وحده مسبب الأسباب جميعها فأجدر برسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون في مقدمة أسباب البركة والإكرام الإلهي ذلك أنه رحمة الله إلى الناس بصريح تبيانه سبحانه وتعالى (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ..) الأنبياء
تعد حادثة شق الصدر التي حصلت له عليه الصلاة والسلام أثناء وجوده في مضارب بني سعد من إرهاصات النبوة ودلائل اختيار الله لأمر جليل ،وقد رويت هذه الحادثة بطرق صحيحة وعن كثير من الصحابة منهم أنس بن مالك فيما يرويه مسلم في صحيحة :(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل وهو يلعب مع الغمان فأخذه فصرعه ،فشق عن قلبه فاستخرجه،فاستخرج منه علقة فقال :هذا حظ الشيطان منك ،ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ،ثم أعاده إلى مكانه ...وجاء الغلمان يسعون إلى أمه -مرضعته ينادون :إن محمداً قد قتل ، فاستقبلوه
وهو ممتقع اللون )...
وليست الحكمة من هذه الحادثة -والله أعلم -استئصال غدة الشر في جسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ،إذ لو كان الشر منبعه غدة في الجسم أو علقة في بعض أنحائه ،لأمكن أن يصبح الشرير خيرا بعملية جراحية.ولكن يبدو أن ّالحكمة هي إعلان أمر الرسول صلى الله عليه وسلم وتهيؤه للعصمة والوحي منذ صغره بوسائل مادية ،ليكون ذلك أقرب إلى إيمان الناس به وتصديقهم برسالته.إنها إذن عملية تطهير معنوي ولكنها اتخذت هذا الشكل المادي الحسي ،ليكون فيه ذلك الإعلان الإلهي بين أسماع الناس وأبصارهم.
وأياً كانت الحكمة فلا ينبغي -وقد ثبت الخير ثبوتاً صحيحاً محاولة البحث عن مخارج لنخرج منها بهذا الحديث عن ظاهرة وحقيقته إلى التأويل الممجوجة البعيدة المتكلفة .ولن تجد من مسوغ لمن يحاول هذا -على الرغم من ثبوت الخبر وصحته -إلا ضعف ينبغي أن نعلم بأن ميزان قبولنا للخير إنما هو صدق الرواية وصحتها فإذا ثبتت الرواية ثبوتاً بيّناً فلا مناص من قبوله موضوعاً على الرأس
وميزاننا لفهمه حينئذ دلالات اللغة العربية وأحكامها .والأصل في الكلام الحقيقة ولو أنه جاز لكل باحث وقارئ أن يصرف الكلام عن حقيقته إلى مختلف الدلالات المجازية ليتخير من بينها ما يروق له لا نشلّت قيمة اللغة وفقدت دلالتها وتاه الناس في مفاهيمها.
ثم فيم البحث عن التأويل ومحاولة استنكار الحقيقة ؟
أما إن ذلك لا يأتي إلا من ضعف في الإيمان بالله ،ثم من ضعف في اليقين بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصدق رسالته ،وإلا فما أسهل اليقين بكل ما صح نقله سواء عرفت الحكمة والعلة أم لم تعرف..