aldps61
02-08-2009, 11:39 PM
ولا بد ّ قبل أن ندخل في الحديث عن سيرته صلى الله عليه وسلم وعن الجزيرة العربية التي نشأ فيها و أختاره الله منها منم أن نستجلي الحكمة الإلهية التي اقتضت أن تكون بعثته عليه الصلاة والسلام في هذه البقعة من العالم دون غيرها،وأن تكون نشأة الدعوة الإسلامية على يد العرب قبل غيرهم.
ولبيان هذا ينبغي أولاً أن نعلم خصائص العرب وطباعهم قبل الإسلام،وأن
نتصور البقعة الجغرافية التي كانوا يعيشون فيها وموقعها مما حولها،وان
نتصور في مقابل ذلك مما كانت عليه الأمم الأخرى إذ ذاك،كالفرس والروم
واليونان والهنود ،من العادات والطباع والخصائص الحضارية
ولنبدأ أولاً بعرض موجز لما كانت عليه الأمم التي تعيش من حول الجزيزة العربية قبيل الإسلام..
كان يتصدر العالم إذ ذاك دولتان اثنتان تتقاسمان العالم المتمدن هما فارس والروم ويأتي من ورائهما والهند.
أما فارس فقد كانت حقلاً لوساوس دينية فلسفية متصارعة مختلف ،كان فيها الزرادشتية التي اعتنقها ذوو السلطة الحاكمون ،وكان من فلسفتها تفضيل زواج الرجل بأمه أو ابنته أو أخته.حتى إن يزدجرد الثاني الذي حكم في أواسط القرن الخامس الميلادي تزوج بأبنته. هذا إلى جانب انحرافات خلقية مشينة مختلفة لامجال لسردها هنا.
وكان فيها { المزدكية } التي قامت كما يقول الإمام الشهرستاني على فلسفة أخرى هي حل النساء وإباحة الأموال وجعل الناس شركة فيها كاشتراكهم في الماء والنار والكلأ ، وقد حظيت هذه الدعوة باستجابة عظيمة لدى أصحاب الرعونات والأهواء وصادفت لديهم قبولاً عظيماً..
وأما الرومان فقد كانت تسيطر عليها الروح الاستعمارية وكانت منهمكة
في خلاف ديني بينها من جهة وبين نصارى الشام ومصر من جهة أخرى
وكانت تعتمد على قوتها العسكرية وطموحها الاستعماري في مغامرة عجيبة من أجل تطويرها للمسيحية والتلاعب بها حسبما توحي به مطامعها وأهواؤها المستشرية.
ولم تكن هذه الدولة في الوقت نفسه أقل انحلالاً من دولة الفرس فقد كانت تسودها حياة التبذل والانحطاط والظلم الاقتصادي من جراء كثرة الإتاوات
ومضاعفة الضرائب.
أما اليونان فقد كانت غارقة في هوسات من خرافتها وأساطيرها الكلامية
التي منيت بها دون أن ترقى منها إلى ثمرة أو نتيجة مفيدة..
وأما الهند فقد كانت كما قال عنها الأستاذ أبو الحسن الندوي: أنه قد اتفقت كلمة المؤلفين في تاريخها أن أحط أدوارها ديانة وخلقاً واجتماعاً ذلك العهد الذي يبتدئ من مستهل القرن السادس عشر الميلادي فقد ساهمت الهند مع جاراتها وشقيقاتها في التدهور الأخلاقي والاجتماعي.
وينبغي أن نعلم أن القدر المشترك الذي أوقع هذه الأمم المختلفة فيما وقعت فيه من انحلال واضطراب وشقاء ،إنما هو الحضارة والمدنية اللتان تقومان على أساس من القيم المادية وحدها دون أن يكون ثمة مثل أعلى يقود هذه الحضارة والمدنية في سبيلهما المستقيم الصحيح.
ذلك أن الحضارة بمختلف مقوماتها ومظاهرها ليست سوى وسيلة وسبب
فإن عدم أهلها التفكير الصائب والمثل الأعلى الصحيح استحالت في أيديهم
إلى وسيلة للنزول بها إلى درك الشقاء والاضطراب ،اما إن أوتي أهلها مقياساً من العقل الرشيد الذي قلما يأتي إلا بواسطة الدين والوحي الإلهي
فإن القيم الحضارية والمدنية كلها تصبح وسائل جميلة سهلة إلى السعادة التامة في مختلف أنواعها ومظاهرها........
أما الجزيرة العربية فقد كانت هادئة بعيدة بل منعزلة عن مظاهر هذه الاضطرابات كلها فلم يكن لدى أهلها من الترف والمدنية الفارسية ما يجعلهم يتفننون في خلق وسائل الانحلال وفلسفة مظاهر الإباحية والانحطاط الخلقي ووضعها في قوالب من الدين.ولم يكن لديهم من الطغيان العسكري الروماني ما يبسطون به أيديهم بالتسلط على أي رقعة من حولهم
ولم يؤتوا من ترف الفلسفة والجدل اليوناني ما يصبحون به فريسة للأساطير والخرافات.
كانت طبائعهم أشبه ماتكون بالمادة{ الخام} التي لم تنصهر بعد في أي بوتقة محولة فكانت تتراآى فيها الفطرة الإنسانية السليمة والنزعة القوية إلى الاتجاهات الإنسانية الحميدة كالوفاء والنجدة والكرم والإباء والعفة
إلا أنه كانت تعوزهم المعرفة التي تكشف لهم الطريق إلى كل ذلك إذ كانوا يعيشون في ظلمة من الجهالة البسيطة والحالة الفطرية الأولى، فكان يغلب عليهم بسبب ذلك -أن يضلوا الطريق إلى تلك القيم الإنسانية فيقتلوا الأولاد بدافع الشرف والعفة ويتلفوا الأموال الضرورية بدافع الكرم ويثيروا فيما بينهم المعارك بدافع الإباء والنجدة.
وهذه الحالة هي التي عبر الله عزوجل عنها بالضلال حينما وصفهم بقوله
{وإن كنتم من قبله لمن الضالين} سورة البقرة.........
وهي صفة إذا ما نسبت إلى حال الأمم الأخرى إذ ذاك --تدل على الاعتذار لهم أكثر من أن تدل على تسفيههم أو تعييرهم بها..
ذلك أن الأمم الأخرى كانت تستهدي لانحرافاتها العظيمة بمشاعل الحضارة والثقافة والمدنية فكانت تتقلب في حمأة الفساد عن تبصر وتخطيط وفكر
ثم إن الجزيرة العربية تقع بالنسبة لرقعتها الجغرافية- في نقطة الوسط بين هذه الأمم التي كانت تموج من حولها
والنظر إليها اليوم يجد كما يقول الأستاذ محمد المبارك ...كيف أنها تقف في الوسط التام بين حضارتين جانحتين:
إحداهما حضارة الغرب المادية التي قدمت عن الإنسان صورة بتراء لاتقع
حتى على جانب جزئي من الحقيقة،وأخراهما الحضارة الروحية الخيالية في أقصى الشرق كتلك التي كانت تعيش في الهند والصين وما حولهما.
.........................
فإذا تصورنا حالة العرب في جزيرتهم قبل الإسلام وحالة الأمم المختلفة الأخرى المحيطة بهم ،سهل علينا أن نستجلي الحكمة الإلهية التي اقتضت أن تتشرف الجزيرة العربية دون غيرها بمولده وبعثته صلى الله عليه وسلم وأن يكون العرب هم الطليعة الأولى التي تحمل إلى العالم مشعل الدعوة إلى الدين الإسلامي الذي تعبد الله به الجنس البشري كله من أقصى العالم إلى أقصاه.
وهي ليست كما يظن البعض أن أصحاب التدين الباطل والحضارات الزائفة
يصعب فيهم العلاج والتوجيه لافتخارهم بما هم عليه من الفساد لرؤيتهم أياه شيئاً صالحاً ،أما الذين لا يزالون يعيشون في فترة البحث والتنقيب لا
ينكرون جهلهم ولايدّعون ما لم يؤتوه من مدنية وعلم وحضارة فهم أطوع للعلاج والتوجيه- نقول ليست هذه هي الحكمة لان مثل هذا التحليل يصدق بالنسبة لمن كانت قدرته محدودة وطاقته مخلوقة فهو يفرق بين ماهو سهل وصعب عليه ،فيفضل الأول ويتهرب من الثاني طمعاً في الراحة وكراهية للنصب.
ولو تعلقت إرادة الله تعالى بأن يجعل مشرق الدعوة الإسلامية من جهة ما في أرض فارس أو الروم أو الهند ،لهيأ لنجاح الدعوة فيها من الوسائل ما هيأ لها في الجزيرة العربية ،وكيف يعزّ ذلك عليه وهو خالق كل شيء ومبدع كل وسيلة وسبب.
ولكن الحكمة في هذا الاختيار من نوع الحكمة التي اقتضت أن يكون الرسول أُميّاً لايتلو من كتاب ولا يخطه بيمينه كم قال الله تعالى حتى لايرتاب الناس في نبوته عليه الصلاة والسلام وحتى لا تتكاثر لديهم أسباب الشك في صدق دعوته.
إن من تتمة هذه الحكمة الإلهية أن تكون البيئة التي بعث فيها عليه الصلاة والسلام أيضاً بيئة أُميّة بالنسبة للأمم الأخرى التي من حولها ،أي لم يتطرق إليها شيء من الحضارات المجاورة لها ولم تتعقد مناهجها الفكرية بشيء من تلك الفلسفات من حولها.
ذلك أنه كمايُخشى من دخول الريبة في صدور الناس إذا ما رأوا النّبي متعلّماً مطّلعاً على الكتب القديمة وتاريخ الأمم البائدة وحضارات الدول المجاورة كذلك يُخشى من دخول هذه الريبة في الصدور إذا ما ظهرت الدعوة الإسلامية بين أمة لها شأن في الحضارة والمدنية والفلسفة وتاريخ ذلك ،كدولة الفرس أو اليونان أو الرومان ،إذ رُبّ مرتاب مبطل يزعم أنها سلسلة التجارب الحضارية والأفكار الفلسفية أبدعت أخيراً هذه الحضارة الفذة والتشريع المتكامل.
ولقد أوضح القرآن الكريم هذه الحكمة بصريح العبارة حينما قال{هو الذي بعث في الأُميّين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمُهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مُبين} سورة الجمعة.
فلقد اقتضت إرادة الله تعالى أن يكون رسوله أُميّاً وأن يكون القوم الذين ظهر فيهم هذا الرسول أُميّين أيضاً في غالبيتهم العظمى ،حتى تكون معجزة النُّبوة والشريعة الإسلامية واضحة في الأذهان لا لبس بينها وبين الدعوات البشرية المختلفة. وهذا ينطوي كما هو واضح - على رحمة عظيمة بالعباد
..........
وهناك حكم أخرى لا تخفى على الباحث نجملها فيما يلي :
1-- من المعلوم أن الله عزوجل قد جعل البيت الحرام مثابة للناس وأمناً
وجعله أول بيت وضع للناس للعبادة وإقامة الشعائر الدينية وحقق في ذلك
الوادي دعوة أبي الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة والسلام.ومن لوازم هذا كله ومتمماته أن تكون هذه البقعة المباركة نفسها مهداً للدعوة الإسلامية التي هي ملة أبينا إبراهيم وأن تكون بعثة خاتم الأنبياء ومولده فيها كيف لا وهو
من نسل إبراهيم عليه الصلاة والسلام .
2--البقعة الجغرافية للجزيرة العربية ترشحها للقيام بعبء مثل هذه الدعوة بسبب أنها تقع كما قلنا - في نقطة الوسط بين الأمم المختلفة التي من حولها.
وهذا مما يجعل إشعاعات الدعوة الإسلامية تنتشر بين جميع الشعوب والدول المحيطة بها في سهولة ويسر وإذا أعدت النظر إلى سير الدعوة الإسلامية في صدر الإسلام وعصر الخلفاء الراشدين وجدت مصداق ذلك
جلياً واضحاً.
3-- اقتضت حكمة الله تعالى أن تكون اللغةالعربية هي لغة الدعوة الإسلامية وأن تكون هي الأداة المباشرة الأولى لترجمة كلام الله عزّ وجلّ
وإبلاغه إيانا.
ولعلنا لو أمعنا في خصائص اللغات وقارّنا بينها لوجدنا أن اللغة العربية تمتاز بكثير من الخصائص التي يعزّ وجودها في اللغات الأخرى
فأجدر بها أن تكون لغة المسلمين الأولى في مختلف ربوعهم وبلادهم.
..................
ولبيان هذا ينبغي أولاً أن نعلم خصائص العرب وطباعهم قبل الإسلام،وأن
نتصور البقعة الجغرافية التي كانوا يعيشون فيها وموقعها مما حولها،وان
نتصور في مقابل ذلك مما كانت عليه الأمم الأخرى إذ ذاك،كالفرس والروم
واليونان والهنود ،من العادات والطباع والخصائص الحضارية
ولنبدأ أولاً بعرض موجز لما كانت عليه الأمم التي تعيش من حول الجزيزة العربية قبيل الإسلام..
كان يتصدر العالم إذ ذاك دولتان اثنتان تتقاسمان العالم المتمدن هما فارس والروم ويأتي من ورائهما والهند.
أما فارس فقد كانت حقلاً لوساوس دينية فلسفية متصارعة مختلف ،كان فيها الزرادشتية التي اعتنقها ذوو السلطة الحاكمون ،وكان من فلسفتها تفضيل زواج الرجل بأمه أو ابنته أو أخته.حتى إن يزدجرد الثاني الذي حكم في أواسط القرن الخامس الميلادي تزوج بأبنته. هذا إلى جانب انحرافات خلقية مشينة مختلفة لامجال لسردها هنا.
وكان فيها { المزدكية } التي قامت كما يقول الإمام الشهرستاني على فلسفة أخرى هي حل النساء وإباحة الأموال وجعل الناس شركة فيها كاشتراكهم في الماء والنار والكلأ ، وقد حظيت هذه الدعوة باستجابة عظيمة لدى أصحاب الرعونات والأهواء وصادفت لديهم قبولاً عظيماً..
وأما الرومان فقد كانت تسيطر عليها الروح الاستعمارية وكانت منهمكة
في خلاف ديني بينها من جهة وبين نصارى الشام ومصر من جهة أخرى
وكانت تعتمد على قوتها العسكرية وطموحها الاستعماري في مغامرة عجيبة من أجل تطويرها للمسيحية والتلاعب بها حسبما توحي به مطامعها وأهواؤها المستشرية.
ولم تكن هذه الدولة في الوقت نفسه أقل انحلالاً من دولة الفرس فقد كانت تسودها حياة التبذل والانحطاط والظلم الاقتصادي من جراء كثرة الإتاوات
ومضاعفة الضرائب.
أما اليونان فقد كانت غارقة في هوسات من خرافتها وأساطيرها الكلامية
التي منيت بها دون أن ترقى منها إلى ثمرة أو نتيجة مفيدة..
وأما الهند فقد كانت كما قال عنها الأستاذ أبو الحسن الندوي: أنه قد اتفقت كلمة المؤلفين في تاريخها أن أحط أدوارها ديانة وخلقاً واجتماعاً ذلك العهد الذي يبتدئ من مستهل القرن السادس عشر الميلادي فقد ساهمت الهند مع جاراتها وشقيقاتها في التدهور الأخلاقي والاجتماعي.
وينبغي أن نعلم أن القدر المشترك الذي أوقع هذه الأمم المختلفة فيما وقعت فيه من انحلال واضطراب وشقاء ،إنما هو الحضارة والمدنية اللتان تقومان على أساس من القيم المادية وحدها دون أن يكون ثمة مثل أعلى يقود هذه الحضارة والمدنية في سبيلهما المستقيم الصحيح.
ذلك أن الحضارة بمختلف مقوماتها ومظاهرها ليست سوى وسيلة وسبب
فإن عدم أهلها التفكير الصائب والمثل الأعلى الصحيح استحالت في أيديهم
إلى وسيلة للنزول بها إلى درك الشقاء والاضطراب ،اما إن أوتي أهلها مقياساً من العقل الرشيد الذي قلما يأتي إلا بواسطة الدين والوحي الإلهي
فإن القيم الحضارية والمدنية كلها تصبح وسائل جميلة سهلة إلى السعادة التامة في مختلف أنواعها ومظاهرها........
أما الجزيرة العربية فقد كانت هادئة بعيدة بل منعزلة عن مظاهر هذه الاضطرابات كلها فلم يكن لدى أهلها من الترف والمدنية الفارسية ما يجعلهم يتفننون في خلق وسائل الانحلال وفلسفة مظاهر الإباحية والانحطاط الخلقي ووضعها في قوالب من الدين.ولم يكن لديهم من الطغيان العسكري الروماني ما يبسطون به أيديهم بالتسلط على أي رقعة من حولهم
ولم يؤتوا من ترف الفلسفة والجدل اليوناني ما يصبحون به فريسة للأساطير والخرافات.
كانت طبائعهم أشبه ماتكون بالمادة{ الخام} التي لم تنصهر بعد في أي بوتقة محولة فكانت تتراآى فيها الفطرة الإنسانية السليمة والنزعة القوية إلى الاتجاهات الإنسانية الحميدة كالوفاء والنجدة والكرم والإباء والعفة
إلا أنه كانت تعوزهم المعرفة التي تكشف لهم الطريق إلى كل ذلك إذ كانوا يعيشون في ظلمة من الجهالة البسيطة والحالة الفطرية الأولى، فكان يغلب عليهم بسبب ذلك -أن يضلوا الطريق إلى تلك القيم الإنسانية فيقتلوا الأولاد بدافع الشرف والعفة ويتلفوا الأموال الضرورية بدافع الكرم ويثيروا فيما بينهم المعارك بدافع الإباء والنجدة.
وهذه الحالة هي التي عبر الله عزوجل عنها بالضلال حينما وصفهم بقوله
{وإن كنتم من قبله لمن الضالين} سورة البقرة.........
وهي صفة إذا ما نسبت إلى حال الأمم الأخرى إذ ذاك --تدل على الاعتذار لهم أكثر من أن تدل على تسفيههم أو تعييرهم بها..
ذلك أن الأمم الأخرى كانت تستهدي لانحرافاتها العظيمة بمشاعل الحضارة والثقافة والمدنية فكانت تتقلب في حمأة الفساد عن تبصر وتخطيط وفكر
ثم إن الجزيرة العربية تقع بالنسبة لرقعتها الجغرافية- في نقطة الوسط بين هذه الأمم التي كانت تموج من حولها
والنظر إليها اليوم يجد كما يقول الأستاذ محمد المبارك ...كيف أنها تقف في الوسط التام بين حضارتين جانحتين:
إحداهما حضارة الغرب المادية التي قدمت عن الإنسان صورة بتراء لاتقع
حتى على جانب جزئي من الحقيقة،وأخراهما الحضارة الروحية الخيالية في أقصى الشرق كتلك التي كانت تعيش في الهند والصين وما حولهما.
.........................
فإذا تصورنا حالة العرب في جزيرتهم قبل الإسلام وحالة الأمم المختلفة الأخرى المحيطة بهم ،سهل علينا أن نستجلي الحكمة الإلهية التي اقتضت أن تتشرف الجزيرة العربية دون غيرها بمولده وبعثته صلى الله عليه وسلم وأن يكون العرب هم الطليعة الأولى التي تحمل إلى العالم مشعل الدعوة إلى الدين الإسلامي الذي تعبد الله به الجنس البشري كله من أقصى العالم إلى أقصاه.
وهي ليست كما يظن البعض أن أصحاب التدين الباطل والحضارات الزائفة
يصعب فيهم العلاج والتوجيه لافتخارهم بما هم عليه من الفساد لرؤيتهم أياه شيئاً صالحاً ،أما الذين لا يزالون يعيشون في فترة البحث والتنقيب لا
ينكرون جهلهم ولايدّعون ما لم يؤتوه من مدنية وعلم وحضارة فهم أطوع للعلاج والتوجيه- نقول ليست هذه هي الحكمة لان مثل هذا التحليل يصدق بالنسبة لمن كانت قدرته محدودة وطاقته مخلوقة فهو يفرق بين ماهو سهل وصعب عليه ،فيفضل الأول ويتهرب من الثاني طمعاً في الراحة وكراهية للنصب.
ولو تعلقت إرادة الله تعالى بأن يجعل مشرق الدعوة الإسلامية من جهة ما في أرض فارس أو الروم أو الهند ،لهيأ لنجاح الدعوة فيها من الوسائل ما هيأ لها في الجزيرة العربية ،وكيف يعزّ ذلك عليه وهو خالق كل شيء ومبدع كل وسيلة وسبب.
ولكن الحكمة في هذا الاختيار من نوع الحكمة التي اقتضت أن يكون الرسول أُميّاً لايتلو من كتاب ولا يخطه بيمينه كم قال الله تعالى حتى لايرتاب الناس في نبوته عليه الصلاة والسلام وحتى لا تتكاثر لديهم أسباب الشك في صدق دعوته.
إن من تتمة هذه الحكمة الإلهية أن تكون البيئة التي بعث فيها عليه الصلاة والسلام أيضاً بيئة أُميّة بالنسبة للأمم الأخرى التي من حولها ،أي لم يتطرق إليها شيء من الحضارات المجاورة لها ولم تتعقد مناهجها الفكرية بشيء من تلك الفلسفات من حولها.
ذلك أنه كمايُخشى من دخول الريبة في صدور الناس إذا ما رأوا النّبي متعلّماً مطّلعاً على الكتب القديمة وتاريخ الأمم البائدة وحضارات الدول المجاورة كذلك يُخشى من دخول هذه الريبة في الصدور إذا ما ظهرت الدعوة الإسلامية بين أمة لها شأن في الحضارة والمدنية والفلسفة وتاريخ ذلك ،كدولة الفرس أو اليونان أو الرومان ،إذ رُبّ مرتاب مبطل يزعم أنها سلسلة التجارب الحضارية والأفكار الفلسفية أبدعت أخيراً هذه الحضارة الفذة والتشريع المتكامل.
ولقد أوضح القرآن الكريم هذه الحكمة بصريح العبارة حينما قال{هو الذي بعث في الأُميّين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمُهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مُبين} سورة الجمعة.
فلقد اقتضت إرادة الله تعالى أن يكون رسوله أُميّاً وأن يكون القوم الذين ظهر فيهم هذا الرسول أُميّين أيضاً في غالبيتهم العظمى ،حتى تكون معجزة النُّبوة والشريعة الإسلامية واضحة في الأذهان لا لبس بينها وبين الدعوات البشرية المختلفة. وهذا ينطوي كما هو واضح - على رحمة عظيمة بالعباد
..........
وهناك حكم أخرى لا تخفى على الباحث نجملها فيما يلي :
1-- من المعلوم أن الله عزوجل قد جعل البيت الحرام مثابة للناس وأمناً
وجعله أول بيت وضع للناس للعبادة وإقامة الشعائر الدينية وحقق في ذلك
الوادي دعوة أبي الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة والسلام.ومن لوازم هذا كله ومتمماته أن تكون هذه البقعة المباركة نفسها مهداً للدعوة الإسلامية التي هي ملة أبينا إبراهيم وأن تكون بعثة خاتم الأنبياء ومولده فيها كيف لا وهو
من نسل إبراهيم عليه الصلاة والسلام .
2--البقعة الجغرافية للجزيرة العربية ترشحها للقيام بعبء مثل هذه الدعوة بسبب أنها تقع كما قلنا - في نقطة الوسط بين الأمم المختلفة التي من حولها.
وهذا مما يجعل إشعاعات الدعوة الإسلامية تنتشر بين جميع الشعوب والدول المحيطة بها في سهولة ويسر وإذا أعدت النظر إلى سير الدعوة الإسلامية في صدر الإسلام وعصر الخلفاء الراشدين وجدت مصداق ذلك
جلياً واضحاً.
3-- اقتضت حكمة الله تعالى أن تكون اللغةالعربية هي لغة الدعوة الإسلامية وأن تكون هي الأداة المباشرة الأولى لترجمة كلام الله عزّ وجلّ
وإبلاغه إيانا.
ولعلنا لو أمعنا في خصائص اللغات وقارّنا بينها لوجدنا أن اللغة العربية تمتاز بكثير من الخصائص التي يعزّ وجودها في اللغات الأخرى
فأجدر بها أن تكون لغة المسلمين الأولى في مختلف ربوعهم وبلادهم.
..................